كورونا.. نزع السحر عن الحداثة !

محمد جميل أحمد –

هذا الفيروس يقول لأقوياء البشر: لستم آلهة… (فالله وحده خالق الوجود الذي لا يحتاج إلى أحد) كما يذكرهم بأفكار ملحمية وسوريالية خطيرة لأحوال حياة من طراز تلك التي نراها في أفلام الرعب والأوبئة الهوليودية!

حدود التلاشي بين الواقع والخيال تعني للوعي الإنساني مؤشرًا خطيرًا لفقد البوصلة وتغيير قواعد اللعبة في الحياة الإنسانية كما يدركها العقل في نظام الأسباب.
فيروس كورونا، في وجه من وجوه محنته، يعتبر تذكيرًا خطيرًا بذوبان حدود التلاشي بين الواقع والخيال، أي في قدرته على هز ثقة الإنسان الحديث بمعرفته وعلومه حين تعجز تلك المعرفة والعلوم عن الاستجابة لتحديات واقع خطير مثل الحال الذي أصبح عليها العالم اليوم إزاء حيل العجز التي يتدبرها أمام وباء كورونا في عصر الذكاء الاصطناعي!
فجأة تسلل الخيال إلى الواقع، وما كنا نشاهده في أفلام الأوبئة والكوارث عبر شاشات هوليوود ثم نستيقظ منه إلى واقعنا بعد نهاية الفيلم، بدا اليوم جزءًا من ذلك الواقع!
ثمة اليوم خرقٌ في عادية الحياة مع كورونا بما هو غير عادي، ليذكر بعض الناس والأقوياء منهم تحديدًا، بأن ما ظلوا يظنونه عاديًا، فيما هم بمنأىَ منه، يمكن أن يكون هو أيضًا جزءًا مرعبًا من حياتهم!
صحيح، أن النسق المادي المغلق في الأفق التأويلي للحداثة لن يستطيع أن يتخلى عن طبيعته؛ لأن أي تخل في ذلك النسق سيكون تدميرًا له، لكن، في الوقت ذاته، بدا واضحًا لكل عقل كبير في العالم؛ أن ما حدث مع كورونا هو شيء خارق لقوانين عاديات البشر، ومن ثم فإن إعادة التفكير في ذلك الحدث الكوني الرهيب ربما يفتح أفقًا جديدًا خارج أنساق التفكير قبل جائحة كورونا.
حين جادل فلاسفة ما بعد الحداثة حول ضرورة إعادة الاعتبار لمطلق العلوم الإنسانية والأساطير والأديان؛ لأن الإنسان في هذه هو بالضرورة ذات، وموضوع في الوقت ذاته، كان اعتبارهم ذلك نابعا من إدراك حقيقي لنسبية الحقيقة وتعددها، بخلاف القطيعة الواجبة مع علوم الحياة والطبيعة.
لكن ما بدا اليوم مع عجز علوم الحداثة، ليس في ابتكار علاج لهذا المرض(كورونا) فحسب، بل كذلك عن تقدير مناسب لتوقع خطورته الكبرى، بعد أن تحور مع تطوره من حالة فيروس «السارس» في 2003 ثم في كورونا الذي سمي بــ «متلازمة الشرق الأوسط التنفسية»2012، يشي بأن ما يمكنه أن يخرق عاديات الحياة ويكاد يعطل مطلق تفاعلاتها؛ لهو شيء جدير بالتوقف عنده كثيرًا.
ما هو أكثر تحديًا في هذا الوباء؛ أنه بدا كما لو أنه تذكير كارثي بكينونة الضعف الإنساني وجوهريته وعريه كذلك، سواء في افتراسه للجميع، أو (وهذا هو الأهم) في قدرته على محو ما ظنه أقوياء العالم ودول المتروبول الكبرى فيه، أن ثقتهم في العلوم التي تحمي إنسان الحداثة كسياج واقٍ قطع مع الماضي المظلم، إنما هي ليست في مكانها، وبالتالي فإن ضرب فكرة السوبرمان النيتشوية في صميمها المميت هو الوجه الآخر للإحساس بضعفاء العالم وضحاياه عبر الألم الذي يلحقه الفيروس بأولئك الأقوياء، عبر عجزهم عن فعل شيء أمام اختباره الكارثي وتهديده الحقيقي للحياة في المتروبول!
هذا الفيروس يقول لأقوياء البشر: لستم آلهة… (فالله وحده خالق الوجود الذي لا يحتاج إلى أحد) كما يذكرهم بأفكار ملحمية وسوريالية خطيرة لأحوال حياة من طراز تلك التي نراها في أفلام الرعب والأوبئة الهوليودية!
فما شاهده الجميع أمام شاشات التلفزة في تصريح ترامب وقوله إنه «سينتقم إذ لم يجد الكمامات» لأمريكا. وما ورد من أخبار عن سطو دول على شحنات كمامات تابعة لدول أخرى، سيعيد التفكير في ما إذا كانت الدولة الحديثة هي فقط صيغة لعقلنة المجتمع، أم تنطوي في بعض أزماتها وكينونتها على طبقة راسبة لعصبية جماعية عنيفة وظالمة بالضرورة!
هكذا ربما يتوقف العقل الإنساني اليوم، بعد وباء كورونا، أمام مفارقة لتلك الدولة الحديثة عبر نماذجها الكبرى: أمريكا – أوروبا الغربية – روسيا – الصين، في: كيف يمكن لدول قادرة بقوتها التكنولوجية الضاربة على وقف مجازر عظيمة في الشرق الأوسط حصدت أرواح مئات الآلاف من الأبرياء ثم لا تتدخل تلك الدول لكف آلة القتل؛ فقط لأن أفراد الشعب الذين يذبحون ليسوا من شعبها!
إن أمثولة كورونا هي: أنه إذا ظن الأقوياء في هذا العالم: أنهم لن يكونوا يومًا من الأيام في موقف ضحايا من أي كارثة مثلًا؛ وفقط لأنهم يملكون تكنولوجيا ضاربة تحصنهم من الشعور بألم الضحايا؛ ربما بتأويل سوبرماني أو يقين بالداروينية الاجتماعية؛ فإن هذا الظن قد انتهى مرةً وإلى الأبد!
وحين قال هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وعراب الحرب الباردة في القرن العشرين، قبل يومين: إن عالم ما بعد كورونا ليس كما قبله، كان يدرك بذكائه العبقري؛ أن كورونا سيفتتح فصلًا جديدًا في إعادة رسم السياسات بين دول العالم.
ترى هل سيتكشف عالم ما بعد كورونا عن جملة مفارقات في عاديات حياة قد تصل في غرائبيتها السوريالية والدراماتيكية حدود الخيال. كأن نرى مثلًا مدنًا عظيمة يهجرها أهلها بحثا عن مطلق حياة في صحاري أفريقيا!