هل سيخرجنا ارتفاع الحرارة من محرقة كورونا؟

صلاح أبونار –

مع انسحاب الصين الناجح من محرقة كورونا، وانتقال نيرانها إلى أوروبا لتقفز بعدها بعنفوان أشد إلى الولايات المتحدة، تصاعدت وتيرة المواجهة العالمية للفيروس عبر ثلاثة مسارات، المسار الوقائي الراهن المحتل لمركز المواجهة الحركية، ومسار البحث عن علاج طبي ناجز للإصابات الراهنة ولقاح أو مصل يقي نهائيا من الإصابات، ويمنع مستقبلا التكرار الواسع للوباء، ومسار الرهان على ارتفاع درجات الحرارة مع قدوم الربيع والصيف، ومعها ضعف قدرة الفيروس على البقاء الزمني والانتشار الجغرافي.
يتشكل المسار الوقائي من ثلاثة مسارات: التباعد الاجتماعي والعزل الجغرافي والعلاج الطبي. ويمكن وصف (المسار الوقائي) بكونه (مسار طوارئ)، انتهج اضطرارا في مواجهة وباء مجهول وخطر ويمتلك قدرة استثنائية على التوسع.
تبعًا لهذا لا يمكنه استئصال الخطر بل فقط محاصرته، وبالتالي لا يمكنه منع عودته بنفس القوة ولا انتقاله إلى أماكن أخرى. وهو باهظ التكلفة الاقتصادية والاجتماعية حتى مع حالات الإصابة المحدودة، لأنها تولد في حالات كثيرة سياسات وقائية استباقية واسعه النطاق وتراكمية، وهو في النهاية ممتد التكلفة، ففي ظل العولمة تمتد تكلفته من بلد الإصابة إلى البلدان الأخرى المرتبطة بها عضويا، بصورة متناسبة مع مكانته العالمية.
وبالنظر إلى الممارسة الصينية لهذا المسار والمفترض نجاحها هناك عدة ملاحظات؛ فلا أحد خارج الصين يعرف تكلفتها الحقيقية الكاملة والدقيقة، وبالتالي لا يمكننا تقدير حجم نجاحها الحقيقي، ولا يمكن فصلها عن طبيعة الهياكل المؤسسية الصينية بمركزيتها وشمولها وتغلغلها، ولا يمكن حتى الآن معرفة الثغرات المحتملة داخلها وقد تكشف لنا الأيام خطورة بعضها.
وترتيبا على التحليل السابق يمكن القول: إن المسار الأكثر جذرية، هو مسار الاكتشاف المزدوج لعلاج دوائي للمرض حال الإصابة به، ولقاح أو مصل وقائي للمرض يمنع أساسًا ونهائيًا الإصابة به. ومشكلة هذا المسار ليست إمكانية الوصول إليه، فهناك عشرات المراكز البحثية على اتساع العالم في سباق للوصول إلى كليهما، وترد لنا الأخبار عن نجاحات متوالية في أكثر من جهة، والانتقال من مرحلة الاكتشاف العلمي والتجريب المعملي إلى مرحلة الاختبار المقنن وفقًا للأعراف العلمية على عينات المرضى السابقة على الإنتاج. وتبدو احتمالات النجاح عالية، فلا أحد يتحدث عن مرض عصي على العلاج أو فيروس عصي على التحصين، ولا أحد يشير إلى حاجتنا لعدة سنوات لنصل إلى ما نريده. والمشكلة أساسا في المدى الزمني المطلوب للاختبار الطبي والإنتاج الصناعي، حيث ستصل هذه الفترة في حالة اللقاح أو المصل كما تتفق كل التقديرات إلى 18 شهرا، وفي أحسن الأحوال يمكن أن تصبح سنة فقط.
