مفاهيم جديدة لما بعد كورونا

يرى الخبراء أن ما بعد كورونا لن يكون كما قبلها في العديد من القيم والمفاهيم الإنسانية، ومنها المسائل المرتبطة بالإدارة والتنمية البشرية وبناء القدرات، إذ أن التجربة تثبت أن هناك الكثير من القضايا التي تتطلب إعادة التفكير فيها في ظل المتغيرات التي تجري في العالم اليوم جراء هذه الجائحة القاتلة، التي لم ترسم مسارها النهائي بعد، ليمكن التحدث بشكل واضح عن الأفق والمآلات.
لكن يمكن لأي مراقب وباختصار أن يلمح العديد من الصور التي بدأت تلوح في الأفق للعالم الجديد في المسائل الإدارية والتنظيم وقيم الاهتمام بالمؤسسية، فالذي يحصل أمامنا يعلمنا دروسا لم نكن لنستفيد منها أو نتعرف عليها من الأساس، لولا الأزمة، فمعلوم أن التجارب والاختبارات والابتلاءات بشكل عام تضع الإنسان أمام المزيد من التحديات والرؤى التي لم تكن منظورة من قبل، ما يفتح له الطريق للرؤية المختلفة عن السابق.
بشكل عام نحن أمام نظريات جديدة للإدارة والقيادة والتحكم في الموارد، فالمؤسسات والشركات بكافة أنواعها تختبر الآن مسرحا جديدا للعمليات والأساليب التجارية والتسويقية وعمليات البيع والشراء وغيرها، كما يتم الانتباه لوسائل ووسائط لم تكن ذات اعتبار من قبل، وفي النهاية كل ذلك سيقود إلى تشكيل بصيرة جديدة لرؤية الأفضل في مقبل السنين.
لقد درج البشر عبر تاريخهم على الاستفادة من تراكم الخبرات في شكلها الطبيعي، لكن ما يحدث مع الكوارث والجوائح والأزمات والحروب وغيرها من هذه الوقفات الإجبارية، يجعل الإنسان يعيد التفكير في مساراته بطرق تتطلب الخروج من التقليدية وروح التكرار بأمل تلمس الجديد، وقد رأينا بعد الحرب العالمية الثانية كيف أن أوروبا – على سبيل المثال – كسبت الرهان في إنتاج مرحلة جديدة من الحداثة، مهدت لتاريخ جديد عرف بـ«ما بعد الحداثة» في الغرب.
لقد أنتج النصف الثاني من القرن العشرين فنونا وعلوما وآدابا وكثيرا من الابتكارات التي أدت إلى العولمة المعاصرة التي تتشظى اليوم بفعل جائحة كورونا، وهذا ما يعني الوصول لما يصل حالة التشبع في بداية جديدة لتعريف الابتكار والفنون والأدب وغيرها من القيم والتقاليد الإنسانية.
إن كثيرا من المفاهيم وليست الإدارة وحدها، تتطلب النظر من خلال الأزمة الراهنة، كأسلوب العمل الحديث والتعليم وغيرها، فقد قرأنا بالأمس أن دولة ككوريا الجنوبية سوف تعتمد أسلوب التعليم عن بعد ابتداء من العام المقبل، وربما يصبح هذا واحدا من أنماط عالم ما بعد كورونا، كذلك سوف يطغى العمل عن بعد الذي سوف يختصر الوقت والجهد ويقلل الزحام في مدن كثيفة العدد من حيث السكان.
والأهم في ظل كل ذلك هو العمل على الاستفادة من الواقع الحاضر، بحيث يخرج الناس وهم قادرون على إدارة الحياة بشكل أفضل.. وليس الملمات والأزمات إلا دروس نتعلم منها لكي نخرج أكثر صلابة وقدرة على العمل والإبداع وتوليد المزيد من الطاقات الإنسانية المدخرة.