الساحة الشعرية بظفار تفقد الشاعر عامر شدر العمري عن عمر ناهز 95 عاما

أحد رجالات المحافظة أصحاب المواقف.. ورائد من رواد فن الدبرارت والنانا

– طوَّر فن “الدبرارت” إلى نسق القصيدة العربية العمودية.

– سعيد الحكماني: كتب عن الفقد والموت حيث رحل عنه ابنه وعدد من أحبائه.

– د.عبدالله العمري: هو شاعر بليغ ومن رموز شعر الدبرارت على مستوى محافظة ظفار.

– علي المعشني: كان راويًا ولديه ذاكرة تستلهم الماضي، وسرده آسر.

– أدال العمرية: وصف الطبيعة واستخدم أسماء الأماكن كأركان لشعره

الدكتور عبدالله العمري يتوسط الشاعرين المرحومين،على يمينه الشاعر عامر شدر وعلى يساره الشاعر سهيل العمري

كتب: أحمد بن عامر المعشني – محمد بن سعيد المشيخي

الشاعر الراحل عامر شدر

ودعت الأسرة الأدبية والشعرية في محافظة ظفار 27 مارس الماضي الشاعر الشيخ عامر بن سهيل العمري الملقب بـ “عامر شدر” عن عمر ناهز ٩٥ عاما، إثر وعكة صحية، وهو أحد أعمدة الأدب في محافظة ظفار الذي له الكثير من البصمات منذ وقت مبكر من حياته إلى وفاته، إذ عمَّر -كما أشرنا- إلى 95 عاما، فقد ولد المرحوم في جبال ولاية سدح، وبالتحديد في مسقط رأسه منطقة “صوب” وينتمي إلى أسرة أدبية عرف عنها الشعر والأدب، ويعتبر المرحوم الشاعر عامر شدر أحد رواد فن “الدبرارت” في محافظة ظفار وتحديدا في ولاية سدح، التي تعتبر أصل فني “النانا” و”الدبرارت” في محافظة ظفار.

الدبرارت

ويعد عامر شدر هامة شعرية متميزة، فهو الشاعر الوحيد الذي طور قصيدة الدبرارت المعروفة في ظفار، والتي تشبة القصيدة العربية العمودية ذات الوزن الواحد والقافية الموحدة، إذ خرج بها عن هذا البناء التقليدي وأنشأ دبرارته اليتيمة، والتي لم ينظم شاعر آخر على شاكلتها إلى يومنا هذا، حيث نهج فيها الشاعر نهج المسمطات الشعرية المعروفة في الشعر العربي، حيث بدأ الشاعر قصيدته بشطر ينتهي بقافية الفاء ثم ثلاثة أشطر بقافية مختلفة ثم شطر آخر يوافق الأول في قافية الفاء ثم ثلاثة أشطر بقافية مختلفة والرابع يوافق الأول في قافية الفاء وهكذا حتى نهاية القصيدة، من مقاطع القصيدة قوله المرحوم:
“تعبور بسن ألخير بحفظ لس ألسجوف
كم كم يبر مني أحصون
عفر حشى بيطون
ألعود أرتيض بلعطون
قليب من تل دحلحروف
كم كم مربكب أيدشحن
أيبظرهم ألحم
طق جزير بيدحم
بتهم أسهيب نجوف”
حتى يقول:
“كم كم يبر جهل أحقوق
ظلوم مهيت بمروق
مغرى أفئ عق أغروق
أزوم إنلوهم باكفوف”

وهنا نحاول ترجمة إجمالية لهذه المقاطع بصورة عامة فيقول الشاعر في المقطع الأول كم من ناس قد حرثوا الأرض وبنوا القصور وسرعان ما غيبهم الموت قبل التمتع بما صنعوا، وفي المقطع الثاني يقول كم من المراكب المحملة التي قد أحسن صنعها أغرقتها الأمواج وأصبحت منكوبة، وفي المقطع الثالث يقول كم من البشر الذين قد جهلوا حقوق الناس وظلموا المساكين في الدنيا ولكن سيأتي يوم سيوفون ما عليهم بالقسط والميزان.
وفي هذه القصيدة تتصدر جميع أشطرها كم الخبرية التي توحي بكثرة وجود هذه الحقائق في حياة البشر بالإضافة إلى دلالاتها على خبرة الشاعر وتجاربه في الحياة، إضافة إلى العديد من الأعمال الشعرية والأدبية التي كان رحمه الله أحد رودها في المحافظة، وللوقوف على ما تركه الراحل – طيب الله ثراه – استمعنا إلى عدد من شعراء المحافظة وما قالوا عن الشاعر الراحل.

