الـوبـاء والركـــود الاقتصـادي

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

لا ينكر أحد في العالم أن جائحة كورونا ستؤدي بالعالم إلى وقوعه في الركود الاقتصادي شئنا أم أبينا، ففي كل مكان تتزايد المخاوف من هذا الوباء القاتل، خاصة في الدول التي تشهد اليوم مئات المصابين والوفيات من جراء المرض، فيما يتوقع الخبراء بأن يتزايد الانكماش الاقتصادي، ويفقد المزيد من الناس أعمالهم ووظائفهم خلال العام الحالي والعام المقبل. فالتوقعات تقول إن المرض سوف يستمر لمدة أكبر مما يتوقعه البعض. ولا نريد هنا أن نتبع أسلوب التشاؤم، ولكن الأمور بيد الله ليفرج عن جميع أفراد البشرية لأن الكل (إما أخ لكم في الدين أو نظير لك في الخلق) كما تحدث عن ذلك الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
اليوم فإن جميع الحكومات تشدد إجراءاتها لمواجهة هذا الوباء سواء في الأعمال التجارية أو المالية أوالمصرفية، والكثير من العمال الفقراء لا يستطيعون اليوم تحويل أموالهم إلى أسرهم في هذا الوقت نتيجة للحظر المنزلي على الناس وإقفال المؤسسات المصرفية، وهذا بالتالي يشكل معضلة للناس في كثير من الدول، ويقلل من فرص النمو الاقتصادي، ويدفعها نحو الانكماش في العالم.
وجميع الحكومات تعمل اليوم على التقليل من الأعمال التجارية والمعاملات الاستهلاكية اليومية، الأمر الذي لا يعطي الفرصة الكافية لعودة الحياة التجارية إلى ما كانت عليه في الماضي، إلا بعد أن يتم التأكد بأن الوباء بدأ في الانحسار تدريجيًا. المدارس معطلة وكذلك المطارات والمراكز والمحلات التجارية وغيرها، عدا بعض المؤسسات التي تعمل في بيع المواد الغذائية والمرضية. وقد رأينا ذلك في السلطنة وغيرها من الدول الأخرى.
إن هذه الأزمة تدفع الناس اليوم نحو تعليم مبادئ وأسس جديدة يجب اتباعها بعد عودة الحياة إلى طبيعتها، خاصة في موضوع التفاعل البشري، بحيث على المؤسسات عندئذ اتباع أسلوب جديد في المؤسسات وعلى أساس التباعد الاجتماعي لكي يكون السمة الرئيسة في الأعمال الحياة اليومية سواء في المدارس أوالكليات والجامعات وفي الطائرات والمطاعم والمؤسسات التجارية وحتى المنازل مع الغرباء. نتعلم اليوم شيئا اسمه التباعد الاجتماعي بين الأفراد، وهذه الأساليب بالتأكيد سوف تبعد اختناق الناس في تلك المؤسسات التي تم ذكرها خلال المرحلة المقبلة.
نحن في المنطقة علينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على ما منحنا من النعم، وخاصة في المنازل التي نسكنها، وهي واسعة وشرحة وتضم عددا من الغرف تكفي لأفراد الأسرة الواحدة والضيوف، عكس ما هو قائم في الدول الأخرى، فإن معظم تلك الشعوب، ولو أنها متمكنة ماليًا، فإنها تعيش في شقق وبيوت صغيرة نسبيًا عما هو موجود لدينا، اللهم أولئك الأغنياء الذي يمتلكون القصور والفيلات والبيوت الكبيرة.
وهذه الأزمة -بلا شك- قللت من ثروات الأغنياء وتزيد من خسائرهم يوما بعد يوم، ولا نعرف حجمها اليوم، ولكن يشعرون بأن الوباء يعصف بثرواتهم التي كونوها من عرق الفقراء خلال العقود الماضية واتباعهم ما يسمى العولمة، فيما اتبع البعض أساليب الاختلاس والرشى والتلاعب في المناقصات وغيرها من الأساليب الأخرى في الأعمال التجارية. إنه الألم العميق الذي يلحق بهم، وهم يبحثون عن قشة النجاة كالغريق لينقذ نفسه وهلاكه من أمواج البحر المتلاطمة.
إن عام 2020 سيكون عام الركود الاقتصادي لجميع الاقتصادات المتقدمة كما ذكرت صحيفة ذا جارديان البريطانية قبل أيام. فأرقام البطالة تتزايد في العالم، والإنفاق يقل لدى الجميع، والسياحة والطيران والعقار في تراجع مستمر. وجميع الجهود منصبة على إيجاد لقاح لهذا الوباء، في الوقت الذي تعمل فيه حكومات العالم على الحفاظ على القدرة الإنتاجية للاقتصاد بأقصى درجاته، وتوفير لقمة العيش لأبنائه، وتأمين الاحتياطات الغذائية لهم والحفاظ على مسارهم الصحي، والابتعاد عن فرض الضرائب والرسوم لإعادة لدوران عجلة الاقتصاد بأقل الأثمان، ورغم ذلك لا يستبعد أي خبير الركود الاقتصادي العالمي.