التكاتف المجتمعي قادر على هزيمة كورونا!!

د. عبدالحميد الموافي –

في الوقت الذي امتلأت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، خلال الأسابيع الأخيرة، ولا تزال، بالكثير من الاجتهادات والتصورات والمزاعم التي تناولت فيروس كورونا، وكل ما يتصل به تقريبًا، فإنه لا بد من الاعتراف بحقيقة أن المشكلة تكمن في عدم وجود جهة، أو مصدر محدد موثوق به يمكن الرجوع إليه بشأن هذا الوباء، وتكون آراؤه ورؤاه علمية وصحيحة وقادرة على الإجابة عن تساؤلات الناس، الذين ازدادت مخاوفهم وقلقهم في الآونة الأخيرة لأسباب كثيرة.

ومع الوضع في الاعتبار أن المصادر الرسمية الوطنية في كل دولة، تعد المصدر الأساسي الذي يقوم بمتابعة الوباء وسبل التعامل معه، مما يفرض ضرورة الاهتمام بها، والالتزام بتعليماتها وإجراءاتها أيضا، لأنها ببساطة تنبع من رغبة والتزام الدولة بالعمل على حماية مواطنيها والقائمين على أراضيها في هذه الظروف الطارئة، إلا أن ما تقدمه المصادر الوطنية المسؤولة، يظل برغم أهميته الشديدة في حاجة إلى المزيد، وهو ما لا تستطيع تلك السلطات القيام به، ليس فقط لأنها في قلب المعركة مع الوباء، ولكن أيضًا لأنها في حاجة إلى الحفاظ على تكتل وتماسك المجتمع وتعاونه معها، دومًا وتحت كل الظروف، باعتبار ذلك ضرورة لنجاح الجهود المبذولة وضمانًا أيضًا لتحقيق الهدف منها وهو الحفاظ على حياة المواطنين والحد من الخسائر التي يسببها هذا الزائر الخطر.
على أي حال فإنه مع استبعاد نظرية المؤامرة بشأن بدايات انتشار فيروس كورونا، وما إذا كان فيروسا حقا، أو تركيبة مخففة من غاز السارين، وهو من غازات الحرب الكيماوية، فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: إنه مع إدراك العناصر المشتركة بين الفيروس (الضعيف الشرس)، وبين غاز السارين، وضرورة الانتظار حتى يتوفر تفسير علمي وموثوق به لطبيعة الفيروس وكيفية انتشاره، فإنه ليس من المبالغة في شيء القول إن انتشار الفيروس في الأسابيع الماضية، لم يتم فقط عبر حاملي المرض والمصابين به الذين انتقلوا عبر حدود الدول المختلفة؛ لأن سرعة واتساع الإصابات وانتشارها الجغرافي، لا يتجاوز ذلك فقط، ولكنه يتجاوز أيضا سرعة الانتقال عبر الرياح والتيارات الهوائية، ومن ثم فإنه يكاد أن يكون بمثابة ضربة جوية من خارج الكوكب، أي الأرض، وعلى نحو ينزل معه الغاز من أعلى إلى اسفل، ليصل في النهاية إلى سطح الأرض، مصيبًا الأشخاص وملوثا كل ما على سطح الأرض من مبان وطرق ووسائل مواصلات واسطح مختلفة ومتعددة، وهو أمر يذكرنا بمسارح العمليات في الحروب.
ومع أن هذا التصور الافتراضي يقلل من احتمالات فرضية قيام دولة محددة بنشر الفيروس، برغم الجدل حول ذلك، خاصة أن أوروبا والولايات المتحدة والصين وروسيا في مقدمة ضحاياه، فإن انتشار الفيروس وضع في الواقع كل دول العالم أمام تحدٍ سافرٍ ومباشرٍ، أظهر مدى ضعف التجهيزات الصحية فيها ونقص كفاءاتها أيضا، كما أكد كذلك أن التصرف والتصدي الفردي – أي الوطني المجرد لهذه الكارثة، يظل جزئيا ويحتاج إلى تعاون أكبر وأعمق وأوسع بين دول العالم المختلفة، لسبب بسيط هو أن التعاون يقلل من احتمالات الغرق تحت وطأة الإصابات؛ لأن أي دولة منفردة يصعب عليها الاعتماد على إمكاناتها الذاتية فقط للنجاة وللعودة إلى نشاطاتها الطبيعية، والأمثلة في هذا الأمر نراها عمليا في الأيام الأخيرة.
ومع تقدير جهود منظمة الصحة العالمية، إلا أن هناك حاجة ماسة إلى تشكيل لجنة دولية رفيعة المستوى من علماء وخبراء لدراسة كيفية انتشار هذا الفيروس، وكيفية امتداده إلى كل دول العالم تقريبا، ومدى العلاقة بينه وبين غاز السارين، والمصدر الذي جاء منه الفيروس في أول أيام انتشاره، وكيفية التصدي له وتطهير الأرض منه، ليس فقط في أوروبا وأمريكا ولكن في آسيا وإفريقيا وأستراليا وأمريكا اللاتينية أيضا، ومن غير المستبعد أن تؤدي الإجابة عن تلك التساؤلات وغيرها إلى كشف حقائق بالغة الأهمية.
