مأساة كورونا.. بداية صحوة

داني دورلنج      ترجمة: أحمد شافعي
لبعض الوقت، سوف يظل الوباء يهيمن على أغلب انتباهنا. فهو مأساة سوف تلعب أدوارا مختلفة باختلاف مكانها في العالم، فيعاني العالم الفقير أكثر من الثري. سنرى في هذا الوباء احتمالية نقطة تحول أو نذير أو علامة على أننا كان ينبغي أن نكون أكثر اهتماما وأحسن استعدادا. غير أن التقدم البشري كان يتباطأ قبل أن يبدأ هذا الوباء، وسيستمر عالمنا في التباطؤ لبعض الوقت القادم، بل لوقت طويل بعد أن ينتهي الوباء. وأعني التباطؤ في كل أمر ذي شأن تقريبا. ولأن التباطؤ نفسه كان بطيئا، فإننا لم نلحظه. بل إن بعض الناس في واقع الأمر كانوا يحسبون أننا نتسارع. بالنسبة للأجيال الأكبر سنا كان كل شيء يتغير بسرعة كبيرة، لكن ذلك الإيقاع السريع انتهى في واقع الأمر قبل سنين. وما من وضع طبيعي نعود إليه، فالوضع الطبيعي في الاقتصاد وهم. قبل قرن من الزمان كان إيقاع التغير أسرع مما كان عليه في أي زمان من قبل وسيعود مرة أخرى إلى السرعة. خلال وباء الإنفلونزا الأسبانية سنة 1918-1919 تراجعت انبعاثات الكربون بنسبة 14%. تباطأ الإنتاج الصناعي والاستهلاك تباطؤا دراماتيكيا. ثم حدث بعد مجرد سنة واحدة، إذ تعافى المرضى، أن ارتفع الإنتاج والاستهلاك بنسبة 16% في السنة 1919-1920. آنذاك شهدنا صعودا. آنذاك شهدنا نموا سكانيا أسرع في العالم كله، وآنذاك لم يكن بوسع وباء أن يبطئنا طويلا. في عام 1918 كان أثر الوباء على الاتجاهات العالمية في الصناعة والإنتاج والاستهلاك أكبر من أثر الحرب العالمية الأولى ـ التي اقتصرت بالكامل تقريبا على حدود أوروبا. قبل قرن من الزمن أجهز ذلك الوباء على حياة عشرات الملايين من البشر، ولو أن أحدا لا يعرف يقينا كم عدد من قتلهم الوباء. غير أننا إذ ننظر اليوم إلى الاتجاهات الديمجرافية والاقتصادية في ذلك الوقت، يبدو لنا الوباء العظيم الأخير مجرد انحرافة بسيطة ذات تبعات بعيدة المدى. على مدار القرنين الماضيين، تضاعف عدد البشر الأحياء في كوكب الأرض مرة واثنتين وثلاثا، من بليون قبيل عام 1820، إلى بليونين بحلول عام 1926، ثم أربعة سنة 1974، وسيبلغ ثمانية في عام 2023. لكن الزيادة تتباطأ على نحو حاسم. ففي حين أكتب هذه السطور، يرتفع عددنا بـ80 مليونا في العام. في العام القادم سيكون 79 مليونا، وفي العام التالي 78 مليونا. لا يزال عددنا كسلالة يرتفع، ولكن هذا النمو يتباطأ منذ أكثر من نصف قرن بالفعل. وإلى الآن لا نعرف بعد أثر الوباء الحالي على الديمجرافيا العالمية. ولكن الاحتمال أكبر قليلا بالفعل في أنه سوف يزيد أعداد السكان في المستقبل لا في أن يقللها. فلو أن أفعال الحكومات – أو أغلبها على أقل تقدير – لا تشعر الناس بالأمان اقتصاديا واجتماعيا، فإن الشباب في المستقبل سوف ينجبون أكثر مما كان يمكن أن ينجبوا، وسوف يزيد الوباء – خلافا للتوقعات – إجمالي أعداد السكان في المستقبل زيادة طفيفة. الأمن مهم. في الأوقات الطبيعية يجب الاشتغال على هذه النقطة لأن كثيرا من قراء الصحف في الدول الثرية لا يدركون مدى اضطراب شبكة الأمان بالنسبة لأغلب سكان العالم. لكنهم اليوم يشعرون بمثل ما يشعر به أغلب أهل الدول الفقيرة في أغلب الأيام. وقد لعبت حالة الاضطراب هذه دورا في التسارع الكبير في أعداد البشر ابتداء منذ ما قبل قرنين. فخير لنا أن ننظر إلى الوراء قبل أن ننظر إلى الأمام. في عام 1859 كتب تشارلز داروِن عن “الحالات الكثيرة المسجلة للزيادات السريعة سرعة مدهشة لحيوانات مختلفة في حالة من الطبيعة كانت الظروف فيها محابية لها خلال موسمين أو ثلاثة مواسم متتابعة”. استعمل دارون أمثلة تتراوح بين النبتات الصغيرة والفيلة العملاقة، ناقش حالات شديدة الندرة في الطبيعة شهدت حالات نمو استثنائية في سلالة. ولم يكن دارون يعلم أن سلالته نفسها في حين يكتب هذا كانت على وشك أن تشهد مواسمها المحابية. استعملت مفردة “التباطؤ” للمرة الأولى في تسعينيات القرن التاسع عشر ومضى معناها يتقدم بمزيد من البطء. إن أنظمتنا الاعتقادية الحالية ـ في الاقتصاد والسياسة والاجتماع ـ قائمة