هوامش على دفتر النكسة «الكورونية»

د. مجدي العفيفي –

هذا العنوان يفكر كثيرا لأطروحة المقال، باعتبار أن العنوان هو نص صغير انبثق من آخر أكبر منه، كعلاقة جدلية يغدو فيها شيفرة محملة بالجينات الكامنة في الطرح، فيحيل إلى النص، كما أن النص يحيل إليه، العنوان يتناص مع عنوان أشهر الإبداعات السياسية للشاعر نزار قباني «هوامش على دفتر النكسة (1967)» ذلك الذي صار مضرب المثل بقدرته على تجاوز إطاره الزماني والمكاني، ليظل عابرا لقارات الإبداع التي تلاشت فيها الحدود بين الأنواع السردية.
من وحي الكميات الهائلة من السرديات حول ما أسميه بــ «الإمبراطور كورونا» تلك التي تملأ كوكب الميديا وتشغل ساكنيه ليل نهار.. أتأمل في دراما اللحظة الأرضية الراهنة التي يسقط فيها معنى القوة سقوطا مستمطرا للشفقة أحيانا، ومثيرا للغثيان أحيانا، أمام فيروس ضئيل أسموه «كورونا».
رغم ثقل الأزمة العالمية.. يسهل التحدق دون عناء جهد من الناظر إلى المنظور، في تباين التصريحات.. والفيديوهات.. والرسائل.. والبوستات.. والتغريدات.. والتحليلات.. والتكهنات.. والتوقعات.. والإحصائيات.. و..و.. فأجد أن القاسم المشترك بين هذه السرديات «الكورونية» هو الافتراءات السياسية والفوضى الفيس بوكية والادعاءات الطبية.. وغلبة الشخصنة والذاتية على انزواء الموضوع والموضوعية.. وظهور الأبواق التي تتراوح بين الهجوم والدفاع في المسافة المتحركة بين الشيوعية.. والإمبريالية.. والماسونية.. والصهيونية.
■ ■ ■
مفارقات كثيرة.. وتوازنات ظاهرية.. أصوات تكابر وأخرى تناور.. وهم يطغى على الحقيقة.. انهيار يفرط على الاستقرار.. لكن الحقيقة التي لا تقبل الشك والريبة أن كل فرد من الثمانية مليارات نسمة الذين هم عدد سكان العالم 2020 ينتظر أن يخترقه سهم الفيروس المصطنع.
الرعب هو المسيطر والمهيمن على العالم بشرقه وغربه، بشماله وجنوبه، بغنيه وفقيره وثريه ومعدمه.. وعلى أسطح العالم الافتراضي يبيعون الوهم في شكل العلاج. تجار الأدوية بدؤوا يظهرون ومافيا المستلزمات الطبية نزعت أقنعتها.. القرصنة بدأت. مفاهيم كثيرة تتكسر .. تزول تعبيرات مضحكة مثل القوى العظمى.. تزول! هل يفيقون..؟
في خضم هذه اللحظة تبحث عن جملة مفيدة فتعز عليك إلا قليلا..
وإلا قليلا… مرجعيتها في القراءة الكاشفة لما وراء الشيء أكثر من الشيء نفسه.. وهذه هي وظيفة التأصيل الفكري لأية ظاهرة ، بغض النظر عن السلبيات من الإيجابيات.
