ظاهرة تنتشر يوميا « الإشاعة » .. وباء يلاحق المجتمع ومذنب يحتاج إلى ردع

– معن الدرمكي: بسبب إشاعة “وفاة والدي” مررت بوقت عصيب ومئات الكيلومترات تفصلني عنه.

– بسمة آل سعيد: صانع الإشاعات شخصية تعاني حالة نفسية وغالبا الشعور بالدونية.

– محمود البوسعيدي: الإشاعة تمس العديد من المصالح المحفوظة قانونيا.. والسجن قد يصل إلى 3 سنوات.

– عبدالرحمن البلوشي: تتبع أول شخص قام ببث إشاعة عبر منصات التواصل الاجتماعي أمر ممكن.

استطلاع – عامر بن عبدالله الأنصاري

في إحدى الصباحات التي تحيط حولها التشاؤمات والقلائق من تفشي الفيروس، يستيقظ معن بن سعود الدرمكي، ويتضح من اسمه، وضوح شمس ذات النهار، أنه ابن الفنان القدير سعود الدرمكي، يستيقظ من نومه على نبأٍ زاد طينَ التشاؤمات بلة، مع شحنة تتعدى مقياس “الفولت” وجَّهت إليه صاعقة، فقد كان نبأ وفاة والده.
معن في حيرة من أمره في ذلك الصباح، استيقظ من نومه قبل أن يرن جرس منبه الهاتف، استيقظ على صوت اهتزاز الهاتف الذي ظل يهتز لفترات طويلة واتصالات عديدة ورسائل ملأت الهاتف، أمسك هاتفه، والرقم الغريب يتصل، فيرد: “السلام عليكم، أنت معن، بلغنا نبأ وفاة والدك سعود الدرمكي، هل هذا الأمر صحيح، أرحنا أراحك الله”، وكأنها عقدة تربط لسانه، ومئات الكيلومترات تفصل بينه وبين بيته في مسقط، ولا يملك إلا الاتصال بوالدته وإخوته، الهواتف كلها مشغولة، الرسائل الصوتية لا تصل، الوساوس قطعت أوصاله، لماذا هواتف الأهل مشغولة، هل يعدون مراسم الوداع، نبضات قلبه تزيد، والخوف على فراق والده وحبيبه تصل إلى مرحلة الجنون، والاتصالات تتوارد إلى هاتفه، والرسائل بالمئات، وبعد دقائق من القلق مرت كأنها سنة، اتصل ابن عمه قائلا: “الخبر إشاعة لا داعي للقلق، أبوك في المنزل وهو بخير وبصحة وعافية”.
بردا وسلاما على قلبك يا معن الدرمكي، وحسبنا الله على من صنع هذه الشائعة متجاهلا عواقبها، وربما مبتسما من اشتغال المجتمع بهذا النبأ الكاذب، صنعه كاذب مريض القلب وكفيف البصيرة، وقليل العقاب، فمن أمن العقوبة أساء الأدب.

لا يخاف الله

معن الدرمكي

حدثت هذه الحادثة قبل أيام، إذ اشتغل رواد التواصل الاجتماعي بنبأ مكذوب حول وفاة الفنان سعود الدرمكي، بين مصدق يقدم التعازي، وبين مشكك يرتجي اليقين -الذي سرعان ما وصل إلى الجميع- وبين متواصل مع أهل الفنان لمعرفة اليقين، وحول ما مرَّ على معن، تواصلنا معه فقال: “تلقيت الخبر بعد اتصالات عديدة، إلى درجة أنه من كثرة الاتصالات لم استطع فتح الرسائل، وتلقيت الخبر مصدوما، فقد كنت في الأمس مع والدي وكان بخير، ولكن اتصال ابن عمي طمأنني ولكن بعد وقت عصيب جدا، ووالدتي كذلك لم يتوقف رنين هاتفها من المتصلين، ولك أن تشعر باللحظة، من في البيت ومن هم قريبون من بيتنا من الأهل مطمئنون، ولكني، وغيري من الأقارب ومن يعز علينا عشنا جميعا لحظات عصيبة إلى أن أتانا اليقين المبشر، وأقول إن من نشر هذه الإشاعة لا يخاف الله، وأتمنى له الهداية، مع العلم أنها ليست المرة الأولى التي تروج لهذه الإشاعة”.

