على الولايات المتحدة حماية أسعار النفط

رايان سيتون- بلومبيرج ترجمة قاسم مكي
تَحِلُّ علينا أوقاتٌ صعبة هذه الأيام. فوظائفنا ونمط حياتنا يتأثران بجائحة كورونا وبالإجراءات التي تُتَّخذ لوقف انتشارها. وفي حين أن هذه الإجراءات ضرورية إلا أنها أيضا تضغط على الطلب على السلع والخدمات. وعما قريب ستواجه عائلاتنا متاعب اقتصادية جمة. هذا إذا لم تكن قد واجهتها سلفا.
هنالك جانب إيجابي واحد وهو انخفاض أسعار الوقود إلى مستوى يقرب من أن يكون قياسيا. عادة ما يكون انخفاض أسعاره شيئا عظيما للوظائف والاقتصاد. لكنه يحمل معه أخطارا في ظل الظروف الحالية.
نعم من المفرح تعبئة السيارة بتكلفة تتناقص كل يوم. لكن الشركات التي تنتج وقودنا لاتتمكن من الاستمرار في الإنتاج عند مثل هذا المستوى من الأسعار.
يجب ألا يخطر على البال أن هذه الأسعار مقررة بواسطة السوق. فلأول مرة يتحدد الطلب والعرض بقوي لاعلاقة لها تماما بالأوضاع الاقتصادية العادية. لقد قضت المخاوف من فيروس كورونا على جزء كبير من طلبنا على النفط من قطاع النقل في الأجل القصير. وتتراوح التقديرات العالمية لهبوط هذا الطلب بين 5 إلى 10 ملايين برميل في اليوم.
في الأثناء، توظِّف السعودية قدراتِها الإنتاجية الاحتياطية في منافسة روسيا من أجل الحصة السوقية ولإجبارها على التقيد بخفض الإنتاج. لكي تفعل ذلك، تقول السعودية أنها ستطرح 3 ملايين برميل إضافي في سوق النفط مما يعني خفض الأسعار.
ويبدو أن الإمدادات في السوق العالمية للنفط قد تشهد فائضا بحوالي 10 إلى 15 مليون برميل في اليوم أو 10% إلى 15% تقريبا. سيكون هذا أكبر فائض منذ عام 1974 في أثناء فترة المقاطعة النفطية العربية.
جلبت السنوات العشر الأخيرة إلى السوق آخر موجة من فائض الإمدادات مع استمرار ارتفاع الطلب على النفط والغاز. من الممكن أن يكون هنالك فائض بحوالي 1.5 مليون برميل في السوق في الشهور القادمة. وهذا سيفوق كثيرا السعة التخزينية المتاحة مما قد يدفع بالأسعار إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق ويجبر الشركات على وقف الإنتاج ويقلص التدفق المالي اللازم لها لمواصلة عملها.
جعلت ثورة النفط الصخري الولايات المتحدة أكبر منتج ومصدِّر صافٍ للنفط في العالم إذ تنتج أكثر من 13 مليون برميل في اليوم. وحسب التوقعات الحالية قد يهبط هذا المستوى من الإنتاج إلى ما بين 5 و6 ملايين برميل في اليوم خلال السنوات القليلة القادمة الأمر الذي يضعف من قدرة أمريكا على الاكتفاء الذاتي من موارد الطاقة (استقلال الطاقة) ويعود بها إلى الأيام التي كانت تُعيثُ حروبُ الشرق الأوسط خلالها خرابا في اقتصادنا.
ولاية تكساس (الأمريكية) هي ثالث أكبر منتج للنفط في العالم. وتهدد حرب أسعارُ النفط اقتصاد الولاية وتهدد معه الإقتصاد الوطني ( للولايات المتحدة). فعشرات الآلاف من التكساسيين( سكان الولاية) يُفصلُون من العمل بمناطق إنتاج النفط الصخري في الحوض البيرمي غرب تكساس وإيجل فورد جنوب تكساس مع وقف الشركات تشغيل حفاراتها.
تفتقد الولايات المتحدة وولاية تكساس إلى ميزة في أحد جوانب صناعة النفط. ففي السعودية وروسيا تدير الحكومة إنتاج النفط في حين تسيطر الشركات الخاصة على سوق النفطية في الولايات المتحدة.
نعم جعلت الأسواق المفتوحة الولايات المتحدة أقوى بلدان العالم وأكثرها ازدهارا. لكننا نتعرض إلى مهددات خطيرة. ففي الأجل القصير نواجه خطر تراجعٍ مثير لجزء مفتاحي من اقتصادنا هو قطاع الطاقة. أما في الأجل الطويل فهناك خطر أكبر يتمثل في انقطاع إمدادات الطاقة عند عودة الطلب إلى مستواه المعتاد. وإذا هبط إنتاج النفط الأمريكي بحوالي 3 إلى 4 ملايين برميل في اليوم نتيجة لانخفاض الأسعار ثم تعافى الطلب وعاد التعاون بين السعودية وروسيا خلال عام أو عامين قد تبدو الأشياء حينها مختلفة جدا. فمن الممكن أن نشهد سعرا يصل إلى 100 دولار للبرميل و4 دولارات لجالون البنزين. لكن جزءا كبيرا من المال الذي سيغطي مثل هذا الارتفاع في الأسعار سيذهب إلى الخارج (لمقابلة الواردات الأمريكية من النفط). وهذا سيتسبب في معاناة اقتصادية ليست هيِّنة لكل أحد في الولايات المتحدة.
