رحيل الشاعر مبارك بن محمد العامري عن 57 عاما وأعمال أدبية بين الشعر والسرد

خرج من “دوائر العزلة” في “شارع الفراهيدي”، ليسجل “بسالة الغرقى” على انعكاسات “مرايا تستنطق الغيم”

كتب ـ محمد بن سليمان الحضرمي –

توفي الأديب والشاعر العماني مبارك بن محمد بن ناصر العامري، بعد معاناة طويلة مع المرض استمرت تسع سنوات، عن عمر 57 عاما، ولد في قرية حيل العوامر، المعروف بالحيل الشمالية في ولاية السيب، نحو عام 1963م، وبرحيله ترك بصمات إعلامية وأدبية، أنجزها خلال حياته، فمذ كان طالبا في صفوف المدرسة الثانوية بمدرسة جابر بن زيد الثانوية بالوطية خلال الفترة المسائية، حاول الشاعر أن يسعى بخطواته الأولى إلى العمل الإعلامي، مدفوعا بشغف خاص، وهو العمل الذي يتناسب مع شاب يحمل في داخله موهبة شعرية وكتابية، تحققت بعد ذلك، وأصبح من الأدباء والكتاب العمانيين، وصدرت له مؤلفات في الشعر والسرد.

وكان العمل في إذاعة سلطنة عمان هو أول الخطوات التي مشاها الشاعر مبارك العامري، خلال الفترة الصيفية من الدراسة، مستفيدا من تلك الفترة لكسب مهارات في العمل الاعلامي، ومستثمرا وقته كطالب، ثم جرب العمل في صحيفة الوطن العمانية، التي عمل في إدارة تحريرها برهة من الزمن، رفقة زملاء لهم خبرات صحفية، اكتسب منهم مهارة العمل الصحفي، كما التحق للعمل في مجلة العقيدة، بدأت منذ عام 1978 واستمرت حتى 1986م، وكان العمل فيها فارقا في حياته، مستفيداً من خبراته الإعلامية السابقة، وظهر العامري في هذه المجلة بملحق أدبي، يمثل باكورة ثقافية لدى النشر الثقافي في المجلات، التي لم تكن الثقافة والأدب ضمن اهتمامها، وفي تلك الصفحات أوجد العامري مساحة واسعة للمواهب الأدبية، ينشر فيها قصائدهم الشعرية، ومساحات أخرى لكتاب المقالة، وتطورت الإسهامات الشعرية التي تنشر في مجلة العقيدة، لتلتفت إلى الكتابات الحديثة كقصيدة التفعيلة والنثر، وهو ما يعد بداية حقيقية للنشر الصحفي لدى الكثير من الكتاب والشعراء والأدباء الشباب، حيث وجدوا في مجلة العقيدة فرصة لنشر بوحهم وإبداعهم.

وانفتح الشاعر مبارك العامري على النشر في الصحف والمجلات التي تصدر خارج السلطنة، وكانت أولى مشاركاته في كتابة المقالة خارج السلطنة بمقالة عن الأديب والروائي السوداني الطيب صالح، فقد كتب قراءة في روايته الشهيرة “موسم الهجرة إلى الشمال”، نشرها في عام 1978م، بملحق جريدة الخليج الإماراتية، التي كان الشاعر السوري محمد الماغوط مشرفاً على صفحاتها الثقافية.

كما أوجد الشاعر مبارك العامري فكرة اللقاءات الثقافية، وكانت بدايتها في مكتبه بمجلة العقيدة، التي كانت أشبه بنادٍ ثقافي، وبجهود حثيثة مع الكتاب والأدباء في تلك الفترة، انتقل اللقاء بهم إلى “النادي الجامعي”، الذي تحول اسمه بعد ذلك إلى “النادي الثقافي” بالقرم.

ثم انقتل بالعمل بعد ذلك إلى مجلة “العين الساهرة” التي تصدر عن شرطة عمان السلطانية، وعمل على تطويرها والنهوض بها، فكانت لمساته الأدبية واضحة على موادها، رغم أنها متخصصة في العمل الشرطي.

انفتح الشاعر مبارك العامري على كتابة النص الشعري الحديثة “قصيدة النثر”، بعد تجارب في كتابة قصيدة القافية والتفعيلة، ويصف قصيدة النثر بقوله في حوار مفصل، أجرته معه عمان وسينشر غدا: إنها جاءت كخيار وجودي، قصيدة النثر جاءت كخيار وجودي، ومقتنع بها من جميع جوانبها الفنية والموضوعية، والتاريخية، وهذا زمن الكتابة التي تحبذ مثل هذا النوع من الكتابة، كقصيدة الومضة والمكثفة، وذات الزخم اللغوي، والشعر الإشاري والتلميحي، بعيدا عن الديباجة اللغوية.

وتفاعل مبارك العامري مع النشر الالكتروني في وسائل التواصل الاجتماعي، فكانت له صفحته الخاصة بالفيسبوك، ينشر فها نصوصه الشعرية، التي ستظهر في إصدارات قادمة، يعمل على تجميعها وتحريرها أبناؤه غسان ومحمد ولبيد، وقد استطاعوا جمع ما كتبه خلال السنوات العشر الأخيرة فقط، وما يزال البحث جاريا عن تلك المقالات المخبوءة في صفحات الصحف والمجلات، والتي نشرها خلال سنوات الثمانينات والتسعينات وما بعد ذلك، مقالات ونصوص كثيرة، نشرت خلال تلك الفترة، ولم يكن الشاعر يحتفظ بنسخ ورقية منها.

ترك الشاعر مبارك العامري مجموعة من الأعمال الأدبية، من بينها رواية “مدارات العزلة” صدرت عام 1994م، ورواية “شارع الفراهيدي” صدرت في عام 1997م، ومجموعة شعرية بعنوان “بسالة الغرقى” 2010م، ورغم نوبات المرض التي كانت تنتابه في السنوات الأخيرة من عمره، إلا أنه لم يترك الكتابة الشعرية، وكان الشعر أحد الهواجس التي يبوح بها، ويعبر من خلاله عن آلامه وأحلامه.

من جانب آخر لدى الشاعر مبارك العامري مخطوطات أدبية لعملين روائيين، الأولى بعنوان “الملتبسون”، نشر فصولا منها في مجلة نزوى عام 2010م، والثاني بعنوان “شاطئ الألمان”، وله نصوص أخرى، تجمع بين الشعر والمقالة، ستصدر في عمل قادم، بعنوان “مرايا تستنطق الغيم”.