وتبدو أخبار الدواء المعالج للمرض أقل تواترا في الإعلام، ولكن وفقًا للمتاح إعلاميًا يحتمل أن تكون الفترة أقل، تبعًا لما أعلنته جهات علمية بشأن أدوية متداولة تستخدم فعليًا لعلاج أمراض مثل الملاريا، ترى صلاحيتها لعلاج المرض الناتج عن فيروس كورونا، ولكن إن صدقت تلك الفرضية فهذا معناه إننا كسبنا فقط الفترة الزمنية الخاصة بالبحث والاكتشاف، أما فترة الدورة الاختبارية للدواء فسوف تظل كما هي مع احتمال أن تكون أقصر نسبيا، لأن الدواء القديم يجب إعادة اختباره على حاملي المرض الجديد، وقد ينتهي الأمر بالنجاح أو بالفشل.
وهكذا سيتقدم المسار الثالث أي الرهان على ارتفاع درجات الحرارة مع قدوم الربيع والصيف، بوصفه طوق إنقاذ تلقيه الطبيعة إلى البشرية في صراعها ضد أمواج كورونا، ولكن هذا الطوق بفرض قدرته على الإنقاذ قد ينقذنا من الغرق، لكنه لن يصل بنا إلى بر الأمان، ماذا يعني ذلك؟
يمكن لهذا المسار حال نجاحه تحويل الفترة الزمنية التي تفصلنا عن اكتشاف الدواء واللقاح أو المصل، إلى فترة لتقليص الخسائر الاقتصادية والإنهاك الاجتماعي، ولاستكمال معارفنا الناقصة عن الفيروس، ولبناء مقدرات وترتيبات وطنية ودولية أكثر قدرة على المواجهة، ومناخ أكثر صلاحية لممارسة المؤسسات العلمية لتجريب أمين وثري ومتنوع للمطلوب من دواء ولقاح. والحاصل لسنا مع المسار الثالث أمام سياسة تنطوي على خطط ومبادرات، بل فقط أمام حالة انتظار ورهان على الفعل الخير للطبيعة، فما هي حظوظ هذا الرهان من النجاح؟
تميل أغلبية الكتابات التي طالعناها وكتبها متخصصون إلى القول: إن ارتفاع الحرارة في نصف الكرة الشمالي يمكن أن يبطئ أو حتى يوقف انتشار المرض. وفي هذا الصدد تطرح مجموعة من الحجج. أول هذه الحجج أن خبرات الأوبئة تخبرنا أن الكثير منها تتقدم وتتراجع وفقًا للتغيرات الفصلية، فالتيفوئيد يزدهر صيفا، والحصبة تتراجع خلال الفصل نفسه، والإنفلونزا تزدهر شتاءً. وثاني هذه الحجج وجود خصائص مشتركة بين فيروسي كورونا والإنفلونزا، ولأن الإنفلونزا تعيش وتزدهر في المناخ البارد ومع قدوم الربيع والصيف تتراجع إصاباتها، وبالتالي يفترض الباحثون اتباع كورونا للمسار نفسه. وثالث هذه الحجج انتماء كورونا إلى عائلة فيروسية تدعى (الفيروسات المغلفة)، ويشير المصطلح لوجود غلاف دهني يحيط بالفيروس يتصلب شتاءً ويكتسب طبيعة مطاطية، تجعله قادرا على الحياة خارج جسم الإنسان لمدة 28 يوما في ظل درجات منخفضة تصل 4 مئوية، وكلما ارتفعت درجات الحرارة قصر عمر فيروسات تلك العائلة وقلّت قدرتها على الانتشار والإصابة، ورابع هذه الحجج تتعلق بالدراسات التي أجريت على نمط انتشار الوباء الراهن، حيث أجرت جامعة إدينبرج دراسة منذ 10 سنوات على فيروسات كورونا، أظهرت أن لثلاثة منها حساسية تجاه الشتاء، حيث كانت تنتشر وتعدي بشكل أساسي فيما بين ديسمبر وأبريل. وفي دراستين منفصلتين أجراهما باحثون في جامعة هونج كونج وجامعة ميريلاند على نمط انتشار كوفيد 19، رصد الباحثون انتشار الفيروس في مناطق في نصف الكرة الشمالي تتراوح درجات حرارتها بين 5 و10 مئوية وتمتد من الشرق إلى الغرب، وفشله في الانتشار في المناطق الواقعة جنوب شرق آسيا. وفي دراسة غير منشورة لباحثين صينيين تناولت 2,300 حالة وفاة في ووهان عبر ربطها بدرجات الحرارة والرطوبة وتلوث البيئة، وجد الباحثون ارتفاعا في معدلات الوفاة في مناطق انخفاض درجات الحرارة والرطوبة، والعكس صحيح. وفي مقال علمي نشر في مجلة كونفيرسيشن في 17 مارس، لاحظ الكاتب أن المناطق الواقعة جنوب مدار السرطان لم تشهد سوى 2,025 إصابة كورونا، أي ما يشكل نسبة 1,29% فقط من إجمالي الإصابات العالمية، وهو أمر قد يعكس تأثير عوامل عديدة أهمها بالتأكيد ارتفاع درجات الحرارة.
