الأثرياء الفقراء

عادل محمود –

«أكل الكوسا موسى»… كنا نعتبر هذه الجملة أحجية لغوية ونحن صغار. كيف يأكل الكوسا المسكين موسى غير المسكين؟!
واحد بأنياب وآخر نيء يؤكل مطبوخًا. وبعد الفشل في الحل عرفنا أن المسألة تخص تقديم الفاعل على المفعول به أو تأخيره. لكن لاحقًا لم يعد للجملة هذا المعنى البريء. صار الكوسا فاعلا غير مسكين وموسى ابتعد فمه وسكت.
أمامي الآن صناديق الخضري، نقترب منها، ونحن مدججون بالكمامات، وفي جيوبنا بخاخات التعقيم، (التي أشك أنها تعقم، إذ ما الضمان أنها كذلك وحياتنا كلها غش، وإنقاص للمادة الفعّالة في الدواء وفي الحياة؟)
وقفت أمام لائحة السعر الموضوعة على صندوق الكوسا. ولسبب ما… غير مسألة الأسعار وجدتني أشتم على النحو التالي:
الخضري تافه، واللحام أيضًا، والصيدلي، وبائع اليانصيب، وبائع الخبز، وبائع الأمل، وبائع الأفكار، وباعة الأوطان… كلهم يربحون من وراء دبيب أرجل كورونا، الذي فضح الأنظمة الطبية وأخلاق الدول ، واشتغل أكثر من رئيس دولة كبرى مندوبين إعلاميين يوميين عند كورونا.
أحدهم كتب مرة: كل أثرياء العالم بدؤوا من الصفر، إلا أثرياء سوريا… بدؤوا من عام 2011 (تاريخ اندلاع الحرب) وبسبب مصدر الثروة المشبوه دائمًا. (تجارة ممنوعات، وتجارة أسلحة، ورشاوى واختلاسات، وليس مما يسمى الاقتصاد الوطني بالتأكيد). فإن الأثرياء بخلاء، لقد اكتشفنا بخلهم وجشعهم عديم الرحمة، في يوميات الحرب، حيث لم نسمع ولم نر ذلك الغني الذي أنقذ مخيمًا للاجئين من الموت بردًا وجوعًا ومرضًا، والغني المشبوه، وقح. فهو يصرف الملايين على مقتنيات استفزاز المجتمع المسكين، كالسيارات، والمطاعم والألبسة والأعراس والقصور، عندما أعلن جورج أرماني، الثري الإيطالي العالمي، الذي كل أغنياء العالم يتزينون بإنتاجه… قال: « لن أسمح لإيطاليا أن تركع على ركبتيها، ولو أنفقت كل ثروتي».
قلت لنفسي متحسرًا… لا أريد من أثرياء سوريا، في هذه المحنة الكونية العظمى، مالًا ولا تبرعات ولا الكف عن التجارة باللقمة، بعد توقف التجارة بالدم…
أريد فقط أن يؤلفوا جملة واحدة مثل جملة جورج أرماني، حتى لو انطوت على كل أكاذيب الكون.
ومع ذلك…
فإن برتولت بريخت كان على صواب في أكذوبة «الأمل» في هذا النص، وهو يغادر وطنه الذي دخل الحرب:
« لا تدق مسمارًا في الجدار، لتعليق المعطف.
ارمِ معطفك على الكرسي.
ثم… لماذا تتموّن لأيام أربعة…
وأنت عائد… غدًا ؟ »
لم يعد بريخت لا بعد أربعة أيام ولا غدًا ولا… أبداً.
ومع ذلك… ظلت هذه الأيقونة الصلبة من الكلمات، معلقة فوق مبنى الوطن المعنوي للمنفيين!