أسئلة على هامش أزمة كورونا

إميل أمين –

لم تدخل البشرية في عمق أزمة قوية منذ الحرب العالمية الثانية، مثل أزمة فيروس كورونا، تلك التي أضرت بالجميع شرقا وغربا، وفتحت مسارات ومدارات عميقة جدا، في البحث عن الهوية الإنسانية، وعن الكثير جدا من القضايا المرتبطة بحياة الناس في العقود القادمة.
أفرزت أزمة كورونا حقائق مثيرة عن شكل الحرب في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين وما يليه، ذلك أنه لم تعد المواجهات العسكرية هي فقط الحروب، بل أضحت المواجهات البيولوجية هي نوع من الحروب المستقلة القائمة بذاتها.
يكتب البروفيسور «دينيس ساموت «، مدير مؤسسة لينكس « للحوار والتحليل والبحوث، يقول إن خطابات الزعماء الأوروبيين ومنذ بدايات الأزمة لم تخل من الإشارة إلى أو استخدام كلمة الحرب، هذا ما استخدمه ماكرون وجونسون وميركل وآخرون من خلال عبارة «نحن في حالة حرب «، ويبدو أن جميعهم لديهم حق في استخدام هذا التعبير، فالمواجهة دائرة بين كائنات مجهرية لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وبين البشر، وفيما كان الأمر أقرب إلى سيناريو الخيال العلمي منذ سنوات، ها هو يتحول إلى واقع مفزع، تعيشه الإنسانية.
من منطلق الرؤية السابقة ربما باتت الإنسانية أمام حقيقة لا مراء فيها، إنها وحدة الإنسانية حين تشكو وحين تتألم، وقتما تعمل وحين تتعلم، على الرغم من الثمن العالي الذي تدفعه.
استيقظت الإنسانية إثر كابوس فظيع لا يعلم أحد إلى أين سيمضي بالعالم، كابوس قد يهلك الآلاف من البشر ولا يأمل أحد أن يصل إلى الملايين، وأمامه وجد الكل أنفسهم صفا واحدا أمام محاولات مضنية تسابق الريح من أجل اكتشاف الترياق الواقي أو العلاج الناجع.
مثير جدا أمر أزمة كورونا ذلك أنها أعادت ترتيب السلم القيمي للإنسانية، ووجد البشر أنفسهم في مفاضلة بين الأموال والصراع الرأسمالي، وبين الحياة حتى على بساطتها، وربما لهذا قدم الإيطاليون درسا للعالم اجمع حين قاموا بنثر الأموال على الطرقات وفي الساحات، فقد تضاءلت قيمتها أمام مشهد الحياة التي تنزوي والأرواح التي تضيع بسبب هذا العدو الغادر.
من بين المنطلقات التي يتوجب على العالم برمته أن يتوقف أمامها بعد انتهاء هذه الأزمة، ذاك السؤال المصيري: من يقود العالم، هل الشعوب هي من يفعل ذلك، أم الحكومات العميقة والخفية، هي من يتلاعب بمصائر وأقدار البشر؟
الشاهد أن هناك علامات استفهام عريضة وعديدة طرحت ولا تزال حول الفيروس القاتل وكيف انتشر، ومن أين بدأت القصة، وهل ستكون نهايتها قريبة، أم أن المشهد سوف يطول مسببا الكثير من الآلام والأحزان لبشريتنا التي تعاني بالفعل من الأزمات.
لقد بينت أزمة كورونا أن العالم في حاجة إلى إعادة ترتيب أوراقه الدبلوماسية والسياسية، إذ اكتشفت تجمعات بنيوية كبرى مثل الاتحاد الأوروبي أن الرهان لم يكن على الحصان، بل كان على الأوهام، وقد كان حظ إيطاليا وإسبانيا سيئا للغاية من جهة التضامن الأوروبي، وبدا وكأن هناك من يود القفز إلى مركب النجاة، حتى وإن غرق بقية من هم في القارب عينه.
الأسئلة لا تتوقف، وقد تكون كورونا بداية لزمن تعاون دولي مغاير، زمن يتجاوز الأمم المتحدة بشكلها التقليدي القديم المعروف، إلى كيانات أكثر حضورا وفاعلية، وإن تعددت أو تم تشكيلها وفقا للحاجات وليس كإملاء رغبات من الأقطاب الكبرى.
