الأحداث .. بيئة خصبة لتضليل المحتوى

أحمد بن سالم الفلاحي –

منذ فترة ليست ببعيدة بدأنا نلاحظ أن هناك من أبناء المجتمع من يعتذرون لعامة الناس؛ عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ عن ما قالوه، أو ما قاموا به من سلوك، وأنهم نادمون على ذلك أشد الندم، وأنهم تعجلوا في كل ما ورد منهم، وأن ذلك كله يعكس تسرعهم، وعدم تثبتهم من الحقيقة.

وبغض النظر إن كان هذا الاعتذار مبادرة منهم لمراجعتهم لأنفسهم واكتشاف خطئهم بأنفسهم، أو هم ملزمون عن طريق الجهات المعنية، التي تعمل ليل نهار على تماسك المجتمع، وعدم تجريح أفراده بعضهم لبعض، فالكلمة لا تزال «سهما مسموما» إن خرج من غمده، فإن تدميره سيقضي على «الأخضر واليابس»، ففي كل ذلك ما أثير يصنف تحت قائمة «تضليل المحتوى» وأن «تضليل المحتوى» يكثر أكثر، ويزدهر عادة في ظل وجود حدث ما، حيث ينسل بين جوانبه أصحاب النوايا السيئة، وأصحاب الرسائل الخبيثة، وقد يكونون مأجورين، أو موجهين لإثارة القلاقل، والفتن، يحدث هذا أكثر من حلول حدث ما، أو واقعة ما، سواء كانت خاصة بأفراد بعينهم، أو كانت عامة تخص الجميع، كما هو الحال اليوم مع جائحة القرن «كورونا- كوفيد19» التي تكثر فيها؛ كما هو معايش؛ المغالطات، والتأويلات، والتفسيرات، والاجتهادات، والتعليلات، وبالتالي يجد الذين تستهويهم مثل هذه التضليلات غير القائمة على الحقائق الفرصة للخوض فيها؛ ربما «لغاية في نفس يعقوب» وربما إشباع لحالة نفسية، لا تجد متنفسها إلا في مثل هذه البيئات الضبابية، اعتقادا منهم، أن الوقت قصير فيجب استغلاله، مع استحضار ذلك الحوار الـ «منولوجي» الذي مفاده: لم لا يكونون محل الاهتمام المجتمعي المترقب لكل صغيرة وكبيرة لمجريات هذا الحدث المؤلم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى؟
ولذلك نشرت الصحف المحلية بتاريخ الثلاثاء 31/‏ 3/‏ 2020م بيانا صادرا من الادعاء العام- بحسب ما نشره مركز الأخبار عبر صفحته الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»- ما نصه: «كشف الادعاء العام عن إصدار مذكرات بإلقاء القبض على 11 متهما خالفوا إجراءات العزل المنزلي، كما أصدر الادعاء العام حكما بالسجن والغرامة 1000 ريال في قضية نشر شائعات تتعلق بمرض كورونا، وتم ضبط 9 أشخاص من ناشري الشائعات والتحقيق معهم وحبسهم احتياطيا»– انتهى النص.
وقد أكد المعنيون في الادعاء العام، عبر تصريحاتهم الإعلامية أنهم ماضون على هذا النهج، حفاظا على لحمة المجتمع، وتماسك أركانه، مؤكدين على ضرورة أخذ المعلومات من مصادرها الصحيحة، فالمسألة، وبهذه الجسامة الوطنية والعالمية لا تحتمل بث تضليلات تعمق من الإساءة، أو تنكئ الجروح أكثر من ذلك، أو تضع المتلقي في حالة من القلق، والارتباك.
منذ بدء مأساة جائحة القرن «كورونا – كوفيد19» والعالم برمته يتلقى سيلا جارفا من المعلومات المضللة للحقائق، فما بين منشئ هذه المحنة ذاتها، ومسببها، وما بين تضخيم أرقام الخسائر التي تتكبدها الدول في قواها البشرية، والمادية، والمعنوية، وما بين ابتكار العلاجات التي من شأنها أن توقف هذا النزيف البشري الراحل إلى مثواه الأخير، وما بين سبل الوقاية التي لا يتفق عليها حتى المتخصصون في الشأن الطبي، فما بين تصريح لطبيب، وتصريح آخر لطبيب آخر نجد التناقض واضحا في هذا الجانب، حتى ليكاد المرء يصاب بالارتباك من جراء هذا التناقض المخيب للآمال، وبالتالي أصبح الواحد لا يثق في أي نصيحة من قبل هؤلاء المتخصصين، وعليه أن يسلم الأمر لله، مع اجتهاده الذاتي، والأخذ بالنصائح المتفق عليها بشكل عام، ويأتي في مقدمتها العزل الاجتماعي، والحجر الصحي المنزلي، وعليه أن لا يصغي لأي أحد آخر، وإلا سيعيش في دوامة قد يكون ضررها عليه أكثر من فائدتها، وبالتالي ففي ظل هذه الظروف البالغة الخطورة، المسألة لا تحتمل عبئا آخر ممثلا في محتوى مضلل لا سند له ولا دليل، تضعه بين أيدي الناس فئة آلت على نفسها إلا أن تتصدر قوائم الهدم، لا قوائم الإصلاح.