على افتراضات التغيرات التكنولوجي المستقبلي المتسارع ونموها المستمر. غير أن التغير التكنولوجي تباطأ منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وتباطأ معدل النمو الاقتصادي في كل عقد منذ الخمسينيات، وبالمثل تباطأ النمو السكاني منذ ما قبل السبعينيات، ومنذ التسعينيات على الأقل بدأت تصرفاتنا تشبه بصورة أكبر تصرفات آبائنا. ومنذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي لم نعد (في العالم الثري على الأقل) نرى كل جيل أحسن حالا من الجيل السابق. وللتباطؤ العام الذي نعيشه مزايا. وإدراك ذلك يستوجب منا أن نحول رؤيتنا الأساسية للتغير والابتكار والاكتشاف بوصفها منافع صرفة. علينا أن نتوقف عن توقع ثورات تكنولوجية لا تتوقف. علينا أن نقلق على الأخطاء التي سوف نرتكبها لو استمررنا في افتراض أن التباطؤ غير محتمل وأن تحولات عظيمة جديدة بانتظارنا في القريب العاجل. لقد حان الوقت لأن نتأمل بالقدر الكافي ما سوف يحدث لو بقيت الأشياء في القدر الأكبر على ما هي عليه الآن، بيتما يتباطأ معدل التغير ببساطة. إن عصرا ينتهي، وهذا كان واضحا منذ سنين قبل وصول الوباء. ولكن التسارع الكبير الذي شهدته الأجيال الحديثة خلق ثقافة لا نزال نعيش فيها. خلق فينا التوقع الحالي لنوع معين من التقدم. وأعني بضمير الجمع الذي أستعمله الأغلبية الهائلة من كبار السن الأحياء حاليا على كوكب الأرض، أي أولئك الذين رأوا في الغالب تحسنا طرأ عليهم في الصحة والإسكان وأماكن العمل، أولئك الذين شهدوا تراجع كل من الفقر المطلق والنسبي، وهم أيضا أولئك الذين لديهم إحساس بأن جيل أبنائهم لن يكونوا أفضل حالا مما كانوا هم أنفسهم عليه، وهم الذين لديهم إحباط من التباطؤ. إن بديل التباطؤ سيء على نحو لا يمكن تخيله. فلو لم نتباطأ، لن يكون من مهرب من كارثة أسوأ كثيرا من الوباء. سنأتي على الكوكب الذي نعيش فيه. فالتباطؤ يعني أننا لا ينبغي أن نخاف من سيناريو كابوسي لمجاعة عالمية كالتي تنبأ بها بول وآن إيرلتش في نهاية كتابهما الصادر سنة 1968 بعنوان “القنبلة السكانية” والذي انتهيا فيه إلى أن الهند في حالة تعرض شعبها لمجاعة: “في ظل نظام التقسيم [الذي اقترحاه] لن تتلقى [الهند] مزيدا من الطعام”. ولقد راج هذا النوع من الاستنتاجات القاسية في الماضي القريب. وشاعات صور التسارع الخارج عن السيطرة. وكان ذلك منذ نصف قرن فقط في ذروة التسارع السكاني البشري. برغم أن الوقت الحالي قد لا يشهد بذلك، لكن تواتر وشدة الكارثة يتراجعان. لقد كانت المجاعة الصينية الكبيرة سنة 1958-1961 أسوأ آثارا من أي من المجاعات الهندية الهائلة الأولى أو من مجاعة شرق أفريقيا في ثمانينيات القرن العشرين. ولكن وباء الأنفلونزا قبل أربعين سنة من تلك المجاعة كان أسوأ من حيث ملايين الوفيات. اليوم كل شيء تقريبا يزداد بإيقاع أبطأ. قبل وباء 2020، كانت هذه هي الاستثناءات الكبيرة الأربعة: عدد الطلاب الملتحقين بالجامعات عالميا، استهلاك السلع، التلوث الكربوني، الرحلات الجوية. وكل هذه تباطأت بسبب الوباء. لقد بدا قبل يناير من هذا العام أنها جميعا في زيادة أسية خارجة عن السيطرة. واليوم يبدو من الممكن أيضا أن لا ترتفع درجة الحرارة العالمية في 2020 مثلما ارتفعت في 2019، وذلك من نتائج تراجع التلوث. في غير أوقات الحرب والأوبئة العابرة، تجاوزت المعدلات العالمية للنمو السكاني 1% سنويا منذ العام 1901. غير أنه وفقا لتقديرات أخيرة من الأمم المتحدة نشرت في يونيو 2019، بات من شبه المؤكد الآن أن تنخفض عن ذلك المستوى بحلول عام 2023، ثم سرعان ما تقل عن 0.9% من النمو السنوي بحلول العام 2027. لقد كان كل شيء يتباطأ بالفعل، وسيظل كل شيء يتباطأ عند انتهاء الأزمة. ولكن الضغط بعنف على مكابح القطار الذي كان يقلنا قد يؤدي ـ على أقل تقدير ـ إلى إيقاظنا من سباتنا. * كاتب المقال هو مؤلف كتاب “Slowdown: The End of the Great Acceleration – and Why It’s Good for the Planet, the Economy, and Our Lives” الذي يصدر في الرابع عشر من ابريل. * نشر هذا المقال في جارديان بتاريخ 31 مارس 2020