نوافذ :الكلمات أولًا ..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com» –

يطرح سؤال فلسفي؛ مفاده: أيهما يأتي أولا؛ الكلمات أو الأفكار؟ أو أيهما منبثق عن الآخر؟ أو أيهما يعيش أكثر؟ أو أيهما يجد استجابة سريعة من المتلقي «الجمهور»؟
يقال لك: «ربما كلمة قادت إلى فكرة» وكذلك: «ربما كلمة أيقظت ثورة» أو «كلمة أفصحت عن نية» أو «كلمة قادت إلى فعل» أو «كلمة فكت عقدة» وتتناسل الكلمات بأنواعها؛ وبمعانيها؛ وبمراميها؛ وبعفويتها؛ وبصفاقتها؛ وبشدتها؛ وبمهادنتها، ليفضي كل ذلك إلى بناءات لا أول لها ولا آخر من الأفكار، ومن السلوك، ومن الفعل، ومن المواقف، ومن مناهج شتى في حياتنا اليومية، ولأجل ذلك شدد المربي على أهمية الكملة قبل خروجها من الجوف، «أمسك عليك هذا – أي لسانك» كما جاء في نص الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكما هي الأمثال والحكم: «لسانك حصانك؛ إن صنته صانك؛ وإن خنته خانك» و «المرء بأصغريه: قلبه ولسانه» إلى غيرها الكثير التي لا نحصيها عددا.
إذن هنا شبه مقاربة شديدة القرب في العلاقة بين الكملة والفكرة، فالفكرة مبتدأها كلمة، ومن ثم تصبح الفكرة منهج حياة يعيشها الناس، وتمثل مساحتهم الآمنة، وتلاحم الأفكار هي التي تقود الناس إلى تصويب الرؤى والسلوكيات لتغدو حيواتهم وفق ما يودون، ووفق ما يريدون، ووفق ما يأملون ويطمحون، وكم من جمع صغير خرجت من أحد حضوره «كلمة» كانت بمثابة فكرة؛ التقطها أحدهم؛ فأصبحت مشروعا إنسانيا رائعا، أو اقتصاديا مجزيا، أو اجتماعيا نافعا، وحتى لأولئك الذين يتعاطون الكتابة في صنوفها المختلفة، كم من كلمة سبحت عبر لسان قائلها، فتحولت إلى فكرة مقالة، أو قصة، حيث تظل الكلمات مفاتيح لمشاريع؛ ظلت طويلا؛ مغلقة في أعماق دهاليز أصحابها.
لعله اليوم من حسن الطالع أن يلتهي الناس بجائحة القرن «كورونا» عن «الاستهبال» في صياغة كلمات الكذب بمناسبة الأول من أبريل؛ كما جرت العادة؛ حيث غاب ضحية «كذبة أبريل» الصدق والأمانة عند البعض، فيقال لك: «إنها مجرد كلمة/‏كذبة» ولكن هذه «الكلمة/‏ الكذبة» جرّت مآسي لأصحابها في وقت فيه الناس أحوج إلى الصدق منه إلى الكذب، فالاستسهال في التعامل مع الكلمة؛ خاصة في مواقف الكذب، وتضييع الأمانة، والضحك على الناس، تذهب إلى تعميق الإساءة في العلاقات القائمة بين الناس، وهذا هو المؤلم أكثر، فالفكرة الكاذبة تظل على امتداد الزمن كذبة مهما عدل فيها صاحبها بعد حين، فقد تأسست عبر كلمة كاذبة، وتشربت على امتداد عمرها بالكذب، أو بالخيانة، أو بالحقد، أو بسوء النوايا، فهذه الصور كلها مشاريع ابتدأت بكلمة كاذبة، ولكنها على امتداد العمر أضحت مشاريع إنسانية سيئة السلوك والنتائج.
وكذلك الحال في منشأ الكلمة الصادقة حيث تصبح مشاريعها؛ مشاريع أمن وسلام، ومحبة، وثقة، وتناصر، وتعاضد، وتضحيات؛ بلا مقابل؛ والحياة في عموميتها تعطي الفرد فرص توظيف الكلمتين: الصادقة والكاذبة، وعليه أن يختار أيهما يتوافق مع نفسه، فكل فرد يعي تماما ما يتوافق مع نفسه، ولا يمكن أن يحيد عنها، فالصادق صادق؛ مهما علت أسهم الإساءات من حوله، والكاذب كاذب؛ مهما علت أسهم المحاسن من حوله، فكل هُيئ لما خلق له، أو فيه، والإنسان يمتحن دائما في إرادته، والإرادة هنا مهيأة للخير والشر في آن واحد، وباب الاختيار مفتوح على مصراعيه.
وخلاصة ما تم التطرق إليه؛ أن الكلمات جسور الأفكار، فمن استطاع أن يحيد الكلمة الضارة عن تبني أفكار سيئة فذلك قمة العقل والخلق القويم، ومن استطاع أن يتبنى الكملة النافعة في توظيف الأفكار النافعة فذلك هو في المسار الصحيح، وستبقى الكلمة هي العنوان العريض لمشاريع حياتنا الدائمة.