الاستثمار وأولويات ما بعد كورونا (1 من 2)

محمد بن أحمد الشيزاوي –
shfafiah@yahoo.com –

أظهرت جائحة فيروس كورونا العديد من القضايا في مجال الاستثمار التي لا بد أن نُعيد نظرتنا إليها بعد انجلاء هذه الأزمة، وتحديد أولويات المرحلة المقبلة انطلاقا من الدروس المستفادة من هذه الأزمة، لعل في مقدمتها الاهتمام بتشجيع الأطباء العمانيين والطلبة الراغبين في دراسة الطب والتخصصات المتعلقة بهذه المهنة وتعزيز الاستثمار في هذا المجال، وكما هو معلوم فإن أزمة صحية عالمية تفرض على الدول التمسك بالأطباء الذين يعملون فيها لأنهم هم خط الدفاع الأول الذين يضحون بحياتهم في سبيل إنقاذ الآخرين وهو ما يقتضي أن نركز على تحفيزهم وتشجيعهم ماديا ومعنويا منذ جلوسهم على مقاعد الدراسة في المرحلة الجامعية الأولى، كما ينبغي أيضا زيادة أعداد الطلبة الذين يلتحقون بالدراسة في التخصصات ذات العلاقة بالقطاع الصحي وتوفير وظائف لهم بعد التخرج سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص.
وفي هذا الإطار نجد أنه من المهم التفكير جديا في جعل السلطنة أحد المراكز الطبية الإقليمية، ليس فقط من أجل توفير العلاج للكثير من المواطنين الذين يذهبون إلى خارج السلطنة لتلقي العلاج ولكن أيضا بهدف تشجيع السياحة الطبية والعلاجية في السلطنة، بحيث تصبح السلطنة واحدة من الدول المتميزة في هذا القطاع، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بالاستثمار في بناء الكوادر العمانية وتأهيلها وإنشاء مدن طبية ومستشفيات ذات مواصفات عالمية، وعلى الرغم من عدم توفر بيانات إحصائية دقيقة عن حجم الإنفاق على العلاج في الخارج إلا أنه دون أدنى شك يتم إنفاق مبالغ كبيرة نظرًا لازدياد أعداد العمانيين الذين يذهبون لتلقي العلاج بالخارج بشكل سنوي سواء على حسابهم الخاص أو على حساب الدولة، وبحسب تقديرات نُشرت في إحدى دول المنطقة أثناء عقد مؤتمر طبي في عام 2016 يبلغ (حجم إنفاق دول الخليج على علاج مواطنيها في دول أوروبا وآسيا وأمريكا حوالي 5.5 مليار دولار سنويا)، وهو مبلغ ضخم من الممكن استثماره داخليًا إذا تمكنا من جعل السلطنة مركزًا طبيًا إقليميًا.
إن الوضع الراهن يؤكد الحاجة إلى إعادة نظرتنا إلى القطاع الصحي بالكامل وتطويره ليفي بمتطلبات المستقبل، فنحن لا نعلم ما يخبئه لنا القدر ولكن علينا الاستعداد لكل شيء، ونحمد الله تعالى أن عدد الإصابات بمرض كورونا في السلطنة لا يزال محدودا مقارنة بعدد الإصابات في المنطقة والعالم ولكن هذا لا يعني أن نظل في مكاننا بل ينبغي أن نضع تطوير القطاع الصحي على رأس أولوياتنا، وفي هذا الإطار نجد أنه من المناسب أن نضع ضمن أجندة رؤية عمان 2040 إنشاء مركز رئيسي للبحث العلمي في المجالات الطبية ليساهم في تطوير القطاع ويفسح المجال أمام الأطباء والباحثين لتحقيق إنجازات طبية عالمية.
كما أن تشجيع إنشاء شركات صناعة الدواء أصبح مطلبًا مهمًا لمرحلة ما بعد كورونا، إذ لا يمكن الاعتماد على الخارج في كل شيء، ولعل نفاد الكمامات والمعقمات من الأسواق منذ بداية الأزمة الصحية الحالية وإلى اليوم يكشف مدى الحاجة إلى تصنيع هذه المنتجات محليا، وبحسب التقرير السنوي لعام 2017 للشركة الوطنية للصناعات الدوائية التي تحولت في عام 2018 من شركة مساهمة عامة إلى شركة مقفلة هناك (فرص كبيرة لبيع المنتجات الدوائية في السلطنة ودول مجلس التعاون الأخرى، وتمثل دول المجلس سوقا كبيرة لاستيعاب المصنّعين في المنطقة).
ومع توفر التسهيلات والإعفاءات الضريبية والجمركية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم وعدد من المناطق الحرة والصناعية فإننا نجد أن مستقبل صناعة الدواء في السلطنة واعد بالخير، وعلى الصناديق الاستثمارية الحكومية بالتعاون مع القطاع الخاص المبادرة للاستثمار في هذا القطاع الذي يعد قطاعًا استراتيجيًا ومهمًا للمرحلة المقبلة.