المفرح أننا نعلم أن الطلب سيعود. فالطلب على النفط والغاز ظل ينمو كل عام طوال القرن الماضي. والتحدي هو أن نتحمَّل هذه العاصفة المؤقتة.
السؤال: ما الذي يمكن أن نفعله؟
أولا، بالنسبة لنا نحن الذين نعمل في صناعة النفط والغاز هذه فرصة لنا كي نصلح من شأننا. كيف يمكن لنا أن نجد فرصا لخفض التكاليف وتحسين الإنتاجية؟ وعندما يعود الطلب أدراجه كيف يمكننا الاستعداد للتحرك بسرعة ومقابلة الطلب؟ كيف نستطيع استخدام البيانات لتقليل المخاطر والتنبؤ بأداء النظام ؟ تتيح لنا حالات التباطؤ فرصةَ تطويرِ أدواتٍ وحلول جديدة للاستفادة من الفرص المستقبلية. فهذه هي الكيفية التي جعلتنا ناجحين دائما.
ثانيا، هذه فرصة للولايات المتحدة وخصوصا ولاية تكساس لتولي القيادة بطريقة لم نفعلها منذ فترة طويلة. لا أحد يستفيد من انعدام الاستقرار في إمدادات الطاقة. والاقتصادات تزدهر عندما تتوافر القدرة على التنبؤ بإمدادات الطاقة ويكون الحصول عليها ممكنا. هذا سيتطلب وقف إغراق السوق بالنفط. فهذا هو الوقتُ الذي يُوجِبُ على قادتنا الحيلولة دون تطاول أمد حرب النفط. وما لايعرفه معظم الناس أننا نملك شيئا محددا يمكن أن نطرحه على الطاولة.
تتمتع مفوضية تكساس للسكك الحديدية التي تتولى تنظيم إنتاج النفط والغاز في الولاية بسلطة تخصيص حصص نسبية للمنتجين وبالتالي وضع حد لحجم إنتاج الولاية من النفط. هذه السلطة لم تستخدم منذ عام 1973. نظريا، يمكن لتكساس خفض الإنتاج بنسبة 10% وإذا أبدت السعودية استعدادها لخفض إنتاجها بنسبة 10% من مستوى ما قبل جائحة كورونا وروسيا أيضا سيؤدي ذلك إلى عودة الإمدادات بسوق النفط إلى مستويات ما قبل الأزمة تقريبا.
وفي حين أن تكساس تسيطر على ما تفعله إلا أنها لا تتحكم فيما يفعله الآخرون. لذلك نريد من حكومتنا الفيدرالية ومن رئيسنا عقد اتفاق يقود إلى استقرار أسواق النفط.
مع تدخل الحكومات الأخرى في سوق النفط من العدل أن نسأل لماذا لاتتدخل حكومتنا وتحاول مجددا إرساء سياسة أكثر ارتكازا على السوق؟ في العالم المثالي لن يرفع ذلك الأسعار بأعلى من مستواها الذي شهدناه في الفترة الأخيرة. بل بدلا عن ذلك سيحقق استقرار أسعار النفط عند حوالى 35 دولارا أو نحو ذلك للبرميل. نعم هذا يعني استمرار معاناة شركات النفط وانخفاض أسعار الوقود للمستهلكين. لكنه سيمنع الانهيار الكامل لصناعة النفط.
لم تتشكل لدينا الصورة الكاملة بعد. لكن مع عرقلة الجائحة العالمية لمسار حياتنا ربما من المفيد أن ندرس مدى ملاءمة تطبيق نظام الحصص الإنتاجية لمنتجي النفط في ولاية تكساس إذا كان من شأن ذلك إعادة الاستقرار إلى السوق العالمية. ( تاريخ المقال 20 مارس ويوم 2 أبريل أعلن ترامب أنه أجرى اتصالات بروسيا والسعودية حول موقف أسعار النفط وفي نفس التاريخ ذكر الكاتب، وهو مفوض لجنة تنظيم النفط في ولاية تكساس الأمريكية، أجرى اتصالا بوزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك وتحدث معه عن الحاجة لسحب 10ملايين برميل يوميا من إمدادات النفط العالمية وأنه سيتحدث إلى وزير النفط السعودي قريبا- المترجم) نحن نواجه أوقاتا صعبة لم نواجهها منذ عقود أو أكثر من ذلك. نحن نواجهها معا. وربما حان الوقت كي تتولى الولايات المتحدة مرة أخرى قيادة العالم في أسواق الطاقة.

* الكاتب مفوض لجنة تكساس للسكك الحديدية التي تشرف على إنتاج النفط والغاز بالولاية