مرفأ قراءة…”كليلة ودمنة” نصًا ثقافيًّا.. تأليفًا لا ترجمة!

إيهاب الملاح

(1)
ونواصل الرحلة مع تراث ابن المقفع؛ الذي أعدُّه المثقف “الكوزموبوليتاني” الأول في الثقافة العربية، فيما بين الدولتين الأموية والعباسية.
تكاد تجمع كل الكتب التي أرَّخت لابن المقفع أو ترجمت له أنه كان من الأعيان، ميسورا، كريما، فلم يكن من مطلق الناس بل كان في وضعية الكاتب السلطاني؛ ذي الوجاهة والمكانة والمشورة. وكان من الذكاء بحيث لم ينخرط في سلك الدولة الأموية التي كانت في أواخر عهدها، كما فعل صديقه عبد الحميد الكاتب، بل احتفظ بعلاقة جيدة مع رجالها، وفي نفس الوقت ربطته صلات قوية مع الثورة العباسية، وخاصة مع كبار رجالها كأبي جعفر المنصور. إلى أن انغرس في رمال العباسيين الناعمة، وانكوى بنيرانها وكانت نهايته الدامية المأساوية على يد الرجل نفسه الذي توطدت علاقته به “أبو جعفر المنصور”، وبسبب تأليفه لـ “كليلة ودمنة”، ولرسالته الشهيرة “الصحابة”؛ جاءت خاتمته المدوية في تاريخ المقاتل والمحارق المخزية في التراث الإنساني كله.

(2)
وأما “كليلة ودمنة” في التراث العربي والعالمي فأشهر من أن تعرّف، وهي درة القصص الرمزي في التراث الإنساني كله (إذا كنا نتحدث عن أشهر ثلاثة أعمال قصصية جرَت على ألسن الحيوان والطير والبهائم فستكون “كليلة ودمنة” أهمها وأشهرها مع “حكايات أيسوب”، و”حكايات فولتير” في القرن السابع عشر).
ودون أن أكرر ما تكرر مئات بل آلاف المرات في شأن التعريف بـ”كليلة ودمنة” وأصلها الذي قيل إنها مأخوذة عنه، فإنني أميل بقوة إلى الرأي الذي يرى أن فعلَ ابن المقفع في “كليلة ودمنة” يتجاوز عملية الترجمة والنقل إلى الصياغة التأليفية الخاصة التي تحيل الأصل المترجم (سواء كان فارسيا مترجما عن نص هندي أو هندي خالص) إلى نصٍ عربي جديد أنشئ إنشاء؛ وأبدع إبداعا على غير مثال ولا نموذج، وإن كانت نواته أو بذرته عربية أو غير عربية، لا يهم.
ولعل عنوان المقال كله مستقى من الأطروحة العميقة التي كتبها قبل وفاته العالم الفولكلوري الكبير وأستاذ المأثورات الشعبية الجليل محمد رجب النجار (نُشرت بعد وفاته بعامين في كتاب بالعنوان ذاته)؛ وأثبت فيها بالأدلة اللغوية، والفيلولوجية، والمقارنات النصية أن “كليلة ودمنة” في صورتها العربية تختلف اختلافا كبيرا عن الأصل الذي تردد أنها مأخوذة عنه سواء في الفارسية أو “البانشاتانترا” الهندية، مؤكدا أنها تأليف عربي صرف؛ وفي سياق ثقافي عربي حتى وإن كانت نواتها الأولى مستقاة من أصول هندية.
لكني أزيد على ما فصله المرحوم محمد رجب النجار في تأكيد انتساب كليلة ودمنة إلى العربية لغة وثقافة بأدلة تحليلية أخرى تمدنا بها الدراسات الثقافية الحديثة؛ التي حاولت أن تنظر إلى النصوص القصصية العربية الكبرى (كليلة ودمنة، وألف ليلة وليلة، مثالا) نظرة فاحصة في سياق نشأة وتشكل المدينة العربية ومراكزها الحضارية منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري وحتى سقوط الخلافة العباسية عام 656 هـ

