النصوص الدستورية الحاكمة للصحة العامة في ظل تداعيات جائحة كورونا (كوفيد ــ 19)

تعانـي مختلـف دول العالــم منذ مطلــع العــام الحالـي 2020 مـن جائحـة كـورنا (كوفيد ــ 19)، وقد قامت كل دولة من تلك الدول باتخاذ العديد من الإجراءات الاحترازية والوقائية للحد من آثار هذا المرض، الآخذ في الانتشار والتوسع، نتيجة عدم التوصل إلى لقاح فعال للقضاء عليه. وللحد من تداعيات هذا المرض على الصحة العامة للإنسان وتأثيره على مختلف قطاعات الدولة، فقد بادرت سلطنة عُمان إلى تشكيل لجنة عليا لبحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا (كوفيد ــ 19).

 

ومن نافلة القول أن تشكيل هذه اللجنة من قبل المقام السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله ورعاه، جاء ترجمة للنص الدستوري للمادة (44) من النظام الأساسي للدولة الخاص باختصاصات مجلس الوزراء، المتضمن رعاية مصالح المواطنين وضمان توفير الخدمات الضرورية لهم ورفع مستواهم في العديد من المجالات والتي من بينها المجال الصحي.

 

وقد باشرت تلك اللجنة عملها ــ فور تشكيلها ــ وقامت بإصدار العديد من الإجراءات الاحترازية والوقائية للحد من انتشار هذه الجائحة، وحماية المجتمع العُماني من تداعياتها. ومن منطلق وجوب اتباع الأوامر الصادرة من السلطات العامة في الدولة، فقد عمل المجتمع العُماني بكافة شرائحه على تنفيذ ما يصدر من إجراءات وتعليمات من قبل هذه اللجنة، وهو ما أبانت عنه المادة (40) من النظام الأساسي للدولة، الذي تضمن وجوب احترام النظام الأساسي للدولة والقوانين والأوامر الصادرة من السلطات العامة وذلك للعمل على مراعاة النظام العام في الدولة الذي يتكون من الأمن العام والصحة والعامة والسكينة العامة، واتباع أوامر اللجنة المكلفة بذلك كونها سلطة عامة يقع على جميع سكان السلطنة دون تمييز بين المواطنين والمقيمين على أراضيها.

ومن بين طليعة الإجراءات التي اتخذتها اللجنة العليا إقرار عدم إقامة الصلوات المفروضة وصلاة الجمعة في مختلف مساجد وجوامع السلطنة، وذلك حرصاً من اللجنة على عدم انتشار هذه الجائحة، وتطبيقاً في الوقت ذاته للمادة (28) من النظام الأساسي للدولة التي اتاحت للأفراد حرية القيام بالشعائر الدينية شريطة عدم الاخلال بالنظام العام، وطالما أن الصحة العامة هي إحدى مكونات النظام العام، فإن قيام اللجنة باتخاذ قرار عدم السماح بإقامة الصلوات الجماعية قد جاء متفقاً مع الشريعة الإسلامية السمحاء التي تقوم على المحافظة على النفس البشرية، وصحيحاً وعلى سند من القانون. ويسري مناط هذا السند القانوني على قرار اللجنة بمنع التجمعات البشرية، وفق ما جاء به النص الدستوري للمادة (32) من النظام الأساسي للدولة بأحقية المواطنين على الاجتماع في حدود القانون، وحيث أن النظام العام يتعارض مع قيام المواطنين بالاجتماع في ظل الأوضاع الراهنة، فإن هذا الحق يتنافى مع المحافظة على الصحة العامة كإحدى مكونات النظام العام.

وغني عن البيان أن قرار تعليق الدراسة في كافة المدارس والمعاهد والكليات في السلطنة حفاظاً على سلامة الطلبة والطالبات والهيئات الإدارية والتدريسية في المواقع التعليمية، وكذا إعفاء الموظفين والموظفات من الذهاب إلى مقار عملهم، والقيام بإنجاز الأعمال المناطة بهم من منازلهم عبر مختلف الوسائل التكنولوجية الحديثة، والاكتفاء بالحد الأدنى من أولئك الموظفين للذهاب إلى مقار عملهم لإنجاز الأعمال الضرورية، ينسجم مع النص الدستوري للمادة (12) من النظام الأساسي للدولة، والخاص بالمبادئ الاجتماعية التي تستوجب قيام الدولة بالعناية بالأفراد وتوفير وسائل الوقاية اللازمة لهم من الأمراض والأوبئة، والعمل على تسخير الرعاية الصحية اللازمة لهم. وفي ذات السياق كان التضامن المجتمعي العُماني حاضراً للحد من آثار هذه الجائحة، إذ بدى جلياً في تعاضد وتضامن المجتمع في تحمل الأعباء الناجمة عن هذه الجائحة، سواء أكان ذلك عن طريق تخصيص صندوق خاص للحد من تداعيات هذا المرض أو عن طريق التكافل الداخلي للمجتمع العماني الذي كان له بالغ الأثر في التخفيف عن كاهل بعض الفئات المتأثرة من جراء الإجراءات والتعليمات التي اتخذتها اللجنة العليا في هذا الشأن.

وفي ظل مسارعة الدول في العمل على إيجاد اللقاح الذي يتناسب مع هذا المرض، ونتيجة لما يتطلبه أي لقاح طبي من إجراء بعض التجارب الطبية على البشر، لقياس مدى نجاعة هذا اللقاح من عدمه، فإن المشرع الدستوري العُماني في المادة (26) من النظام الأساسي للدولة قد حظر إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أي إنسان دون الحصول على رضاه. ويستدل من ذلك النص حرص المشرع الدستوري العُماني على سلامة وصحة الإنسان والنأي به عن أي عوارض صحية تنتج عن التجارب الطبية على العنصر البشري.

أحمـد بن محمـد بن راشــد الهنائــي

باحـــــــــــث دكتــــوراة فــــــــــي

القانون الدستوري والعلوم السياسية