في«بوست» مترجم من اللغة الإسبانية في «تويتر» في الأول من أبريل، يستحق التأمل فيه إذ يحاول أن يتلمس حجم الكارثة «الكورونية» عالميا ( أو هكذا يخيَّل لمن وضعه) إذ كشف الوباء عن أشياء كثيرة منها : توقفت الولايات المتحدة الأمريكية عن كونها الدولة الرائدة.. انتصرت الصين في الحرب العالمية الثالثة دون إطلاق ولا حتى رصاصة واحدة.. الأوروبيون والغرب ليسوا كما نعتقد .. هناك الكثير من البشر الذين يحتاجون للثقافة. يستحق الأطباء والعاملون الصحيون أكثر بكثير من لاعب كرة قدم. النفط لا يساوي شيئا في مجتمع من دون استهلاك.. وتتواصل تداعيات الأزمة بأن الوقاية تنقذ أرواح أكثر من التدخل في اللحظة الأخيرة.. الموت لا يميز العرق أو الطبقة الاجتماعية.. القطاع الصحي مهجور ومنسي. ومع ذلك هو حاضر ليقوم بعمله.. نحن لسنا مستعدين لوباء.. المصالح الخاصة تتفوق على المصالح الاجتماعية..
■ ■ ■
«لو انتشر فيروس قاتل في العالم وأغلقت الدول حدودها وانعزلت خوفا من الموت المتنقل ستنقسم الأمم بالغالب إلى فئتين فئة تمتلك أدوات المعرفة تعمل ليلا ونهارا لاكتشاف العلاج والفئة الأخرى تنتظر مصيرها المحتوم، وقتها ستفهم المجتمعات أن العلم ليس أداة للترفيه بل وسيلة للنجاة» الذي جعل العلم وسيلة للوصول إلى الإيمان.
هذه الرؤيا والرؤية تحمل أصداء لأصوات من ثلاثية الدين والعلم والسياسة تتلاقى في تلك النبوءة التي أطلقها المفكر الراحل الدكتور مصطفى محمود رحمه الله، في إحدى حلقات برنامجه التلفزيوني الشهير «العلم والإيمان» وهو يتحدث عن أسرار عالم الفيروسات والميكروبات التي لا يستطيع الإنسان رؤيتها بالعين المجردة وكيف نتعامل معها:«إن الميكروبات نراها بالميكروسكوبات والبعض نستطيع علاجه والبعض لا، مؤكدًا أن هنا مكان الدين بالفعل، لذا يقول الله تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (الأنعام: 82) فهي «الكمبيالة» التي أعطاها الله للذين آمنوا بأنه سوف يؤمنهم…
■ ■ ■
تتكاثر علامات الاستفهام.. تتزاحم أمارات الاستنكار.. تتوازى أسباب الإدانة مع أسباب البراءة.. وأي يقين إنما هو حتى الآن يقين مراوغ.. !.
السؤال ينطلق من مدينة «ووهان» الصينية التي «قيل ويقال» إنها المصدر الأول للفيروس القاتل كورونا.. تقول الإحصائية المكانية إن المسافة من ووهان إلى شنجهاي = 629 كم، وإلى بكين = 1052 كم، وإلى ميلان = 8700 كم/‏ وإلى نيويورك = 12000 كم /‏ وإلى إيطاليا = 8670 كم ، وإلى لندن = 8880 كم، وإلى باريس = 8900 كم ، وإلى إسبانيا = 9830 كم، ومن ووهان إلى الهند = 3575 كم، ومن ووهان إلى إيران = 6560 كم.
على ضوء هذه الشمعة الرقمية التي بقدر ما أنارت جزءا من دائرة الجدل والحيرة ، فقد كشفت مساحة الظلام الذي يغلف محيط الأزمة الكورونية: لماذا لم يصل الفيروس إلى بكين التي يقيم فيها من يديرون أمور الصين ، وكذلك لم يصل شنجهاي العاصمة الاقتصادية؟
ثم هناك سؤال ليس بريئا ، ولا يجوز، ولا ينبغي له أن يكون بريئا:
لماذا يجمع الساسة على أن يوم العاشر من أبريل تنتهي أزمة الفيروس كورونا؟.
ليتبقى لدينا سؤال: منذ أن انشغل من يسمون أنفسهم (قادة العالم) لم تحدث حالة إرهاب واحدة ..؟!..
ألف كيف وألف لماذا.. والبقية في حياة عالم ظن أنه قادر على الدنيا .. لكن هيهات.