وسائل التواصل الاجتماعي بُعد آخر مهم للحكومة الإلكترونية

كتب:شفيق بن درويش العبري

شفيق بن درويش العبري

تشهد وسائل التواصل الاجتماعي تنامياً في استخدامها، إذ تشير الإحصائيات الصادرة في يناير 2020 عن منصة “هوتسوت” وموقع “ويي آر سوشيال” المتخصصين في وسائل التواصل الاجتماعي بأن عدد مستخدمي الإنترنت على المستوى العالمي وصل إلى أكثر من 4.54 مليار مستخدم والذين يشكلون ما نسبته 59% من مجمل سكان العالم البالغ عددهم 7.75 مليار نسمة تقريباً وذلك بزيادة قدرها 7% عن نفس الفترة من العام الماضي، وأن 3.8 مليار مستخدمين فاعلين لوسائل التواصل الاجتماعي بما نسبته 49% من مجمل سكان العالم. ومنذ يناير 2019 وحتى يناير 2020 زاد عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة 9.2% أي بزيادة قدرها 321 مليون مستخدم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن عدد مستخدمي الإنترنت في دول غرب آسيا والتي من بينها السلطنة وصل إلى 56% مقارنة بعدد السكان، وأن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يشكلون ما نسبته 83% من مجمل مستخدمي الإنترنت. يتصدر الفيس بوك وسائل التواصل الاجتماعي فهو الأكثر استخداماً، إذ أن عدد مستخدميه النشطين شهريا على مستوى العالم يزيد عن 2.32 مليار مستخدم. ويقضي الأفراد أوقاتهم في وسائل التواصل الإجتماعي بمعدل ساعتين و أربعة وعشرين دقيقة يومياً حسب احصائيات عام 2019، وازداد مقدار الوقت التي يقضيه الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2019 بمعدل 1.4% مقارنة بعام 2018.
وسلطنة عُمان كباقي دول العالم واكبت هذا التطور المتسارع في وسائل التواصل الاجتماعي وتنامى عدد المستخدمين لها حتى بلغ حسب بعض الاحصائيات 2.8 مليون مستخدم، حيث أن (64.25%) يستخدمون الفيس بوك، (12.15%) يستخدمون التويتر، و (11.61%) يستخدمون اليوتيوب، و(7.27%) يستخدمون الإنستجرام، و(4.46%) يستخدمون بينتيريست، و(0.12%) يستخدمون لينكد إن.
وإن النمو المتسارع في استخدام منصات التواصل الاجتماعي كان نتيجة للتطور الذي شهده قطاع الأجهزة المحمولة كالهواتف الذكية والآيباد وما تمتلكه من إمكانيات متطورة وقدرات عالية، حيث سهلت تلك الأجهزة الانفتاح على العالم الخارجي من خلال قدرتها على الاتصال بالشبكة العالمية للمعلومات الإنترنت، كما أنها تضم تطبيقات وبرامج متعددة سهلت على المستخدمين عملية التصفح والاطلاع على المعلومات والمعارف والأخبار والتواصل مع الآخرين في مختلف المجتمعات متجاوزة بذلك حدود المكان والزمان. وقد أصبحت تلك المنصات جزءاً لا يتجزأ من حياة الكثير من الأفراد الذين أدمنوا على المواظبة عليها ومتابعة كل المستجدات والمواضيع التي تطرح وتناقش فيها، بل تعدت إلى كونها المتنفس الوحيد للكثيرين ممن يفضلون التواجد على الفضاء الإلكتروني بدلاً من اللقاءات الاجتماعية المباشرة التي قد تكون غَيرَ ممكنة في كثير من الأحيان لبعد المسافة وفارق التوقيت، أو في حالة الكوارث والمخاطر وانتشار الأوبئة. وبالرغم من كون تلك الوسائل كانت تستخدم في غالبها للتواصل بين الأفراد لإرسال الرسائل النصية، والصور، ومقاطع الفيديو، إلا أنه مع تنامي استخدامها فقد فرضت علاقات متداخلة ووثيقة بين الأفراد والمؤسسات. وأصبحت منصات تجمع بين المستهلكين والشركات وبين المواطنين والحكومات يتواصلون من خلالها في عالم رحب يحقق الكثير من الأهداف لكل الأطراف والتي من بينها التسويق الإلكتروني ونشر المعرفة والمعلومات والأخبار والتفاعل المباشر وتلبية متطلبات المتعاملين وتحقيق رضاهم وغيرها.
وإن تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) الذي غزى العالم بأسره دون سابق إنذار تسبب في الحد من قدرات المنظمات وتقليص إمكانياتها للحدود الدنيا وقد أثَّر ذلك سلباً على قدرتها التشغيلية، وكنتيجة لذلك أكدت مؤسسة “جارتنر” وهي إحدى المؤسسات الرائدة على مستوى العالم في الأبحاث والاستشارات على ضرورة استيقاظ المنظمات التي يقتصر تركيزها على الاحتياجات التشغيلية اليومية إلى أهمية البدء في الاستثمار في الأعمال الرقمية والمرونة على المدى الطويل، ومن هنا أصبح من الضروري أن تعمل تلك المنظمات على تطوير بنيتها التحتية التكنولوجية والبدء بشكل جاد للاستثمار في الأعمال الرقمية لتكون قادرة على تلبية حاجات ومتطلبات المتعاملين معها بطرق تقنية حديثة ومتطورة وذات كفاءة وفاعلية وجودة عالية، كما أن على تلك المنظمات الاستفادة من قدرات وإمكانيات قنوات التواصل الإلكترونية المتطورة والتي من بينها وسائل التواصل الاجتماعي من أجل خلق تواصل مشترك بين المنظمات والأفراد وبناء علاقة وثيقة بينهما، إذ يجب توظيف هذه الوسائل للبقاء على تواصل مستمر وفاعل في الواقع الافتراضي متغلبين بذلك على كافة التحديات ومتخطين لكافة الحدود والمعوقات كالمكان والزمان ومواكبين لمقتضيات المراحل القادمة في العلاقة بين المنظمات والأفراد، ويجب أن لا يقتصر ذلك التواصل على نشر المعلومات والأخبار من قبل المنظمات بل يجب أن يرقى إلى مستوى التفاعل الذي يخدم جميع الأطراف ويحقق أقصى درجات الاستفادة من تلك المنصات الاجتماعية المتطورة.
لقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي تغيرات كبيرة على الطريقة التي نتواصل ونتفاعل بها مع الآخرين سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات، وطريقة حصولنا على الأخبار والمعلومات، إذ أنها أصبحت تفرض نفسها في ظل العولمة والثورة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فقد غدت وسائل لا مفر منها، بل أساساً لمستقبل بناء علاقة وطيدة ومفيدة بين المؤسسات والافراد.
وتعتبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي إضافة كبيرة للمؤسسات الحكومية وللحكومة الإلكترونية على الأخص، إذ أن هذه الحكومات لم تعد محصورة في مباني ومكاتب، ولم يعد دورها مقتصراً على تقديم الخدمات الإلكترونية للمواطنين عبر الأنظمة الإلكترونية، بل خلقت تلك الوسائل مساحة رحبة للتواصل والتفاعل بين المواطنين والحكومات وبُعداً آخر يضاف للتطور المتنامي للحكومة الإلكترونية. وبتزايد عدد المستفيدين والمستخدمين لتلك الوسائل فإن المحتوى المعرفي يزداد بوتيرة متسارعة في عصر أصبحت فيه المعرفة هي الركيزة الأساسية لقيام المنظمات واستمرارها وتحقيقها لأهدافها وغاياتها وهذه المعرفة تُمَكن المؤسسات من البقاء والمنافسة في ظل العولمة والتطورات المتسارعة في كافة المجالات. وقد أصبحت المعرفة التي يتم بنائها في تلك المنصات رصيداً مهماً للتطوير وبناء الخطط الاستراتيجية المبنية على تحليل دقيق لكافة ما يتداول في المنصات الإلكترونية لتلك المؤسسات في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.
وعلى المستوى العالمي يزداد توظيف وسائل التواصل الاجتماعي في القطاع العام، إذ أنها أثبتت أهميتها في تفعيل المشاركة الإلكترونية للمواطنين في صنع القرار الحكومي، وتمكين المواطنين من طرح آرائهم وأفكارهم ومقترحاتهم حول العديد من القضايا والمواضيع، ولم تنحصر تلك المشاركة على الحدود الجغرافية لبلد ما بل أصبح بمقدور الأفراد والمؤسسات مناقشة العديد من الأمور مع مجتمعات أخرى في المجتمعات الشبكية عبر الإنترنت. وتسعى الحكومات عبر هذه الوسائل إلى تحقيق أعلى مستويات الشفافية والتعاون والكفاءة الإدارية والانفتاح وتوفير التكاليف وبناء المعرفة وتحقيق رضا المواطنين والموظفين العموميين، ومن خلال ما توفره هذه الوسائل من تفاعل بين المواطنين والحكومات فإنها بذلك تعزز مبدأ إيجاد الحلول الجماعية وتنمي مبادئ الابتكار والإنتاج المشترك للخدمات الحكومية، وتعزز المشاركة الديمقراطية من خلال الحوارات التشاركية. ولتواجد المؤسسات الحكومية والخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي أهمية كبيرة في نشر المعرفة الصحيحة والموثوقة والتغلب على الشائعات والأخبار المغلوطة، وهي بيئة رحبة للتواصل المتبادل بين المؤسسات والأفراد، كما أنها أساس تستفيد منه الكثير من المنظمات للتطوير في أعمالها وخططها من خلال التحليل المستمر للبيانات التي توفرها تلك الوسائل ولنتاج التفاعل بينها وبين الأفراد.
وعليه، في ظل هذا التطور المتسارع في الجانب التقني، فإن بقاء المؤسسات واستمراريتها وتقدمها أصبح مرتبطاً بمدى قدرتها على مجاراة الثورة التكنولوجية والعمل على الاستفادة القصوى من إمكانيتها في تطوير بيئة الأعمال وصولاً إلى مستوى طموح وتطلعات المواطنين، إذ أكدت الدراسات العلمية بأن المواطنين أصبحوا يطالبون بخدمات لا تقل في مستوها عن تلك التي يقدمها القطاع الخاص لزبائنه.
وبالتالي فإن على المؤسسات الحكومية أن تعمل وبشكل جاد على الاستفادة من كافة الإمكانيات التكنولوجية بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي وخلق قنوات فاعلة ومتعددة للتواصل مع المواطنين، ومن الأهمية الاستفادة من التجارب الناجحة للقطاع الخاص الذي استطاع توظيف تلك الوسائل في ايجاد علاقات فاعلة ومفيدة مع زبائنه والتي كان لها انعكاسات ايجابية على نمو تلك المؤسسات وتقدمها وتحقيقها لأهدافها.