روبرت سامويلسون من واشنطن بوست يكتب”ركود الاقتصاد ليس مستبعدا”

روبرت سامويلسون- واشنطن بوست – ترجمة: قاسم مكي

عندما شرعت في الكتابة عن الاقتصاد أوائل السبعينات عاهدت نفسي بألا أستخدم أبدا كلمة “الركود” في وصف حالة الاقتصاد. وكنت أعتقد أن علماء الاقتصاد والساسة الذين يفعلون ذلك أحيانا، يبالغون لأغراض حزبية. ولعبتهم في ذلك إخافةُ الناس ودفعُهم إلى الاعتقاد بقرب نهاية العالم أو الضغط على الكونجرس لتمرير تشريعٍ اقتصادي يحبذونه.

( الركود؛ وأحيانا يطلق عليه الكساد انكماش حاد يستمر لفترة ثلاثة سنوات أو أكثر ويؤدي إلى تدني الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 10% على الأقل. أما الانكماش فيعني تراجعا اقتصاديا لفترة لاتقل عن ستة أشهر وينعكس في الناتج المحلي الإجمالي. ويترافق مع الحالين ازدياد في حجم البطالة – المترجم ).

حسنا لقد تغير الزمان. وها أنا ذا أتخلى عن تعهدي. أفعل ذلك ليس لاستنتاجي بأننا سلفا في ركود. ولكن لأننا يمكن أن نكون كذلك. فلأول مرة في حياتي أعتقد أنه من الممكن تصور حدوث ركود اقتصادي.

ومن الواضح أن ذلك أمر جلل. فهو ينطوي ضمنا على مستوياتِ بطالةٍ مرتفعة ودائمة (رغم اتسامها بالتقلب) وقدرٍ أكبر من عدم الاستقرار وصدامٍ بين الديموقراطية والنظام الاقتصادي. منذ الحرب العالمية الثانية كانت دورة الأعمال، مع استثناءات قليلة ملفتة للنظر، معتدلة وقصيرة نسبيا.

(تعرف دورة الأعمال أيضا بالدورة الاقتصادية وتعني ارتفاع وانخفاض إنتاج السلع والخدمات وتقاس بالتغير في الناتج المحلي الإجمالي- المترجم).

ففي الفترة من 1945 إلى 1990 حدثت عشرة انكماشات (جمع/ انكماش) استغرق كل منها عشرة أشهر في المتوسط، بحسب المكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية وهو مجموعة أكاديمية تؤرخ لحالات انكماش وتعافي الاقتصاد.

كانت التراجعات الاقتصادية أحيانا شديدة الوطأة. وبلغت البطالة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ذروتها عندما وصل معدلها إلى 10.8% أواخر عام 1982. ووضعت التخمة في العمالة (عدد العمال) والمنتجات نهاية للتضخم الذي يزيد عن رقمين (10% فما فوق).

لكن حتى حالات الانكماش الأشد قسوة في فترة ما بعد الحرب كانت لطيفة مقارنة بالركود (الكساد) العظيم في ثلاثينات القرن الماضي. هنالك ثلاثة خصائص على الأقل يتصف بها الركود ويتميز بها عن انكماشات الفترة التي أعقبت الحرب الثانية.

بورصة نيوروك 1929.. جمع من التجار في الأيام الأولى للكساد العظيم “أ ف ب”

أولا، حجم الخراب الاقتصادي والمعاناة الإنسانية. في عام 1933 بلغت نسبة البطالة 25% (من إجمالي العمالة المتاحة). وطوال عقد الثلاثينات ظل معدل الافتقار للوظائف عند مستوى يزيد عن رقمين عشريين.

يدور جدل فَنِّي وسط علماء الاقتصاد اليوم حول مستوى البطالة بالضبط وقتها. لكنهم لايختلفون بأنه كان ضخما. ففي الفترة من 1929 إلى 1933 هبط الناتج المحلي الإجمالي ( إنتاج الاقتصاد) بحوالي 25%.

وكانت حالات التخلف عن سداد قروض المزارع والمساكن متفشية. كما تدهور الإنتاج الصناعي.

ثانيا، كان هنالك فراغ فكري بمعنى أن علماء الاقتصاد افتقروا إلى نظرية مقبولة على نطاق واسع لتفسير الركود. وكانت الفكرة السائدة هي أن التراجعات الاقتصادية ستصحح نفسها بنفسها إلى حد كبير. فتكاليف العمل وأسعار السلع ستهبط وتعيد بذلك إلى الشركات ربحيتها وتمكنها من التوسع في الإنتاج.