ظاهرة شعرية

“عمان الثقافي” أجرت عدة لقاءات من خلال اتصالات هاتفية مع بعض الشعراء الذين كانت له تجارب قريبة وعلاقة وطيدة مع الشاعر عامر شدر رحمه الله،

سعيد الحكماني

وبداية قال الشاعر والمنشد سعيد بن جحز الحكماني: “يعد عامر شدر ظاهرة شعرية فريدة، ظاهرة جمعت كل دروب التألق والإبداع في مجال شعر الدبرارت، وأرى أن الشاعر المرحوم عامر شدر، والشاعر المرحوم محاد أرعيب العمري يمثلان مرحلة ازدهار قصيدة الدبرارت تبعا للشاعر المرحوم محاد كشوب الملقب بـ الفهد الذي يعتبر مدرسة شعرية متفردة في مجال شعر الدبرارت في محافظة ظفار”.
وحول الإصدارات الشعرية يقول بن جحز: “كانت لي اشتغالات مع الشاعر الراحل عامر شدر، فلقد أصدرت ألبومين صوتين من كلمات الشاعر الراحل في تسعينيات القرن الماضي، وشهد الإصدارأن إقبالا واسعا من قبل جمهور الشعر الشعبي في ظفار، كما أسهمت هذه الإصدارات في انتشار قصائد الشاعر بشكل أوسع”.
ويتابع الشاعر سعيد بن جحز قائلا: “إن عامر شدر شاعر متمكن وعادة ما يجيد إذا ذكر الشمس والظل والجبال، ويكثر في قصائده من ذكر الموت والحساب ومصير الإنسان، ولعل ذلك يعود إلى مرارة الفقد التي عاشها الشاعر، فالموت قد غيب الكثير من أهله وأحبابه وابنه الوحيد”.

شخصية استثنائية

د.عبدالله العمري

أما سعادة الدكتور الشاعر عبدالله بن علي العمري عضو مجلس الشورى ممثل ولاية سدح فقد قال: “الشيخ الشاعر عامر بن سهيل العمري المعروف بعامر شدر، شخصية استثنائية بحق، رجل من جيل المؤسسين الذين واكبوا بناء عمان الحديثة منذ فجر النهضة المباركة، رجال لبوا نداء الوطن وبذلوا قصارى الجهد بكل إخلاص وتفانٍ خلف قيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد – رحمهما الله جميعًا واسكنهما فسيح جناته – رجال قدموا كل شيء من أجل الوطن قدموا الجهد والمال والحال وعاصروا نقلته النوعية في شتى المجالات ولذلك يقدرونه ويدركون قيمته ومعناه حق الإدراك”.
وأضاف: “الشيخ الشاعر عامر شدر كان رجلا ذا بصيرة وحكمة ونظرة ثاقبة، وطالما كان سببًا في إيجاد الحلول للمعضلات، وكان صاحب منطق في الحديث والحوار مما جعل أطروحاته الاجتماعية والعرفية تحظى بقبول الجميع، فهو أحد وجهاء ظفار وأعلامها وله مواقفه العديدة التي لا يتسع المقام لحصرها، كان رحمه الله صبورا جلدا مقدرًا للآخرين ومعطيا للناس مقاماتها ومنزلا للناس منازلها وكان يحس إلى الجار والقريب والبعيد، صاحب قرار وموقف إذا استدعى الأمر، خصه الله بخصال حميدة و صفات طيبة جعلته محل احترام وثقة الجميع”.
كما تطرق الدكتور عبدالله العمري إلى شاعرية المرحوم فقال: “إن الشاعر عامر شدر هو شاعر بليغ ومن رموز شعر الدبرارت على مستوى محافظة ظفار، وكذلك من أبرز شعراء النانا، قصائده يحفظها الكثيرون على الرغم من قدم بعضها لما بها من جزالة وفصاحة وصورة شعرية، كانت معظم أشعاره رحمه الله في الحكمة والموعظة والنصح، وقد تشرفت بأني كنت مشرفًا على عمل تلفزيوني عن شعر النانا والدبرارت كحلقة وثائقية ضمت أشهر الشعراء في هذا المجال، وإلا أن ظروفه الصحية -رحمه الله- حالت دون حضوره إلى الاستوديو فقد قمنا بتسجيل تقرير تلفزيوني مطول يضم لقاءات مع الراحل الشاعر الشيخ عامر شدر وكذلك الشيخ الشاعر الراحل سهيل عامر ليقاط العمري رحمهما الله جميعًا”.

