الخوف والعزلة

غادة الأحمد

يرى ميلان كونديرا: ” أن كلٌاّ منا يخاف فكرة الزوال من عالم لا يُبالي بوجوده، الزوال دون أن يراه أو يسمعه أحد. في مواجهة هذا الخوف ربما ينبع نضالنا الإنساني كله، نضال من أجل نزع اعتراف العالم بنا .”
هذا الخوف الذي بات يقض مضجع البشرية جراء حالة العزلة المفروضة إثر تفشي وباء كورونا الذي يحصد يوميًا آلاف الضحايا، ليزيد من عزلة العالم وفردانيته عبر سلسلة من الإجراءات الاحترازية التي تمنع الاختلاط والتجمع وتوصي بالتزام البيوت والغرف.
هي عزلة لم يكن الأكاديمي البريطاني وأستاذ التاريخ الاجتماعي ديفيد فنسنت يضعها في حسبانه وهو يؤَلف كتابه “تاريخ العزلة “و لم يكن يعلم أنه سينشر في العام 2020 بالتزامن مع تفشي جائحة كورونا التي فرضت على مئات الملايين من البشر ما يشبه العزلة الذاتية، ومدفوعا بمخاوفه من تنامي “وباء الوحدة”، كان فنسنت يسعى لتأريخ تطور العزلة على مدى القرون الثلاثة الماضية من منزله الريفي قرب ويلز البريطانية، مستكشفا كيف تصرف الناس في غياب الصحبة والرفقة الاجتماعية..
وفي كتابه هذا الذي يعد سردًا كاملًا لتاريخ العزلة المعاصرة، قال فنسنت: إن المثقفين في العصر الرومانسي الأوروبي -الذي تميز بالعناية بالمشاعر والعواطف والخيال- كانوا يرون الوحدة فترة راحة للمواطنين الذين يعيشون في مجتمعات حديثة ومعقدة، وبينما كان ينظر للوحدة أنها من سمات الحياة الحديثة، اعتبرت أيضًا مرضًا خطيرًا قد يؤدي للاضطراب النفسي والسلوك المعادي للمجتمع..
وأصبحت هذه الطبيعة المتناقضة للعزلة مصدر قلق كبير في العصر الحديث مع ظهور ما يسمى “بوباء الوحدة”؛ ولهذا أصبحت دراسة تاريخ رغبة الإنسان في العزلة والانفصال عن العالم موضوعًا أكثر أهمية في الزمن الراهن أكثر من أي وقت مضى..
يلقي فنسنت في كتابه الضوء على مفهوم الوحدة والهلع حول ما يسمى “وباء الوحدة” التي يرى أنها عزلة فاشلة، مستعرضًا النمو السريع في عدد الأشخاص الذين يختارون العيش بمفردهم منذ الحرب العالمية الثانية لأنهم أرادوا التمتع بمزايا العزلة، وأصبح ذلك ممكنًا بعد تحسن مستويات المعيشة وظروف السكن والاتصالات، مرجحًا أن تكون آلام الوحدة الحادة بسبب الحرمان ونقص الخدمات الاجتماعية والصحية وليس بسبب الوحدة ذاتها.
وتلقي الكاتبة فاي باوند آلبرتي في كتابها “سيرة العزلة” باللوم على نمط الحياة الحديث لتسببه بهذه الوحدة المتزايدة، وتعتبر أن الغرق في منشورات مواقع التواصل الاجتماعي لأشخاص لا نعرفهم في أغلب الأحيان يشكل نوعًا من الضياع في ظل عالم يتجه أكثر نحو الفردانية ويتجنب الشعور بمعاناة الآخرين أو يتظاهر بعدم رؤيتهم، وهو بالضبط ما نبَه إليه كونديرا في مستهل هذه المقالة.
هنا على المؤمنين بإمكانية البدايات الجديدة أن يحاربوا الخوف والعُزلة، فرُؤية ولو قطاع بسيط من البشر يُؤمنون بالتضامن والحب بين الناس وقدسية الإنسان والحياة، ويتمسّكون ببعضهم بعضا وبمَن حولهم دون أي سعي لاستغلال أو لمنفعة مادية، في واقع استهلاكي مادي قائم على التهميش والإهمال والتكبر والاستغلال، في محاولة جادة لتغيير هذا الواقع الذي بقي مسيطرًا على مدى عقود، جاء هذا الوباء ليرسم ملامح إنسانية واجتماعية هي أول الطريق نحو الخلاص من أسر الخوف والعزلة.