الاستثمار وأولويات ما بعد كورونا (2 من 2)

محمد بن أحمد الشيزاوي
shfafiah@yahoo.com

لعل أبرز عناوين المرحلة المقبلة في قطاع الاستثمار هو الأستثمار في القطاعات التي تحقق اكتفاء ذاتيا من السلع والمنتجات المختلفة وتحقّق استقلالا للتجارة الخارجية من خلال افتتاح المزيد من الخطوط الملاحية بين الموانئ العمانية والموانئ العالمية بحيث تصلنا البضائع التي نحتاج إليها من الميناء الرئيسي وليس عبر موانئ وسيطة، كما أن استغلال طاقات الشباب من مخرجات التعليم العالي وغيرهم ممن هم في طابور الباحثين عن عمل هو أحد المهام الوطنية التي ينبغي إيلاؤها المزيد من الاهتمام من خلال توفير فرص عمل لهم في قطاعات منتجة تساهم في تعزيز أداء الاقتصاد الوطني وتوفر للمجتمع ما يحتاج إليه من سلع وخدمات؛ لا تقتصر فقط على السلع الغذائية وإنما تشمل أيضا ما يحتاج إليه الاقتصاد من صناعات مختلفة، فكم من مشروع قد يتأجل تنفيذه بسبب انتظار استيراده من الخارج.
وكما سلّطت جائحة كورونا الضوء على القطاع الصحي وضرورة الاستثمار فيه وتشجيع الأطباء والعاملين في القطاع وتحفيز الطلبة الراغبين في دراسة التخصصات الطبية وإنشاء مركز رئيسي للبحث العلمي في المجالات الطبية وتشجيع إنشاء شركات صناعة الدواء – وهو ما تمت مناقشته في مقال الأسبوع الماضي – فإن توظيف موقع السلطنة على بحار مفتوحة وتسويق إمكانيات الموانئ العمانية داخليا وخارجيا يعد أحد العناصر الرئيسية التي لابد أن نركز عليها في المرحلة المقبلة التي تبدأ من ربط الموانئ العمانية بالموانئ العالمية.
وقد أسعدنا الخبر الصحفي الذي نشرته “أسياد”- وهي المجموعة اللوجستية التي تنضوي تحتها حوالي 15 شركة من بينها الشركات التي تدير الموانئ العمانية – والذي أكدت فيه أن “الموانئ العمانية ترتبط حاليا مع 86 ميناءً تجاريًا في 40 دولة بواقع 200 رحلة أسبوعية مباشرة”، وقالت المجموعة في هذا الخبر الذي نشرته في الصحف المحلية الأسبوع الماضي إن الهدف من هذا الربط هو “تعزيز التصدير والاستيراد المباشر من مختلف دول العالم للسلع والبضائع وخاصة الخضروات والفواكه واللحوم، وتوفير أفضل الخيارات للتجّار والمستوردين للاستيراد من بلد المنشأ، والاستفادة من خطوط الشحن الدولية المباشرة إلى السلطنة من مختلف الموانئ الخليجية والإقليمية والعالمية”.
ويعتبر ربط السلطنة بالموانئ العالمية هو أحد العناصر التي تحقق استقلالية للتجارة الخارجية بحيث لا نعتمد على موانئ وسيطة تقوم بتوزيع البضائع على عدد من موانئ المنطقة ومن ضمنها موانئ السلطنة، وإنما تأتينا البضائع من المصدر مباشرة، وهذا الهدف ينبغي أن يكون دائما ومستمرا ويترجم طموحات أبناء عُمان في أن تكون موانئنا هي البوابة الرئيسية للتجارة الخارجية سواء للاستيراد أو للتصدير، ونتطلع إلى أن يساهم التجارُ في تعزيز هذا الجانب؛ فمهما افتتحت “أسياد” من خطوط ملاحية لا يمكن أن تحقق هذه الخطوط الغاية منها إن لم تجد اهتماما وطلبا من التجار، وهو ما سيساعد كذلك في رفد قطاع إعادة التصدير مستفيدا من الموقع الاستراتيجي للسلطنة وهو موضوع كنتُ قد ناقشته في مقال سابق نشرته في شهر فبراير الماضي تحت عنوان “إعادة التصدير والدور المنتظر من شركات إدارة الموانئ”.
كذلك أظهرت أزمة جائحة كورونا الحاجة إلى تعزيز قطاع الصناعة ليفي باحتياجات البلاد من مختلف السلع، وفي الحقيقة أن السلطنة لديها الكثير من الإمكانيات الداعمة لذلك من حيث توافر المواد الخام اللازمة للصناعة والكوادر البشرية من المهندسين والفنيين الذين يتمتعون بمهارات عالية في مجال عملهم وهم قادرون – بإذن الله تعالى – على تحقيق السبق للسلطنة في مختلف القطاعات الصناعية.
إن الاكتفاء الذاتي فيما بعد جائحة كورونا ينبغي أن يشمل مختلف المجالات والقطاعات وليس قطاع الأمن الغذائي فقط؛ فالتجارة والصناعة والاهتمام بالكوادر العمانية وتأهيلها واستثمار طاقاتها وإمكانياتها أصبح ضرورة ملحة لا يمكن تجاهلها على الإطلاق.