يرى الكثير من المراقبين أن مسألة القطبية الدولية هذه بدورها سوف تتعدل وتتبدل، وربما سيتم طرح علامة استفهام عن ماهية تلك القوى الكبرى، وهل هي من يملك الصواريخ النووية والباليستية، ناهيك عن الغواصات القادرة على إحداث تسونامي يغرق ويخرق دولا بعينها، أم أن القطبية الحقيقية باتت مرتبطة بمقدرة الدولة على تقديم أفضل خدمات رعاية صحية لأبنائها، والحفاظ على كرامتهم في ذات الوقت.
فجرت كورونا مرة أخرى الحديث الذي لم ينقطع حول حياة الإنسان في زمننا الحالي وارتباطه بوسائط الإعلام والتواصل الاجتماعي، وكيف أنها قادرة أن تقود الإنسانية في طريق البناء والنماء، أو الهدم والفناء.
ذات مرة تحدث أديب إيطاليا الراحل الكبير «امبرتو ايكو» بالقول: «إن المسدس جعل الجبان شجاعا، والإنترنت جعل من الأخرق مثقفا وإعلاميا»، أما الجبان فقد كان عليه من قبل أن يحمل السيف وينازل غريمه وجها لوجه، ولأنه كذلك لذا لم يكن يقدم على المبارزة، في حين إن المسدس كفل له أن يلاقي الآخر عن بعد، وأن يرميه برصاصة لا تكلفه سوى الضغط على الزناد.
الأمر نفسه جرت به المقادير بعد شيوع وذيوع أدوات التواصل مع الناس، إذ أصبح كل حامل لهاتف حديث صاحب صحيفة وإذاعة وتلفاز، بل ومنظّر لأفكار لا علم له بها، ومن هنا باتت إشكالية الأخبار الزائفة في وسط الأزمات تلقي بظلال على أخلاقيات وآداب الإعلام ومن لديه الحق في التواصل مع الجماهير وكيف يتواصل، وبأي صفة، وهنا يكاد المرء أن يجد صراعا ناشئا ما بين الأفكار الشمولية والديمقراطية وهي قضية لم تحسم بعد، ولا يظن المرء أنها يمكن أن تحسم عما قريب.
هناك أزمة عميقة سوف تكشف عنها أزمة كورونا حين تضع أوزارها، إنها مسألة الحريات الشخصية، لا سيما في أوقات الأزمات، ومدى مقدرة الحكومات على فرض الرقابة الصارمة على الجماهير الغفيرة.
لقد كان من شبه المستحيل على الاتحاد السوفييتي في عشرينات القرن الماضي أن يراقب الملايين من مواطنيه، رغم القبضة الحديدية التي عرف بها وقتها، فيما الصين الآن استطاعت وعبر تقنيات إلكترونية متقدمة في الشوارع والمنازل، وعبر تلقي الخدمات، ومن خلال استعمال وسائل الاتصال، ووسائط التواصل، أن تضع الجميع تحت أعينها في رقابة صارمة مبررة، هدفها حماية الجميع من انتشار الوباء، لكنها في ذات الوقت أتاحت لهم معرفة دبيب النمل عن كل إنسان، ما جعل السؤال الحقيق بالتوقف أمامه: هل هذا بالفعل هو أوان الأخ الأكبر الذي تحدث عنه «جورج أورويل في عمله الفكري الجميل «1984»؟
سؤال آخر: ما هو شكل الاقتصاد العالمي بعد انتهاء أزمة كورونا، وهل العالم سيخرج سليما أم أن سنوات المعاناة ستطول؟
حتى الساعة تبدو الخسائر أعمق وأفدح من الأزمة المالية التي عرفها العالم عام 2008 من جراء أزمة البنوك الأمريكية، وإن كانت لم تصل إلى دائرة أزمة الكساد العالمي في أوائل ثلاثينات القرن العشرين…
لكن ماذا عن قادم الأيام؟
الأسئلة عديدة والمجهول أكثر من المعلوم.