لكن الاقتصاد لم يتصرف على النحو المتوقع. وواصل الركود استفحاله. وشعر قادة الأعمال والساسة بأنهم لاحول لهم ولا قوة. وضخَّم فقدان الثقة من الشكوك بإمكانية تعافي الاقتصاد.

ثالثا، لم تكن توجد في البداية شبكة ضمان اجتماعي لامتصاص التكاليف البشرية للانهيار الاقتصادي. ومع استفحال الركود ردّ بعضهم سببه إلى فاقدي الوظائف أنفسهم، كما نوَّه بذلك المؤرخ روبرت مكيلفين في كتابه الشامل “الركود العظيم”.

وكان فحوى هذا الموقف هو “لابد أن ثمة شيء خاطئ يتعلق بمن لا يستطيع الحصول على وظيفة”.

وعلى مدى عقود ظلت هنالك قناعة راسخة لدى علماء الاقتصاد بأن ركودا آخر لايمكن أن يحدث لأن أسبابه الأساسية عولجت بنجاح. نعم يختلف الاقتصاديون حول بعض النقاط. لكن ثمة نظرية مقبولة على نطاق عريض للسيطرة على دورات الأعمال يمكن أن نسميها “كينزية معدلة”نسبة إلى الاقتصادي الشهير جون مينيارد كينز.

ففي الانكماش سيكون المطلوب خفض أسعار الفائدة والتوسع في عجز الموازنة الحكومي. هذه الخطوات ستحفز على الإنفاق والإنتاج مما يمنع التدهور المفرط للاقتصاد.

أما أولئك الذين لايزالون بلا عمل فهناك شبكة أمان لابأس بها ( تشمل تأمينا ضد البطالة وطوابع طعام وعونا صحيا) للتخفيف من معاناتهم الشخصية. لقد حدث تحول في نظرة الناس. فهم يشعرون أن من “حقهم” التمتع بالحماية الاجتماعية الحكومية.

وحل هذا الشعور محل الإحساس بالخجل (من طلب العون من الآخرين بما في ذلك من الحكومة- المترجم). ومهما كانت نظرة المرء لهذا السياسات إلا أنها، كما يبدو، تفقد نجاعتها الشافية. فنحن نخفض أسعار الفائدة ونزيد من عجوزات الموازنة على مدى سنوات دون أن نحمي أنفسنا من حالات عدم الاستقرار المتعاظمة أبدا.

يمكن القول أن الانكماش العظيم (في الفترة 2008-2009) وكذلك التراجع الحالي في الاقتصاد أشد شراسة من انكماشات ما بعد الحرب. في عام 2009 أنقذتنا حزمة التحفيز التي أجازها الكونجرس بمبلغ تريليون دولار والقنوات المتعددة التي استحدثها بنك الاحتياط الفدرالي لإقراض المال لمن حاصرتهم بالديون. والآن تجيء أزمة فيروس كورونا التي تجعل تلك الجهود ضئيلة القيمة.

لقد أجاز الكونجرس حزمة إنقاذ بحوالي تريليوني دولار(توجد تقديرات مختلفة لحجمها) بجانب ذلك، ابتدع بنك الاحتياط المزيد من برامج الإقراض التي يفترض أن تضخ المزيد من تريليونات الدولارات في أسواق الائتمان.

لقد تم اتخاذ كل ذلك في وقت قياسي. علينا أن نسال أنفسنا. لماذا العجلة؟

الإجابة هي كما يبدو أن مجرد ضخامة هذه الجهود ستطمئن الناس وأسواق المال بأن كل شيء سيكون على مايرام. هل فعلا سيكون ذلك كذلك؟

لا أعلم. وربما لا أحد يعلم.

لكن الثقة التي كانت لدينا يوما ما في قدرتنا على تخيل المستقبل والسيطرة عليه تتبدد.

وضعنا الآن يشبه باطَّراد الوضعَ في أعوام الثلاثينات عندما لم تعد اليقينيات القديمة تتوافق مع الحقائق الحاضرة. إن الخط الفاصل بين الركود والانكماش الحاد مُبهَم في أفضل الأحوال.

وإذا لم نكن قد وصلنا بعد إلى (الركود) فنحن أقرب إليه من أي وقت مضي منذ الحرب العالمية الثانية.