هل هو مريض نفسي؟

موضوع الشائعات بوجه عام موضوع قديم متجدد، ومتعدد في شتى المجالات، ويكثر في الفترة الحالية في ظل الأوضاع التي نعيشها، وهناك عدة أمور تثير الفضول حول ذلك، منها الجانب النفسي، والجانب القانوني، والجانب التقني.

جناب السيدة بسمة آل سعيد

وحول الجانب النفسي حدثتنا جناب السيدة بسمة آل سعيد، صاحبة عيادة همسات السكون للعلاج النفسي، وقالت لـ “عمان”: “بشكل عام، صانع الإشاعة يعتبر شخصا يعاني أحد أنواع الحالات النفسية، ولا تصل إلى المرض النفسي، فهو شخص إما يعاني من النقص فيحاول أن يكون له شأن ويصنع في قرارة نفسه أنه أثَّر بالمحيط حوله، أو من خلال توجه الناس له لسؤاله، فبذلك يشعر أن له أهمية، وإما يعاني من عقدة أنه يعيش في أوضاع مأساوية، فيحاول صنع هذه الأوضاع لغيره ولو لبعض الوقت فيشعر أنه ليس الوحيد الذي يعيش حياة مأساوية، وإما انه شخص يعاني من الغيرة تجاه الآخرين والحقد فيحاول زعزعة استقرارهم وأمنهم بهذه الأخبار الكاذبة ليشفي غليله، وإما أنه شخص فارغ ويعاني من الملل ولا يجد ما يفعله، فيختلق الشائعات حتى يجد في نفسه مادة للتسلية، وكل تلك الحالات تعتبر حالات نفسيه تشترك في نقطة واحدة -غالبا- وهي الشعور بالدونية”.
وتوجهنا لجناب السيدة بسمة، بتأثير الإشاعة على أصحابها، خاصة إشاعات الوفاة، فقالت: “لا يمكن القول إلا انه تأثير سيئ جدا على صاحب الشأن وذويه، بل وعلى الجميع، خاصة إذا كانت الشخصية عامة، الإحساس بالفقدان إحساس مؤلم جدا ويتبعه ألم وكدر وضيق، قبل أيام تلقينا خبر وفاة إحدى الشخصيات، جميعنا تأثرنا، وغضبنا عندما عرفنا أنها كذبة، الإحساس السلبي قد يتواصل حتى ما بعد اكتشاف الخبر المكذوب، قد يعيش الشخص في حالة قلق فيما إذا مات قريبه فعلا، وغير ذلك، حتى صاحب الشأن نفسه يعيش في قلق وتساؤل (من هذا الذي يتمنى لي الموت)، ولكن نتمنى لصناع الإشاعة الهداية والشفاء من حالتهم النفسية”.

