مقال شِدَّة و تزول (لمن المُلك اليوم..)

يسرية آل جميل

لقد تغلفنا تماماً، انطفأت كُل مباهج الحياة، نمّر بأسوأ ما يمكن أن يحدث في الكون، أتعتقدون أن هذه ستكون النهاية؟!
أؤمن أننا نحتاج إلى العُزلة أحياناً، جُرعات كبيرة من الراحة، وكميّة أكبر من الهدوء، لنعيد ترتيب أولوياتنا من جديد، فهناك أشياء تمردّنا عليها، ما كُنا نشعر بوجودها من حولنا، ما كُنا ندرك قيمتها، فادعوا الله ألّا نعرفها،
بعد فوات الأوان..
شكراً كُورونا فقد جعلتني اكتشفت أن طبخ أمي جميلٌ جداً، وأن الأكل من يدها ألذ بكثير من ألف مطعم،
وأن كوب القهوة الذي أعدّه بنفسي أطعم بكثير من ألف مقهى، وأن الدقائق التي أقضيها بعيداً عن منزل العائلة، ودفء اللّمة، وأسرتي الصغيرة يضيع معها الكثير من أجمل الأوقات التي كان من الممكن أن تُحسب لعُمري..
كورونا .. لقّنت العالم كلّه درساً، علمتنا أن الطبيب أهم من الأهمية، خط الدفاع الشريك ..الأوّل والأخير
هو الشعور بالأمان.. تمسّكنا به.. وكأننا لا نعرف علاجاً غيره، الشخص المناسب..في المكان المناسب الذي ظهر في الوقت المُناسب..
علّمتنا أن كل شيء يعلو على شيء إلا العِلم .. يعلو ..لا يُعلى عليه، وأننا سنظل نطلبه ولو في الصين، وأن كُل الطُرق غداً .. ستؤدي إلى روما حتى وإن أُغلقت الآن رُوما ..
آمنتُ أن ليس للفرد إلا العائلة.. أمّه وأبوه..وأخوه و أخته، لا مأوى للمرء إلا بيته، وأن منزل “أبوي” و”أمي” هو الأمان الوحيد في فوضى هذا العالم، هو أمني ومأمني وأماني، “أخي” هو سندي، هو الحُب المُطلق، والانتماء الأقوى، هو أبي من بعد أبي، وكل الرجال في عيني، و”أختي” هي ظّلي وسعادتي ..معطفي الدافئ وراحة قلبي..
ليس من السهل أن تعلق الصلوات وتغلق أبواب المدارس ولا أن تُعطّل مصالح العمل ويتهاوى النفط ويسقط اقتصاد، ليس من السهل أن لا تُقام الأعراس ليس من السهل أن تمرض فلا أزورك وأن أغلق بابي في وجه الجميع وألا أقدم لك واجب العزاء، أن تصمت الشوارع، ويتوقف الكون عن السفر..الطيران، ليس من السهل كل ذلك، عرفنا حجمنا يا الله، وأخذ كل شيء موقعه الصحيح، فاصرف عنّا شر ما قضيت، فقد تعلّمنا الدرس جيداً..
إن ما نحنُ به الآن ليس حظراً للتجول، ولا حجراً منزلياً.. أو عزلا مؤسسيا، إنما هو حُب الوطن، حفاظٌ على مُقدّراته، على إنسان عُمان، إنفاذاً لوصية سُلطانه، باني نهضتها.. و مجدد عهد الولاء، أن تكون عمانياً يعني أنت (خليك في البيت)، أن يكون دورك الآن فقط (البقاء في البيت) حتى ينتهي هذا الكابوس، ويكون ما كان مجرد ذكرى و درساً بمنهج التاريخ، إليه حيثما كان.
البدايات للجميع..والبقاء للصادقين