(3)
لم يكن من قبيل المصادفة، أن تركز ترجمة الإبداع غير العربي على الكتابة النثرية بوجه عام، والكتابة القصصية بوجه خاص، لقد كان ابن المقفع في وضعٍ لا يختلف كثيرًا عمن ترجم “ألف ليلة وليلة”، وأعاد صياغتها بما يؤكد أهدافه الخاصة؛ هذا الوضع نفسه لا يختلف عن وضع من ترجم معارف اليونان وآداب الفرس وعلم الصين، ومن حقق “ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”.
يؤكد الباحثون أن وضعَ ابن المقفع في هذا السياق هو وضع من يطلب المعرفة في كل مكان، ومن يدرك أن الإبداع قاسم مشترك بين بني الإنسان، ومن بدأ يؤمن أن “فن القص” يختلف عن فن الشعر الذي هو مقصور على أهله ولغته، ولا تجوز عليه الترجمة، فهو الفن الذي ينفتح على لغة الآخر، وينطق عبرها، ويؤدي فيها وبها وظائف متماثلة أو متقاربة لدى كل الأجناس والشعوب.
إن بيدبا الحكيم المذكر الذي يعلّم دبشليم الملك العدل، في لغة الهند، لا يختلف عن شهرزاد الأنثى التي تنتقل بسلطانها الذكر من حمأة القوة الشهوانية إلى ملكوت القوة العاقلة في لغة الفرس؛ كلاهما قرين “سندباد” الذي يصبح حضور الآخر في المكان مكملًا لحضوره في الوعي. وعندما ينطق هؤلاء وغيرهم باللسان العربي المبين، فإنهم يتحولون إلى أقنعة يختفي وراءها الكاتب المحدث الذي يريد، في المدينة المحدثة، أن يؤكد معاني العدل، والعقل، وحضور الآخر والانفتاح عليه في آن .
كانت هذه الفكرة هي المنطلق الذي قامت عليه دراسة الباحثة الراحلة ألفت الروبي “الموقف من القص في تراثنا النقدي”، ثم طور جابر عصفور تلك الفكرة بعد ذلك، ومشبعا إياها بمزيد من التحليل والشواهد الثقافية الدامغة.

(4)
لقد كان هذا الكاتب المحدث الذي نظّر لشعرية القصيدة المحدثة هو الذي صاغ أيضًا شعرية الكتابة القصصية المحدثة إبداعًا وتنظيرًا على السواء، بما كتبه هذا الكاتب تأليفًا، وأشاعه ترجمة واقتباسًا، وما نثره بين هذا وذاك تأصيلا، منذ أن صاغ ابن المقفع “كليلة ودمنة” قناعًا لإشكال أقرانه وأزمتهم، من قبل أن ينتصف القرن الثاني للهجرة، وقبل أن يقدّم سهل بن هارون كتاب “النمر والثعلب” بعده بما لا يجاوز القرن الثاني بسنوات، وقبل أن يصبح القص المقروء نوعًا أدبيًا يزاحم الدواوين الشعرية في حوانيت النسّاخ المتناثرة في طرقات المدن العربية وأزقتها .
وهكذا أخذ يقرأ القص المكتوب متعلمو هذه المدن الذين أخذوا يستوعبون معارف العالم من حولهم، قديمه وحديثه، ويرمزون بالكتابة إلى غرائب أقطاره وعجائب مخلوقاته، ويتناقلون تناقل الإيماء والتصريح قصص الصراع في عالمهم الجديد. وكان ذلك في لغة مدينية وصفها الجاحظ عندما تحدث عن حسن ألفاظ أهل المدن وجودة عباراتهم وذلاقة ألسنتهم، وحين قال إن اللحن في عوامهم فاش، وعلى من لم ينظر في النحو منهم غالب، وحين أكد ضرورة روايات ملح العامة ونوادرهم بلهجاتهم دون تغيير لها. وكان يؤصل بذلك عنصر الاختلاف الحواري في المستويات اللغوية للقص، ذلك العنصر الذي أصبح علامة فن القص، وشعاره في كل الأوقات.
وهكذا تجاوز نص “كليلة ودمنة” في رأيي إشكالية الترجمة والتأليف ليكون نصا ثقافيا إنسانيا؛ نموذجا لقيمة الرمز والإيماء والتخييل وإنطاق الأعجم الصامت بما لا يستطيعه المتحدث اللبق الفصيح؛ يقول ابن المقفع:
“وينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وُضعت له؛ وإلى أي غايةٍ جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مفصحٍ؛ وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالًا: فإن قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أُريد بتلك المعاني، ولا أي ثمرةً يجتني منها، ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه هذا الكتاب. وإنه، وإن كان غيته استتمام قراءته إلى آخره، دون معرفة ما يقرأ منه لم يعد عليه شيءٌ يرجع إليه نفعه”.

(5)
لقد كانت “كليلة ودمنة”، من هذا المنظور، هي النص السردي الملهم لأحد أبرع أحفاد عبد الله بن المقفع، من عباقرة الكتاب في الثقافة العربية والإنسانية، يظهر بعده بثلاثة عشر قرنا من الزمان، ليكتب “أولاد حارتنا”، ويكتب “الحرافيش”، ويكتب “ليالي ألف ليلة” مستلهما عبقرية الرمز والإيماء والتلميح لا التصريح في “كليلة ودمنة”، وعبقرية السرد وأساليبه في “ألف ليلة وليلة”..