عملاق الأدب الشعبي

كما شاركنا بالحديث عن الراحل الشاعرُ علي بن سهيل المعشني “أبو زايد”، حيث قال: “لقد فقدت عمان وظفار خاصة أحد شعرائها وأدبائها المعروفين، الشيخ الشاعر الأديب عملاق الأدب الشعبي الريفي على مستوى ظفار عامر بن سهيل العمري (عامر شدر)، أعجز أن أوفيه حقه أو أوجز مسيرته الحافلة الممتدة لقرابة ثلاثة عقود، تلك المسيرة التي أخذت العديد من الجوانب في الحكمة و القيادة والعرف والشعر والأدب والكرم والشجاعة والأخلاق والنبل، تعرفت على الشيخ عامر – رحمة الله عليه – في ثمانينيات القرن الماضي ومنذ عرفت هذا الرجل العملاق بهامة سمحان والمتواضع بتواضع سهول صلوت المنبسطة وهو نهر متدفق بالعطاء يشهد له القاصي والداني، كنت أشتاق زيارته وأحرص عليها كلما سنحت لي الفرصة، فهو المضياف الكريم صاحب الوجه الطلق يرحب بقدومك ويستقبلك بعبارات الثناء والترحاب رحمة الله تغشاه”.
واسترسل بقوله: “مجلس عامر شدر مجلس حكمة وأدب وتاريخ، فمجلسه كان عبارة عن موسوعة من القصص والأشعار والحكم، كما أنه راوٍ من الطراز العربي الأصيل، وكانت لديه ذاكرة ومهارة في سرد الأحداث والقصص القديمة سواءً قصصا عاصرها في حياته وهي كثيرة ومتنوعة أو كانت من قصص الأولين وعبرهم وحكمتهم، كان عامر شدر – رحمه الله – ياتيك بالقصة والقصيدة، وهنا بعد استماعك للقصة التي ولدت منها القصيدة تأتي القصيدة وقد مهدت قصتها في عقلك للاستماع والتشرب من مفرداتها وفهمها، وشعر عامر شدر كان في مجالين الدبرارت وهي اكثر أشعاره والنانا إضافة إلى الرواية”.
وتابع حديثه قائلا: “الشاعر عامر شدر صاحب رأي وحكمة وقيادة ليس لقبيلته بل لأبناء ولاية سدح، وكان الشيخ عامر يعامل الكل بمستوى واحد بل كان يقدم العطاء إلى من هم أبعد من قبيلته ويأثر على نفسه وأهله وكان عفيفا وكريما وشهما”.
وواصل حديثه عن الراحل قائلا: “هو شاعر من الطراز النادر في الدبرارت والنانا، وقد كانت أشعاره يتناقلها الناس على مستوى ظفار، وكانت تتصف بالحكمة والموعظة والقصص ومحاكاة الطبيعة بكل تفاصيلها ومفرداتها على جبل سمحان وما حوله مسقط رأسه، وكان لقصائده تأثير اجتماعي كبير وخاصة الوطنية منها، في بداية عهد النهضة أيام حرب ظفار والفترات من سنة سبعين إلى منتصف الثمانين من القرن الماضي”.
وأكد الشاعر علي المعشني أبو زايد بأن المرحوم كان من أبدع وأندر الرواة في ظفار، قائلا: “ذكر لي أحد الرجال الذين يلازمونه في مجلسه أنه حضر مجلس عامر شدر في فترة من الفترات كان يحضر مجلس عامر شدر من بعد صلاة العشاء ولمدة شهر وكان يحكي القصص والروايات والأقوال والأمثال والعبر المستفادة وكان لكل ليلة حديث لم يذكر في أي ليلة سبقتها وكان كالعادة يثري من جالسه بالحكمة والأدب والشعر والدعابة”.

