مرفأ قراءة… ابن المقفع.. الجسر المعرفي الأول في الثقافة العربية

إيهاب الملاح

(1)
في فترة باكرة من تعرفي على روائع تراثنا النثري العربي القديم؛ وقع تحت يدي كتاب نادر من إصدارات لجنة التأليف والترجمة والنشر للعلامة السوري محمد كرد علي عنوانه (أمراء البيان). قدّم فيه مسحًا رائعا للإنتاج النثري المدون وصوره المتمثلة في الرسالة والمقالة والقصة المترجمة والمناظرة والمحاورة والمقامة.. إلخ، وأورد فيه نماذج رائعة من النثر العربي الوسيط؛ بالإضافة إلى تراجم وافية لأصحاب هذه النصوص؛ من أول عبد الحميد الكاتب، وعبد الله بن المقفع، وسهل بن هارون، مرورًا بالجاحظ والتوحيدي وصولًا إلى الكاتبين الوزيرين عبد الملك بن الزيات وابن العميد.
كان هذا الكتاب سببا مباشرا في قراءة أعمال هؤلاء الذين ترجم لهم، وعرض نماذج من نصوصهم؛ ولفت نظري مبكرًا جدا إلى جمال النثر العربي، وخصوصيته، وغناه الفني؛ والذي طغى عليه اهتمام العرب بفنهم الأثير الشعر؛ ولفت نظري أيضًا إلى نصوص ربما لم يعرها أحد اهتمامًا كبيرًا في ذلك الوقت؛ مثل الرسائل الإخوانية، والمخاطبات، والمناظرات، والحكم، والوصايا، والأمثال… إلخ.

(2)
ومنذ أن اتصلتِ الأسبابُ بيني وبين مصادر التراث العربي؛ كانت هناك شخصيات بعينها اجتذبتني نصوصها وسيرتها بصورة تفوق مثيلاتها؛ في ما اصطلح على تسميته بـ “النثر الفني العربي” كانت النصوص التي وقعتُ عليها بدءًا من أيام العرب في الجاهلية والإسلام، ثم الخطب والوصايا والرسائل والأمثال والأخبار… إلخ، تلك الأشكال النثرية التي عرفت في هذه الدائرة، تستهويني بصورة مدهشة، وكنت أحب أن أقرأ هذه النصوص بصوت مسموع أستشعر معه إيقاع العبارة العربية المسجوعة، وأتلمس أثر المحسنات ودرجات شيوعها في نصوص تلك الفترة؛ من حسن تقسيم، وازدواج، وترادف، وإطناب.. إلخ.
ولا أذكر كم مرة حُمتُ فيها حول كتاب “كليلة ودمنة” لعبد الله بن المقفع الذي فتنني بكتابه هذا؛ أو كتابه “الأدب الكبير والصغير” و”الصغير” أو رسالة الصحابة (كان أول مقال أنشره موقعًا باسمي عن هذه الرسالة التي أودت بحياة صاحبها!)
(ومثل “كليلة ودمنة”، مثل “ألف ليلة وليلة” التي أحتفظ في مكتبتي بقسم خاص لطبعاتها؛ كذلك “كليلة ودمنة” لها قسم خاص ومعتبر من طبعاتها ذات القيمة التاريخية أو الفنية برسوماتها التراثية المصاحبة).
ودائما ما أتحمس لأي نشرة أو طبعة جديدة من أعمال ابن المقفع وأسعى دائما من خلال مشروعات النشر التي أتولى مسؤوليتها أو أكون عضوا بها لأن تظل طبعات جديدة ومتجددة من أعماله تحت أعين وبين أيدي شبابنا ليتعرفوا على تراث رائد حقيقي من رواد العقلانية في الحضارة العربية الإسلامية، والذي عرف بآرائه الحكيمة التي لا تنطوي على تعصب، فضلا على دوره التأسيسي في الترجمة ونقل آثار الأمم السابقة علينا إلى اللغة العربية؛ وسيظل كتاب “كليلة ودمنة” خالدا في التراث الإنساني بفضل الصياغة العربية الكاملة لها التي اضطلع بها ابن المقفع (لا أقول ترجمة إنما صياغة وتأليفا آخر، لكن ذلك حديث آخر).