بُعد قانوني

محمود البوسعيدي

وللموضوع بعد قانوني بكل تأكيد، وللحديث عن هذا الجانب توجهنا إلى المحامي والمستشار القانوني محمود البوسعيدي فقال: “تتعدد الوسائل التي يمكن استخدامها للحد من الظواهر السلبية في المجتمع، وتتفاوت هذه الوسائل في قدرتها على الردع، أو تقويم هذه السلوكيات، ولكن يبرز القانون منذ القدم بصفته وسيلة ناجعة لتنظيم وضبط العلاقات والتصرفات في المجتمع، وما يعزز ذلك، هو أن السلطة العامة هي من تكفل تطبيقه بإيقاع الجزاء على المخالف، والإشاعة على نحو عام تمس العديد من المصالح التي يحفظها القانون، فقد توجه الإشاعة ناحية أحد الأفراد بأن تُنسب له علانية واقعة تجعله محلا للازدراء، أو أن يتم بواسطتها الحط من سمعته وكرامته. وقد تتعدى الإشاعة ذلك، لتستخدم في استهداف جماعة من الناس أو الدولة بأسرها فتوجه للنيل من هيبتها أو مكانتها على أحد الأصعدة”.
وتابع المحامي محمود البوسعيدي: “بتعدد الصور التي قد تكون عليها الإشاعة، تتعدد الأوصاف القانونية وصور المسؤولية تجاه من يقف ورائها، يترتب على الإشاعة مسؤولية مدنية تتمثل في تعويض من تضرر بها في بعض الحالات، وفي حالات أخرى يتصدى قانون الجزاء ليفرد عقوبات محددة تطال من يساهم في إذاعة وترويج الإشاعة، على سبيل المثال، تنص المادة (115) من قانون الجزاء العماني على أنه (يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن 3 ثلاثة أشهر، ولا تزيد على 3 ثلاث سنوات كل من: أ- حرض أو أذاع أو نشر عمدا في الداخل أو الخارج أخبارا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة أو بث دعايات مثيرة، وكان من شأن ذلك النيل من هيبة الدولة أو إضعاف الثقة في أسواقها المالية أو مكانتها الاقتصادية والمالية. ب – حاز أو أحرز أو نقل محررات أو مطبوعات أو تسجيلات تتضمن شيئا مما نص عليه في الفقرة السابقة، إذا كانت معدة للتوزيع أو لاطلاع الغير عليها….)، وبذلك، ينصح الشخص حتى يتجنب المساءلة القانونية بالابتعاد عن كل الأفعال المرتبطة بنشر الإشاعات. سواء تمثل ذلك في صناعتها، أو ترويجها، أو إذاعتها، أو التحريض عليها، أو حيازة الوسائط المادية التي تتضمنها، مهما كان الهدف من تلك الإشاعات والشخص أو الكيان الذي تستهدفه”.


عبدالرحمن البلوشي

وللوقوف على الجانب التقني، خاصة وان الإشاعة أصبح مكانها الأول للانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، تحدث لـ “عمان” عبدالرحمن البلوشي، أخصائي أمن معلومات بوزارة التقنية والاتصالات، حيث قال: “أصبحت وسائل التحقيق الرقمي ضرورة نظرا لانتقال الجرائم من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، حيث تتيح التقنيات والبرمجيات المتطورة للمحققين الرقميين التوصل لأول شخص قام ببث إشاعة معينة أو مادة مسيئة، حيث يمكن استخراج بعض البيانات من الصور، كنوع الجهاز ووقت التقاط الصورة بالتحديد وتاريخ آخر تعديل واسم ملتقط الصورة، ليس هذا فقط بل ويمكن الوصول لموقع التقاط الصورة أحياناً”.
وتابع عبدالرحمن: “لذا فإن تتبع أول شخص قام ببث إشاعة ما عبر أية منصة من منصات التواصل الاجتماعي أمر ممكن، حتى وإن اختبأ شخص ما خلف معرفات وهمية تظل إمكانية الوصول إليه ممكنة، لأن مستخدم الأنترنت يترك أثرا أثناء وجوده واستخدامه لأي موقع، وبقليل من الجهد يستطيع المحققون الرقميون ربط المعلومات ببعضها البعض والوصول للمصدر الأول الذي قام ببث الشائعة”.
وفي ختام هذا الاستطلاع، يتوارد سؤال آخر، هل نحتاج إلى التشهير بصانع الإشاعة حتى يكون عبرة لغيره؟ فقد سمعنا قبل أيام ضبط الادعاء العام لعدد 9 أشخاص مرتبطين بصناعة الشائعات وترويجها، فهل يكفي ذلك الردع، وهل سيكون التسعة رادعين لغيرهم؟