تاريخ الحروب النفطية.. النهايات دائما غير وشيكة

يسرا الشرقاوي –
عنوان جلل اختاره موقع «بلومبيرج» الاقتصادي لتقريره حول طلائع حرب «تسعير» النفط التي تفجرت بين المملكة العربية السعودية من جانب وروسيا من جانب آخر، وهو «متى تنتهي حرب النفط؟ التاريخ يكشف عن ضرورة انتظار طويل». المجريات التي أدت إلى تصاعد المواجهة بشأن النفط وأسعاره معروفة لأي متابع لنشرات الأخبار، فكارثة انتشار فيروس « كوفيد- 19»، والمسمى أحيانا بـ « كورونا المستحدث» طالت خسائرها أكثر من صعيد.
فرغم أن الصين، التي بدأت فيها الأزمة فاهتز العالم كله، قد بدأت في التعافي الفعلي من الفيروس وحصاره، إلا أن تعافيها من التبعات الاقتصادية لضرباته خلال الفترة الأخيرة لن تكون وشيكة. فوفقا لتقييم مؤسسة الخدمات المالية « مورجان ستانلي»، فإن خسائر الصين الاقتصادية سوف تتضح في سياق نتائج الربع الأول للعام المالي بنهاية مارس (الربع الأول)، بتراجع متوقع في إجمالي الناتج القومي يقدر بحوالي 5%. وأن الخسائر التي لحقت بباقي الأقاليم الاقتصادية من جراء «كورونا» وما حكم به من ضرب لقطاعات الطيران المدني، والتجارة، والتصدير، وغيرهم، سوف يتضح خلال نتائج الربع الثاني في نهاية يونيو بالنسبة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال.
ولكن المؤكد الذي لا ينتظر تقييمات ربع سنوية، أن أسعار النفط قد هوت بقوة إثر تراجع الطلب من قبل العملاق الصيني أساسا، وما تلاه من تراجع في الطلب بباقي الأقاليم الصناعية مع توقعات بتمادي أزمة الـ«كورونا» إلى حد غير معروف. فخام برنت، مثلا والذي سجل في يناير الماضي أكثر من 70 دولارا للبرميل، يخرج هذه الأيام بما هو أدنى من 30 دولارا.
توجيهات منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» بخفض في معدلات الإنتاج في محاولة لتحريك السوق، وإن كان من غير المتوقع أن يتسبب ذلك في قفزة عملاقة بالأسعار، لم ينل ترحيب روسيا. وبالتالي كان رد السعودية بتقليص الأسعار وزيادة في معدلات الإنتاج لتبدأ الحرب. كخطوة للإمساك بزمام الأمور وإعادة توجيهها.
كيف كانت الحروب السابقة وأهم سماتها؟
سؤال ملح خاصة مع حالة القلق وعدم الاستقرار التي تسيطر على العالم بمختلف أصعدته. يلاحظ من الرصد الذي سارعت بإجرائه مختلف التقارير الإخبارية، أن حروب النفط في الأغلب لا تنتهي بعد معركة أو اثنتين، وأنها مثل الحروب التقليدية قد تطول بمتوسط حددته «بلومبيرج» في تقريرها الصادر بتاريخ 18 مارس، بحوالي سنة وتسببت في تراجع الأسعار بمقدار لا يقل عن 50%.
وفقا للسجلات التاريخية، فإن أبرز المعارك أو الحروب المتعلقة بالنفط وأسعاره وقعت في مستهل صيف 1985، وذلك نتيجة لاستياء الرياض من عدم التزام باقي دول منظمة أوبك بقرارات خفض معدلات الإنتاج. بادرت المملكة العربية السعودية وقتها إلى زيادة الإنتاج وضخ كميات إضافية إلى سوق النفط لدولي. واتضحت الآثار خلال فترة ستة أشهر، حيث انخفضت الأسعار بشكل جنوني من ما يتجاوز 30 دولارا للبرميل، إلى أدنى من 10 دولارات للبرميل. واستمرت هذه الأزمة حتى ديسمبر 1986، بإجمالي حوالي 13 شهرا.
ثاني أبرز الوقائع فيما يخص حروب تسعيرة النفط جرت في التسعينات، وتحديدا في نوفمبر 1997 واستمرت حوالي 17 شهرا. زادت الرياض من معدلات الإنتاج في محاولة لمجابهة جهود فنزويلا للهيمنة على قطاعات جديدة داخل السوق الأمريكي تحديدا. ولكن الأزمة الحقيقية أن معدلات الطلب العالمي تراجعت بشكل درامي مع الأزمة الاقتصادية لمنطقة النمور الآسيوية، وتراجع الإقبال المرتبط بفصل الشتاء، فسجلت أسعار النفط انخفاضا بمقدار 50% من 20 دولارا للبرميل، إلى ما لا يزيد على 10 دولارات للبرميل الواحد. ومع ذلك، استمرت عمليات الشد والجذب حتى تمت تسوية الأوضاع في أبريل 1999.
أبرز المواقع التي تجمع عليها مختلف التقارير تتعلق بما كان في عام 2014، فبدافع ضبط أداء باقي الدول الأعضاء والتي لا تلتزم بتوجيهات أوبك، وكذلك لمجابهة المنافس الصاعد والمتمثل في قطاع النفط الصخري، الذي كان يعتبر جديدا نسبيا وقتها، في الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت السعودية مرة أخرى في اتخاذ الخطوات لضبط السوق الدولي وإعادة التوازن المطلوب له. فتم رفع مستويات الإنتاج السعودي، وهوت الأسعار كردة فعل من 100 دولار للبرميل، فسجلت ما دون 30 دولارا، وذلك مع التخلي عن نمط التراجع التدريجي الذي اتسمت به باقي الحروب والحملات المماثلة. الأزمة تواصلت حوالي عامين حتى كان اتفاق سبتمبر 2016، عندما بدأت القوى المصنعة في الاستجابة وتقليص الأسعار.
وفقا لأحدث تصريحات صادرة عن الكرملين، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يستجيب إلى الضغوط السعودية ويبدأ في الالتزام بالقرارات السابقة لتقليص الأسعار. وهذا التوجه له عدة أسباب، بعضها يتعلق بالدوافع الأساسية وراء رفض خطوة «تقليص الأسعار» والتي فجرت الحرب الحالية. وهي، وفقا للتحليلات المختلفة، تتنوع ما بين رغبة موسكو في السيطرة على صعود قطاع النفط الصخري الأمريكي وتحقيقه المزيد من المكاسب، أو تجفيف منابع الإيرادات بالنسبة لعدد من الدول التي تعمل على مشاريع لتطوير قطاعاتها الخاصة بالطاقة، وتحديدا فيما يخص الغاز الطبيعي. بمعنى آخر، إن روسيا تسعى إلى إحباط مساعي صعود منافس قوي لها في مجال توريد الغاز الطبيعي.
والأسباب الثانية ترتبط بفكرة «الرجل القومي» التي التزم بها بوتين حتى الوقت الراهن في مواجهة أغلب الضغوط والأزمات التي عايشتها روسيا مؤخرا، كما في حالة النزاع مع أوروبا على خلفية أزمة «شبه جزيرة القرم»، أو العقوبات المتنامية من جانب الغرب. ما يعني أن بوتين لن يسارع بالجلوس على مائدة التفاوض والوصول إلى اتفاق لوضع نهاية للحرب التي بدأت وبقوة.