(3)
ولم يكن غريبًا، والأمر كذلك، أن يكون أول بحث مرجعي أكتبه في حياتي وأنا في الجامعة عن عبد الله بن المقفع (المتوفى 141هـ أو 143هـ أو 145هـ على خلاف)؛ وأذكر جيدًا أنني احتشدت لهذا البحث احتشادًا غير مسبوق؛ فقرأتُ أولًا كلَّ ما وصلَنا من كتبه (المشهور منها خمسة؛ “الأدب الكبير” و”الأدب الصغير”، و”الدرة اليتيمة”، و”رسالة الصحابة”، وكتابه الأشهر في التراث الإنساني كله “كليلة ودمنة”).
ثم قرأت ما استطعت الوصول إليه من كتب ودراسات، مقالات وفصول، عن ابن المقفع وسيرته، وموقعه من تاريخ الثقافة العربية ككل. ولا أنسى أبدًا هذه الفترة من عمري حين كنت أمضي أكثر من اثنتي عشرة ساعة متواصلة في القراءة، وجمع المادة وترتيبها وتصنيفها، والمقارنة بين الروايات المتعارضة والترجيح بينها، وتكوين رأي مستقل عما أعلنه هذا الباحث أو ذاك.. إلخ.
وأزعم أنه بفضل هذا المرحلة تولد بداخلي هوس الاستقصاء والتحري عما يمكن الوصول إليه من مصادر أو مراجع أو مواد متعلقة بالموضوع الذي أقرأ فيه أو عنه!
المهم أنني قد وفقت لقراءة أهم ما كتب عن ابن المقفع، بالتوازي مع قراءة نصوصه، واستطعت أن أصل في النهاية إلى تكوين وجهة نظر حول كتابته عمومًا وجمالياته الأسلوبية؛ وأن أكتب بحثًا آخر عن “ابن المقفع وبواكير العقلانية في الفكر العربي الإسلامي”.
وأذكر جيدًا أنني توقفت عند رأيين متعارضين فيما يخص ابن المقفع وريادته لنشأة النثر الفني في الأدب العربي؛ الأول يرى أن ابن المقفع هو المؤسس الأول لفن النثر العربي أو “البيان العربي” كله، وصاحب حجر الأساس في إرساء هذه المدرسة البيانية التي امتدت وتفرعت عبر خمسة قرون متصلة. كان يمثل هذا الرأي المستشرق الفرنسي مارسيه، وتابعه فيه أحمد أمين في (ضحى الإسلام)، وتلميذه عبد اللطيف حمزة في كتابه عن “ابن المقفع”.
أما الرأي الآخر فينزع هذه الريادة عن ابن المقفع، ويسلمها لمعاصره، وصديقه عبد الحميد بن يحيى الكاتب الذي قيلت فيه العبارة المأثورة الشهيرة: “بُدئت الكتابة بعبد الحميد.. وخُتمت بابن العميد”، وكان طه حسين هو صاحب هذا الرأي، ويشاطره الرأي زكي مبارك في كتابه العمدة “النثر الفني في القرن الرابع الهجري”، وإن كان يرد أولية النثر العربي إلى القرآن الكريم، والنثر الجاهلي ولا يقصرها على أشخاص بأعينهم.
وأيا ما كان الأمر، فقد كان ابن المقفع صاحب الفضل الأول في تخليص اللغة العربية من قيودها الشكلية التي كانت سائدة قبل الإسلام؛ كان أسلوبه مترسلا متحررا منطلقا؛ صاحب عبارة شارحة وتمثيل وتصوير، وإن كانت معانيه أحيانا تتدافع وتتكدس وتجتمع فلا يستطيع الإفصاح عنها وفك الالتباس بينها فيقع، أحيانا، في بعض غموضٍ والتواء وتعقد تركيبٍ.
(وللحديث بقية)

(4)
ولا بأس من التذكير بأن ابنَ المقفع كان أول وأهم جسر ثقافي مُعتبر بين الثقافتين العربية والفارسية، وهو الذي “حمل إلى العربية أروع ما أنتجته العبقرية الفارسية قبل الإسلام، فترجم منه ما اتصل بالأخلاق، وما اتصل بتاريخ الساسانيين ومن سبقوهم من ملوك إيران، وكذلك ما اتصل بأنظمة مُلكهم وحكمهم للرعية. ولم يكتف بذلك بل نقل أيضًا أجزاء من منطق أرسطو، كما نقل قصص “كليلة ودمنة” الشهيرة التي نقلت عن ترجمته(فيما بعد) إلى السريانية والعبرانية واليونانية والفارسية الحديثة، وإلى اللغات الأوروبية”
ولهذا اعتبره المرحوم أحمد أمين في الجزء الأول من “ضحى الإسلام”؛ نموذجًا للتأثير المتبادل بين الثقافتين العربية والفارسية. وعده المرحوم عبد اللطيف حمزة في كتابه عنه التجسيد الكامل للتلاقح الثقافي المثمر بين الثقافة العربية والثقافات العالمية السائدة آنذاك (الفارسية واليونانية تحديدا). والأمر ذاته في الفصل الذي عقده محمد كرد علي في كتابه المشار إليه “أمراء البيان” عن ابن المقفع.
ورغم أن موقف طه حسين من ابن المقفع كان يشوبه بعض السلبية، فإنه لم يكن يملك إلا الاعتراف بأن له “عبارات من أجود ما نقرأ في العربية”، وأنه حين نقل بعض الآثار من الفارسية إلى العربية مثل “الأدب الكبير” و”الأدب الصغير”، لم تستعصِ اللغة عليه، كما يقول طه حسين، بل كانت طيّعة مرنة، وقد جعل ابنُ النديم صاحب “الفهرست”، ابنَ المقفع من البلغاء العشرة الذين قاموا على رأس أدباء العصر العباسي، وشهد له بالفضل لأنَّه مقدم “في بلاغة اللسان والقلم والترجمة واختراع المعاني وابتداع السير”..
(وللحديث بقية)…