ملامح من الأدب الشعبي في ظفار

علي المعشني

ومما أشار إليه الشاعر علي المعشني قوله: “في كتابي ملامح من الأدب الشعبي في ظفار عام ٢٠٠١م كان لي الشرف أن أضمن عنه عدة قصائد دبرارت مع رواياتها في ذلك الإصدار ومثله عدة شعراء من الرعيل الأول كالشاعر الكبير محاد الفهد كشوب والشاعر محاد أرعيب العمري والشاعرة طفول عبيدان العمري رحمة الله عليهم جميعا، وكان آخر لقائي بالمرحوم قبل وفاته بشهر تقريبا وقد بدا عليه المرض وكان يردد مقطع دبرارت تحكي عن حال الإنسان مهما طال فيه العمر لابد أن يستسلم في النهاية للمرض والموت، وكان رحمة الله حكيما في قوله وشعره، وقد كتبت دبرارت مرثية في يوم وفاته تحكي عن البعض القليل من مناقب هذا الرجل الفريد”.

مدرسة شعرية

كما التقينا مع أبرز شاعرتين في فن الدبرارت والنانا على مستوى ظفار في عهد النهضة المباركة، وتعتبران قطبين من أقطاب هذا الأدب في محافظة ظفار، فتلك الشاعرة أدال العمرية من رأس ساجر الشهير غرب المحافظة، وتلك الشاعرة طفول بنت محمد باقي من هضبة جبل سمحان في شرق ظفار تلك الجبال التي كانت ولا تزال نقاط ارتكاز ورمزية الشعر الريفي الظفاري على مر الأزمان.
وبداية قالت الشاعرة أدال العمرية: “المرحوم الشيخ عامر بن سهيل العمري، عامر شدر، مدرسة شعرية وأدبية في الشعر والأدب الشعبي الريفي في ظفار، وهو آخر شعراء الدبرارت الكبار على مستوى ظفار، أمثال الشاعر محاد الفهد كشوب والشاعر محاد سعيد العمري بن أرعيب، وغيرهم من عمالقة الشعر والأدب في ظفار، كان المرحوم شاعرا متفردا بالدبرارت والنانا والرواية وكان بالنسبة لي قدوة في الشعر، أستطيع أن أصف أسلوبه المتفرد في الوصف والتشبيه وغزارة المعنى بأنه لم يسبق إليه، الأمر الذي يتطلب من المتلقي وخاصة الشعراء الإبحار في لجج هذا النسق الفريد والحبك المجيد في قوة الكلمة وتموضعها وتوظيفها في مكانها الصحيح أو بالأحرى تطويعها وتأسيسها لخدمة الأغراض التي أوجدت من أجلها الدبرارت”.
وتابعت: “يتعرض الشاعر عامر شدر في شعر الدبرارت الى العديد من المواضيع مثل شعر الحكمة بشتى أنواعه وشعر وصف الطبيعة واستخدام أسماء الأماكن كأركان لشعره وكذلك شعر المدح والرثاء وقد عاصر عامر شدر الكثير من الأحداث والمواقف التي خلدها في أشعاره طوال فترة حياته التي قاربت على التسعين، وعامر شدر من سلالة شعراء معروفين كوالده المرحوم سهيل سعيد اعير العمري، كان مشهورا بشعر الحكمة والفصل في المجالس القبليه والأحداث وغيرها من أغراض الشعر”.

صاحب مبدأ وحكمه

من جانبها قالت الشاعرة طفول بنت محمد باقي: “المرحوم الشيخ عامر شُدر العمري من الشخصيات العمانية المعروفة والبارزة في المجتمع وخاصة في محافظة ظفار في مختلف المجالات، هو رجل وطني وشاعر متمكن له الكثير من المشاركات الوطنية والاجتماعية، هو أديب وصاحب مبدأ وحكمة، لذلك يعد أحد القامات العملاقة في مجال شعر الحكمة، رحم الله فقيد الكلمة والحكمة وأسكنه فسيح جناته”.