وحتى الآن على الأقل نستبعد أن يكون فيروس كورونا أحد تطبيقات الحرب الفضائية البيولوجية؛ لأن ذلك أمر بالغ الخطر والخطورة على حاضر ومستقبل الإنسانية، باعتباره جريمة ضد الإنسانية.
ولكن هل سيمكن تشكيل هذه اللجنة العالمية وتمكينها من دراسة الكارثة وإعلان نتائجها وتوصياتها؟
ثانيا: ثبت خلال الأسابيع الماضية، ومنذ بداية ما حدث في ووهان الصينية قبل نحو عشرة أسابيع، وما يحدث في أوروبا وأمريكا وروسيا الآن، أن الفيروس له دورة حياة ومراحل تمر بها فترات الإصابة والحضانة وانتشار الفيروس ثم التباطؤ والاضمحلال، تمهيدًا للتخلص التام منه، ودورة الحياة تلك تتجاوز الشهر وتمتد إلى نحو ثلاثة أشهر، وتحتاج بالضرورة إلى جهود مكثفة للحد قدر الإمكان من أعداد المصابين عبر التباعد الاجتماعي والعزل والبقاء في المنزل وأماكن الحجر الصحي، سواء المنزلي أو المؤسسي، وكذلك العمل على إنقاذ الحالات الحرجة، والقيام في الوقت ذاته بعمليات تطهير واسعة النطاق ومنظمة ومتكاملة للقضاء على أي بقايا لجزيئات الفيروس أو الغاز على الأرض أو على الأسطح المختلفة، ومن المعروف أن الفيروس وفعالية الغاز تضمحل وتنتهي تقريبا بعد نحو ثلاثة أيام إذا كانت في الهواء أو على بعض الأسطح ولكن ذلك لا يعني عدم التطهير.
على أي حال فإنه في الوقت الذي حذر فيه معالي الدكتور أحمد السعيدي وزير الصحة من خطورة هذه الأيام والأيام القادمة واحتمالات الانتشار الأوسع للفيروس، فإن اللجنة العليا لمتابعة تطورات فيروس كورونا والتعامل معه، التي يرأسها معالي السيد حمود بن فيصل وزير الداخلية وتضم ممثلين لمختلف الجهات المعنية، تقوم بجهود متواصلة وفعالة للحد من انتشار الفيروس وحماية المواطنين والمقيمين من هذا المرض، الذي لم يتوفر له علاج، ولا لقاح فعال حتى الآن على الأقل، ولن يتوفر قبل بضعة أشهر على أفضل الافتراضات.
ومع إدراك أن الإجراءات التي اتخذتها اللجنة العليا تفرض قيودا على الحركة، خاصة في حالات الإغلاق لبعض الأماكن أو الأحياء، كأمر ضروري، إلا أن إجراءات اللجنة وحدها لا تكفي بالتأكيد، لسبب بسيط هو أن اللجنة تقرر وتتخذ إجراءات وقرارات وتوصيات، ولكن التنفيذ والالتزام على الأرض يظل في النهاية قرارًا مجتمعيًا وقرارًا للمواطن والمقيم أيضا، وهنا تعود الكرة إلى المواطن، ومدى وعيه والتزامه واستشعاره للخطر، ولواجب حماية نفسه والمجتمع من حوله أيضا.
ثالثا: إنه إذا كانت الحكومة تقوم بدورها وعلى نحو فعال ومتكامل، عبر إجراءات مدروسة ومناسبة كذلك لمراحل تطور الوباء على الأرض، فإن الأمر لا يمكن أن يكتمل إلا بتعاون المجتمع كمجتمع، والأفراد أيضا، وهنا تحديدا فإن تعاون المجتمع والأفراد والتزام الجميع، ليس خيارا في الحقيقة، ولكنه واجب والتزام وضرورة لصالح الفرد والمجتمع والدولة ككل، ولذا تهون كل المصاعب والقيود؛ لأنها تستهدف في الواقع الحفاظ على صحة وحياة المواطن والمقيم وسلامته، ومن ثم فإن الأمر ليس منةً ولا تنازلا من جانب المواطن والمقيم ولكنه في الحقيقة ضرورة حياة، وأمر تحملت وتتحمل من أجله الدولة تكاليف عديدة مادية وغير مادية، ومن المهم والضروري مقابلة ذلك بواجب وضرورة الالتزام العملي لحماية النفس والأبناء والأسر والمجتمع ككل؛ لأن إصابة فرد يهدد بإصابة مجموعة المحيطين والمخالطين له بشكل جاد وحقيقي.
وإذا كان المجتمع العماني قد أثبت قدرته الكبيرة والفعالة للتماسك والتعاون والتكافل لمواجهة كل ما تعرض له من قبل من أنواء مناخية ومن محن استطاع أن يتغلب عليها، فإن الرهان الآن هو على استجابة المواطن والمقيم، وعلى وعيهما وإدراكهما لحقيقة أن هذا الفيروس يشكل خطورة حقيقية، ليس على الصحة وحياة الأفراد فقط، ولكن على الاقتصاد والتنمية والرفاهية في الحاضر والمستقبل أيضا، وهو ما يحتاج إلى تعاون وتكاتف الجميع، حماية للذات والأهل والمجتمع والوطن ككل، وكما انتصر المجتمع والدولة العمانية من قبل، فإنها قادرة على الانتصار على هذه الجائحة من أجل الحاضر والمستقبل، وتعطينا تجارب الكثير من الدول في العالم نماذج عملية نراها من حولنا وينبغي الاستفادة منها.