الصراع الدولي بعد جائحة كورونا!

عبد الله العليان –

في خضم الخلافات السياسية والاقتصادية بين الدول الكبرى، الذي لا تزال قائمة، حتى بعد انتهاء الحرب الباردة، فإن الخلاف الاقتصادي، اشتد أيضاً بين الدول الكبرى المؤثرة في النظام الدولي، ضمن الصراعات التي تستخدمها هذه الدول، لفرض إرادتها وقدرتها الاقتصادية، وأكثر ما برز في العقدين الماضيين.

الخلافات الاقتصادية الكبيرة، بين الصين والولايات المتحدة على وجه الخصوص، ولا شك أن الخلاف السياسي القديم بينهما، لا يزال يتصاعد على الجانب الاقتصادي، والذي يعتبر مشكلة قائمة ومستمرة، ضمن الصراع الدولي الذي يستخدم لكبح النفوذ السياسي، وخلخلة القوة الاقتصادية بين بعضهم البعض، مثل ما استخدمته الولايات المتحدة، من عقوبات اقتصادية تفرضها على الصين بين الحين والآخر آخرها العقوبات التي تم فرضها العام المنصرم.
وقد ردت الصين على التهديدات الأمريكية -فرض العقوبات الجديدة على الصين- أنها سوف تستخدم عقوبات مضادة على الولايات المتحدة، وقال متحدث بوزارة الخارجية الصينية قبل أسابيع: إن الصين قدمت «احتجاجا شديدا لدى الجانب الأمريكي بشأن العقوبات التي تم فرضها بحق 6 شركات صينية بموجب قانون أمريكي حول عدم انتشار الأسلحة المرتبطة بكوريا الشمالية وإيران وسوريا، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية «جينج شوانج» – في تصريح خلال مؤتمر صحفي عبر الإنترنت: إن «الصين تعارض العقوبات الأحادية وسياسة الولاية القضائية طويلة الذراع»، داعيا الولايات المتحدة إلى «تصحيح هذا الخطأ على الفور، وسحب العقوبات المفروضة.» ولا شك أن هذه العقوبات بينهما، سوف تزيد من حدة الصراع الأمريكي/‏ الصيني وربما سيزيد في الفترة القادمة، والذي لا شك له خلفيات سياسية، تمتد إلى ما يزيد على نصف قرن، في فترة الحرب الباردة، وبسبب دعم الصين لكوريا الشمالية بعد انفصال الكوريتين، وكذلك الصراع الشيوعي/‏ والرأسمالية الغربية الذي خلف وراءه الكثير من المآسي السياسية والاقتصادية لدول العالم الثالث، حيث كان الاحتدام السياسي كبيراً بين الطرفين، حتى زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون التاريخية إلى الصين عام 1972، وفتح صفحة جديدة بينهما، وتراجعت الصين عن الكثير من السياسات الراديكالية، وتخلت عن سياسية العزلة السياسية الطويلة، ومع أن العلاقات تحسنت كثيراً بين الولايات المتحدة والصين لعدة عقود كاملة، إلا أن التطور التكنولوجي الهائل للصين، وبروزها كدولة صناعية منافسة للغرب الصناعي، أشعر الغرب بمرحلة ليست عادية لمكانة الصين في الصراع الدولي، وسوف تشكل تهديداً اقتصادياً للولايات المتحدة، وغرب أوروبا مستقبلاً، خاصة المنافسة الصناعية لهذه الدول الصاعدة في آسيا، مع منتصف الثمانينات.
وبعدما أصبحت الصين بهذا الصعود الكبير، في الصناعة، والتكنولوجيا، تذكر الغربيون المقولة الشهيرة لـ (نابليون)، الذي قال قبل أكثر من 200 عاما:« إن هذا التنين الأصفر ـ الصين ـ نائماً، فلا توقظوه، فإذا استيقظ، سوف يزلزل العالم»، وهذه النبوءة لا شك فيها الكثير من المصداقية وهو ما برز مع ظهور مكانة الصين الاقتصادية والصناعية، ولذلك أصبحت الصين من الدول التي يحسب حسابها في القرن الحادي والعشرين، ومن الدول التي ستنافس أكثر الدول تطوراً في كل المجالات التكنولوجية، وهذا مبعث قلق للغرب، لأن الغرب كان له هيمنة كبيرة على الشرق كله من عدة قرون، هذه الهيمنة بدأت تتراجع منذ منتصف القرن العشرين، خاصة بعد هزيمة الولايات المتحدة، في الحرب الفيتنامية.
ولا شك أن الصراع الدولي، سيظل قائماً، ما دامت هذه الدول الكبرى، تنظر إلى قدرة الدول الأخرى بأنه تحدٍ لمكانتها، ويؤثر على سياستها في فرض الأمر الواقع في الكثير من السياسات، وهذه مشكلة سياسية يتعاطى معها بعض السياسيين بأهمية بالغة، إن لم تكن هناك قيم أخلاقية، تحد من الاختلافات الاقتصادية والسياسية في عالم اليوم المضطرب، ويرى د/‏ إسماعيل مقلد، في مسألة الصراع الدولي أن:«الحرب الباردة عملت على تأسيس نظرية الصراع الدولي، وأنماط القوة في المجتمع الدولي، وتوازن الرعب النووي، وسياسة الاحتواء، وغيرها من حقائق القوة والصراع في الاستراتيجية الدولية المعاصرة، ولعل أخطر إفرازات الحرب الباردة نظرية «الصراع الدولي»، ذلك أن الصراع في صميمه هو تنازع إرادات بحكم الاختلاف في التوجهات والسياسات. وهذه النظرية هي التي قسمت العالم إلى معسكرين متصارعين وعملت على استنزاف الاقتصاد للدول الصغيرة وجعلتها أسيرة هذا الصراع لاختيار مدى قوة التوازن الدولي، واختبار الأسلحة التي يتم تصنيعها». بعد زلزال الوباء (كورونا كوفيد19)، سيكون له ما بعده في اشتداد الأزمات الاقتصادية، في العالم كله، وهذا ما يجعل قضية الصراع الدولي في المجال الاقتصادي كبيراً ومؤثرا سياسيا واقتصادياً، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، وربما بعض التوقعات، تنذر بحروب بينهما، إن لم يسد التفاهم والحوار بين هذه الدول، فالأزمات الاقتصادية، تاريخياً، تقود للصراعات والتوترات، وبعضها يقود للحرب، ولذلك فإن أزمة وباء كورونا، ستكون لها أثرها السياسي والاقتصادي، وحتى التكنولوجي.