هوامش ومتون: مبارك العامري يستنطق الغيم

عبدالرزّاق الربيعي –
Razaq2005@hotmail.com –

منذ بدء تفشّي فيروس «كورونا»، وذهني منشغل بالحالة الصحية لاثنين من الأصدقاء، هما بحاجة إلى رعاية صحيّة خاصّة، وكان أحدهما الشاعر مبارك العامري الذي غادر عالمنا يوم الأحد الماضي، بعد صراع مرير مع المرض، ولكن الذي كان يطمئنني عليه مواصلته الكتابة في صفحته بـ«الفيس بوك»، وكانت كتاباته الأخيرة تتمحور حول الفيروس الذي «ملأ الدنيا، وشغل الناس»! ففي منشور له يوم 9 مارس كتب:

«ضعيف هذا العالم
حدّ الهشاشة
فثمّة فيروس صغير وحقير
يفتّ في عضده»

ويتأسّى في منشور له يوم 6 مارس «لعالم أضحى خلية فيروسات، وأحقاد..»
وحين انتشرت حملة المكوث في البيوت كتب: «ليتنا عصافير وبيوتنا أشجار»، داعيا إلى الثبات بوجه الجائحة:

«حصِّنْ ذاتك الهشة
أيها الطين
كي لا تذوب
في حمم الجائحة»

فكان يقاوم «كورونا» بالبأس نفسه الذي قاوم به مرضه الذي صمد بوجهه سنوات، وقاتله ببسالة، تلك البسالة تحيلنا إلى عنوان مجموعته الأخيرة «بسالة الغرقى»، وطوال تلك السنوات لم يتوقّف عن الكتابة، والنشر، وكان يخطّط لجمعها في كتاب يحمل عنوان «مرايا تستنطق الغيم»، كما أكّد الصديق محمد الحضرمي، ولم يتوقّف حتى حضور الفعاليات الثقافية التي كان آخرها معرض مسقط الدولي للكتاب، وحضر حفل توقيع ديوان ولده الشاعر لبيد العامري «بوسعي أن أقول»، رغم تدهور حالته الصحيّة، في إطار دعمه الدائم للشباب، ومنهم ولده لبيد، فيما ظلّ يواصل الاشتغال على مشاريع كتابية تحتاج إلى وقت، وتفرغ، كروايته» الملتبسون» التي نشر منها فصلا في مجلة «نزوى»، إلى جانب رواية ثانية، وكان حتّى عندما ينتكس صحّيّا، لم ينقطع، وهذا لم يتوفر لآخرين، عانوا من محنة المرض كالشاعر الرائد بدر شاكر السياب الذي داهمه المرض، وهو في أوج عطائه، فنال من موهبته، حتى أنه أجاب أحد الذين سألوه عن سبب إقلاله في الكتابة الشعرية في الشهور الأخيرة التي سبقت وفاته : «إنني لا أحيا الحياة الآن، وإنما أمرضها وشعري انعكاس لذلك، بينما كان في الماضي يعكس الحياة بكلّ زخمها»، وروت لي الشاعرة لميعة عباس عمارة، أنه كتب في المستشفى بلندن ثلاث قصائد بصعوبة في الممرضة التي كانت تعالجه، وانتهت تلك القصائد إلى النار!!
أما العامري، فحين كان يكتب ينسى أنّه مريض، وربّما يحاول أن يتناسى المرض بالكتابة، أو يتداوى بها على طريقة أبي نواس «وداوني بالتي كانت هي الداء»، وبذلك يذكّرنا بصمود الشاعر أمل دنقل بوجه المرض، وليس من الغريب أن يختار في صفحته يوم 15 مارس مقطعا من قصيدة دنقل «لا تصالح»، وبدلا من « لا تصالح» يكتب»لا تصافح»:

«(لا تصافح)
ولو منحوك الذهب
أترى؟ حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل ترى؟هي أشياء لا تشترى»

مع هامش يقول به: «مع الاعتذار للراحل الجميل القدير أمل دنقل»، فـ «دنقل» صارع السرطان بالشعر، فكتب ديوانه الأخير «أوراق الغرفة 8»، الغرفة التي في المعهد القومي للأورام في القاهرة، إذ قضى فيها الشاعر قرابة عام ونصف حتى رحيله في مايو 1983، ومن الطبيعي أن تكون تلك النصوص محمّلة بالألم، يقول دنقل:

«صرت أنا والسرير
جسدا واحدا
في انتظار المصير»

لقد أدرك العامري أنّ الكتابة هي الحياة، ومعادل لها، وتواصله مع الكتابة هو شكل من أشكال الشغف بالحياة، ومقاومة المرض متغنيا بالحب:

«نهر دافق هو الحب
فلنرتو من معينه»

وفي منشور آخر يوم 9 يقول: «كن بخير يا صديقي، فرئة الحب لاتزال خضراء»
ويوم 6 كتب: «الحضارة أن نصنع وجودنا بحب»، وبكل ثبات يكتب يوم 13 مارس:

«انزل من عليائك أيها السوبرمان
فما أنت سوى كائن تألف»

ويكتب أيضا: «ها نحن ندفع الضريبة
ضريبة حضارة
لم تكن لنا يد في صنعها»

وظل يواصل الكتابة، والنشر، فكان آخر منشور له في 31 مارس أي قبل وفاته بخمسة أيام:

«هو ليس نايا
إنها الروح
سادرة في الأنين».

ولأننا ندرك ذلك، كانت صفحته تطمئننا على صحّته، فما دام يكتب، إذن هو بخير، وحتى عندما تدهورت حالته الصحية في الأسبوع الثاني من شهر فبراير الماضي، وتلقى العلاج في المستشفى السلطاني، زرته يومها بصحبة الشاعر سعيد الصقلاوي، وما أن رأيناه حتى تبدّد قلقنا، فقد نسي مرضه، وتكلّم معنا بكلّ حيويّة، ولم ينس أن يتحدّث عما يشغله من مشاريع كتابيّة، ومتابعاته لما ينشر زارعا الأمل الذي يبثه في نصوصه حتى الأخير منها:

«دع ربيعك يزهر وينتشي
وإن باغتته المحن والآلام»

مبارك العامري ستظلّ حدائقك عامرة بالشعر، وسماؤك ملبّدة بغيوم الجمال!