غير أن الرأي السابق يواجه تحفظا قويا من جانب فريق من العلماء؛ لا يرفض هذا الفريق الطرح السابق، ويعي جيدا دلالة الأرقام الميدانية، ولكن لديه في المقابل تحفظات قوية. أول التحفظات تتعلق بمدى معرفتنا بالفيروس، فمعارفنا حوله محدودة وتجاربنا معه لا تزال في بداياتها، وبالتالي يستحسن ألا نسرف في التوقعات المتفائلة، وثاني التحفظات يتعلق بنمط الدراسات المسحية التي أجريت على انتشار الفيروس رغم صدق نتائجها أجريت في موسم انتشار واحد، وسيطر عليها منهج بناء نماذج التنبؤ الرياضية، ويصعب علميا بناء تنبؤ صلب إلا من خلال تكرار الدراسة عبر فترات زمنية متتالية، وثالث التحفظات يتعلق بالطابع النسبي لنتائج دراسات انتشار كورونا. تذكر دراسة لمدرسة طب هارفارد أن انتشار الفيروس في مناطق مدارية مثل سنغافورة مع انتشاره الأكثر كثافة في المناطق الباردة، يشير إلى احتمال ألا تؤدي الزيادة في درجات الحرارة مع قدوم الصيف إلى تراجع الوباء. ورابع التحفظات تتعلق بخطأ تعميم النتائج المأخوذة من علاقة انتشار بعض الأوبئة الأخرى بالتغير المناخي. وعلى سبيل المثال تفشت غالبية أوبئة الإنفلونزا في الفصول الباردة، ولكن جائحة الإنفلونزا الإسبانية 1918وصلت ذروتها خلال أشهر الصيف، وانطلق وباء سارس 2002-2003 في الشتاء لكنه وصل ذروته في شهر مايو الأكثر دفئا، كما أن فيروس ميرس 2012 وهو من نفس فصيلة كورونا انتشر أساسا في البلدان الحارة. ويطرح خامس التحفظات فكرة مهمة مضمونها أن بعض الجوائح يمكن أن يكون لها نمط انتشار يختلف عن نمط الأوبئة. والفكرة هنا أن كثافة الانتشار في مواقع معينة، والتوسع المتوالي في عدد المواقع ومصابيها وتحوله إلى وباء عالمي، يمكن أن يقود إلى استمرارية انتشار الفيروس خلال فصل الصيف. وسادس هذه التحفظات أن الأرقام الضعيفة، لانتشار الفيروس في مناطق جنوب مدار السرطان الحارة، يمكن أن تكون غير دقيقة. هناك بالتأكيد دور لانخفاض الحرارة، لكن يصعب معرفة المدى الدقيق لتأثيرها، لوجود عوامل أخرى مؤكدة. مثل أمراض أخرى يجري إدماج إصابات الكورونا بها، وغياب إمكانيات إجراء الاختبارات اللازمة لكشف عدد الإصابات الحقيقي، وضعف الإبلاغ الأهلي المقرون بضعف إعلان السلطات عنها. هل يمكننا ترجيح إحدى كفتي هذا الجدال؟ في التحليلات التي طالعناها تحظى كفة الفريق الأول بتأييد أوسع، ولكن مع اعترافنا بامتلاكه قدرا أكبر من الأرجحية، نتصور أن الوباء الراهن يحمل معه مفاجآت كثيرة وثغرات معرفة واسعة، بصورة كفيلة بقلب كثير من البديهيات والتوقعات رأسا على عقب.