فيروس ودروس

حفصة السبتية
Umabadi2000@hotmail.com

هذا الوباء فيروس كورونا أو ما يسمى (كوفيد -19) الذي انتشر على هذه الأرض انتشار النار في الهشيم، أصبح واقعًا مؤلمًا نعيشه بين خائف ومترقب، كثر الحديث واللغط حوله حتى ضاقت علينا وسائل التواصل الاجتماعي بما رحبت، فأصبح الكل خبيرا، ويدلو بدلوه، من أين جاء وما أصله، وكيف بدأ وما هي أعراضه وآثاره؟ وما طرق علاجه؟ منهم من رجح نظرية المؤامرة بأنه عمل بيولوجي ووسيلة من وسائل التدمير المقصودة، ومنهم من أرجعه إلى نوع مستجد من أنواع فيروسات الإنفلونزا، وبعضهم أصبح متخصصًا في علاجه وآلية التعامل معه أو الوقاية منه، فانهالت علينا وصفات شعبية متعددة، حتى كادت تفرغ مكونات هذه الوصفات من الأسواق، مع ما يقابل ذلك من تندر من قبل البعض.
منهم من يهون من خطورة المرض متمثلا قوله تعالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) (الآية 51 من سورة التوبة) متواكلًا في أمره متهاونًا مستهترًا غير آبه بالأخذ بالأسباب، ومنهم من يتوكل على الله بعد أخذه بالأسباب، كما أمر سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- بقوله: (اعقلها وتوكل)، فالرسول هادي البشرية هو سيد المتوكلين، كان يأمر بالأخذ بالأسباب والتداوي، حيث قال: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة لا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد) أخرجه البخاري، لذلك تم توجيه أفراد المجتمع بالتباعد الاجتماعي والتزام المنازل اتقاء للخطر، فنملة تعلمنا درسًا عندما شعرت بالخطر إذ أمرت من حولها بالإيواء لمساكنهم، قال تعالى: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (الآية 18 من سورة النمل)، فعلينا جميعًا يدًا بيد مواجهة هذا الفيروس، فأنت تختار إما الكارثة وإما النجاة.
هل هذا المرض ابتلاء نعمة وأخذ العبر؟ لعل الله أرسله للبشرية للفرملة وفرصة للمراجعة والتفكر، لتراجع نفسها ولترتب الدول أولوياتها، بعد أن أصبح العالم يلهث متسارعًا مندفعًا بشراهة وراء هذه الحياة بما فيها، غير آبه بما يخلفه جراء هذا اللهاث من تأثير على هذا الكوكب، أراد منهم وقفة لمراجعة النفس والإحساس بما حولنا، وقفة تعاون بين الدول بجميع قطاعاتها، والتي بدأت تتهاوى اقتصاديًا نتيجة انتشار هذا الكائن غير المرئي بالعين المجردة، لعلها تراجع أنظمتها وسياساتها بما كسبته أيديها، وفرصة لتطهير وتنقية الأرض؛ كي تتنفس الصعداء مما يبث في غلافها الجوي، وتأثيره السلبي المتفاقم على مناخها الذي أصبح يصب غضبه عابثًا بقوانين الطبيعة، فتصور معي كم من عوادم المعامل ووسائل النقل من مركبات وطائرات وقطارات وغيرها التي تنفث على هذه الأرض، سوف تقل نسبتها.
إنها وقفة لمراجعة حياتنا الشرهة بجميع جوانبها خاصة الاقتصادية والاجتماعية، كالبذخ والإسراف والتفاخر في الاستهلاك وإقامة المناسبات، كذلك تعد فرصةً للتجمع العائلي الذي يكاد يكون مفقودًا في بعض الأسر، وتحاور الآباء مع الأبناء واكتشاف الآخر بشكل أفضل فيزداد الترابط والتواد بينهم، وشعور الأطفال بقرب أبويهم وحنانهم، وتعد فرصة للإحساس بقيمة الوقت وأهميته وكيفية الاستفادة منه بشكل مفيد، وترتيب أولويات الأفراد، والعودة لممارسة الهوايات التي غالبًا ما نقنع أنفسنا بقلة الوقت لممارستها.
كم من أزمات مرت على هذه الأرض وانحسرت بعد أن حصدت الآلاف من البشر، فهل ننتظر المزيد من الخسائر لا قدر الله؟ لذلك وجب علينا جميعًا التكاتف والالتزام بالتعليمات، وأخذ المعلومة من مصادرها الموثوقة، والتعاون من أجل الحد من سرعة انتشار هذا الوباء والقضاء عليه، وتقليل ما يخلفه من خسائر بشرية، جنبنا الله وإياكم شر هذا الوباء وأبعد عنا سيئ الأسقام.