ومما عمق الإساءة أكثر هي وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، حيث يعمل روادها على نشر كل المعلومات بلا تيقن، على أثر عملية الـ «قص» و«اللصق» آخذين النص على علاته دون تفكير لسلبيات تأثيره على المتلقي، فخطورة المحتوى المضلل أنه يعمل على (إرباك الثقة بالنفس) فيجعلها مقودة لأي معلومة شائعة، ولكم قرأنا ورأينا مقاطع مصورة لأناس يقدمون علاجات شعبية، ويقسمون باليمين المغلظة أنها العلاج الأنجع للتشافي من هذا المرض، وعلى سبيل المثال توارد عبر وسائل الإعلام خبر مفاده: «في إيران وهي من أكثر الدول تضررا جراء الوباء، توفي أكثر من 200 شخص جراء تسمم بالميثانول بعدما سرت شائعات مفادها أن تناول الكحول يساهم في الشفاء أو الوقاية من الفيروس، على ما ذكرت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية»- انتهى النص.
وربما هناك أحداث كثيرة مماثلة في هذا الجانب، لم تجد من يكتب عنها لكي يعرفها الجميع، وبالإضافة إلى ذلك يذهب المحتوى المضلل إلى (تقزيم الجهود المبذولة) سواء من الجهات المعنية، أو من الجهات الأخرى المعضدة للجهد الرسمي، حيث ينسف جهد كل هؤلاء المجاهدين ليل نهار، ولا يكون له أدنى اعتبار، ويأتي الأخطر مع كل ذلك (تنامي حالات التخوين ونظريات المؤامرة) وهذه أشدها إيلاما على النفس، والوطن، والمجتمع.
يقول ديفيد راند الخبير في الدماغ والعلوم الإدراكية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (أم آي تي): «ثمة فرق دائم بين ما يظن الناس أنه صحيح وما يميلون إلى تشاركه»– حسب المصدر.
والتشاركية المقصود بها هنا هي البحث عن العدد الأكثر من المشاركين له والمؤازرين لما يقوله، أو يطرحه على وسائل التواصل الاجتماعي، بغض النظر عن قناعته بهذا المحتوى، الذي يقر في نفسه أنه محتوى مضلل، ومجانب للحقيقة، ولكنه يتبناه في تلك الفترة لغرض المشاركة والتميز.
أعلنت «فيسبوك» في 18 مارس الماضي أن المضامين «المرجعية المثبتة» ستُعطى الأولوية عند المستخدمين ومنها الرسائل والأشرطة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية وعن خبراء وشخصيات معروفة.
وشددت أكبر شبكة تواصل اجتماعي في العالم على التزامها بمكافحة التضليل بواسطة برنامج يشمل مدققين خارجيين بصحة الأخبار بينهم وكالة فرانس برس التي كشفت زيف 200 من هذه الشائعات والروايات المرافقة لفيروس كورونا المستجد حسب – نيويورك: في 29-3-2020؛ بقلم آرثر ماكميلان ووليام دنلوب.
ولكن وعلى الرغم من هذا التأكيد لا تزال تتوارد الكثير من المحتويات المضللة والتي تفتقر إلى كثير من الحقائق، والأدلة، ويتلقاها الأفراد عن حسن نية، وقلة معرفة، ولمجابهة الخوف المحدق بهم، وهم في حالة ضعفهم هذه، حيث يتشبثون بأي شيء يعيد لهم توازناتهم النفسية المرتبكة، فمنذ فترة طويلة قرأت خبرا تم تداوله عبر صفحة الـ «واتس أب» تحت عنوان: (5 خرافات ارتبطت بمرض السكري) نص مقدمة الخبر على: «كشف الاتحاد الفيدرالي للسكر، أن هناك بعض الخرافات التي يصدقها الناس، ارتبطت بمرض السكر، ولكن غالبا هذه الخرافات لا تمت للحقيقة بصلة، فغالبا ما يتم إغفال العقل، والوقائع حول مرض السكري للرأي والخرافات في العديد من المجتمعات في جميع أنحاء العالم»– انتهى النص.
ونفى الخبر أن يكون تناول السكر هو المسبب لمرض السكري، كما نفى أن يعمل تناول الأعشاب، والتوابل وغيرها من المواد النباتية من شأنها أن تعالج مرض السكري.