صناعة الوعي ..البيئة الخلاقة لتحصين المجتمع

• الأزمات تكشف مستوى وعي المجتمعات
• كيف تتخذ القرار الصائب في الزمان والمكان المناسبيــــــــن؟
• طوق النجاة من أجل حياة صحية آمنة
• الرسالة الإعلامية تكون واضحة التفاصيل
• الإشاعات مدمرة اذا لم تجد الرادع
• فتح خطوط تواصل مباشرة مع المختصين على مدار الساعة
• التوعية مستمرة ولا ننتظر الأزمات
• تجمعات العمال قنبلة وبائية موقوتة يجب نزع فتيلها

كـــتب: عبدالله بن سيف الخايفي
إذا كان الجهل هو أخطر الآفات فإن صناعة الوعي هي أعظم الصناعات..الجهل ليس أمية فقط، بل هو انعدام المعرفة بشتى أنواعها حتى وإن توفرت للبشر المدارس والجامعات ونالوا عليا الشهادات. 
وصناعة الوعي هي البيئة الخلاقة لإنتاج لقاح تحصين المجتمع ضد الجهل وتوفير العلاج الفعال لمشكلاته وتداعياتها. وصناع الوعي هم من يحملون مصابيح المعرفة وينيرون بها عقول أبناء المجتمع من أجل إنسان قادرعلى اتخاذ القرار الصائب في الزمان والمكان المناسبين،وعي يسهم في تكوين أجيال مؤهلة وقادرة على النهوض الحضاري بمجتمعهم ووطنهم ومواجهة التحديات . 
وتبرزوسائل الاعلام المختلفة بأدواتها التقليدية أو الحديثة كأهم الأجهزة في صناعة الوعي العام وتقع على عاتقها واحدة من أخطر المهام التي يجب أن توضع لها استراتيجية العمل وتسخر من أجلها الإمكانيات التي تساعدها على أداء دورها بمهنية وفاعلية .
وتكشف الأزمات مستويات الوعي في المجتمعات وحجم الحاجة الى التوعية وقدرة وسائل الاعلام على إيصال رسائل التوعية الصحيحة لأفراد المجتمع بمختلف شرائحه ومستوياته التعليمية والثقافية وتحقيق مستويات الانتشار في الزمان والمكان المطلوبين.
وتأتي أزمة كورونا مثالا واقعيا وتحديا لنجاح أو فشل التوعية في إنقاذ حياة الناس وتوجيههم نحو طرق الوقاية لتفادي الإصابة بفيروس المرض الخطير وأسلوب التعامل الأمثل في حال الإصابة..
كيف تعاملت الجهات المعنية مع فايروس كورونا كوفيد ١٩؟ هل وضعت استراتيجية توعية إعلامية واضحة ؟ هل وضع المجتمع في الصورة الحقيقية للمرض المستجد في الوقت المناسب؟ وهل وصلت التوعية للمواطنين والمقيمين ؟ ماهي مستويات الوعي التي عكستها نتائج الالتزام من عدمه بالإجراءات التي اتخذتها الدولة ؟ كيف تقوم وسائل الاعلام بعملها في تشكيل الوعي وهل تقوم بعملها بمهنية ؟ ما هي الأدوات التي تستخدمها والمنتجات التي تقدمها ؟ وهل تحقق نجاحا ؟ 
التحقيق التالي يبحث في كل النقاط السابقة وغيرها وفي كيفية صناعة الوعي المجتمعي من خلال نموذج جائحة كورونا ومن واقع تجارب عدد من الصحفيين والإعلاميين ومتابعات وقراءة الحدث من قبل خبراء وباحثين في مجال الاعلام والتوعية.
دور جمعي واستمرارية
يرى الدكتور محمد الحبسي من جامعة السلطان قابوس ان صناعة وعيا مجتمعيا مؤثرا في أوقات الأزمات يستلزم تسخير مختلف القنوات سواء الإعلامية أوغيرها، مع أهمية الاستمرارية لهذا التثقيف التوعوي في كل وقت وأن لا يتوقف بانتظار الأزمات.
وقال أن المتلقي قادرعلى فهم كل جديد وادراك مدى نجاح هذه الوسائل من عدمه وهذا ما أثبتته الأزمات الماضية بمختلف مضامينها. وأعتبرمدير معهد الفنون الإعلامية والمسرحية أن نجاح وسائل الاعلام المحلية في تحقيق الوعي المجتمعي بما يجعل منه درعا واقيا سيتحقق اذا ما أدركت أهمية هذا الدور وشارك الجميع في نشر الوعي.
ونوه الى أن هناك اشتغالا من الاعلام المحلي سيساهم مع بقية وسائل التوعية الأخرى في تشكيل وعي المجتمع وتحقيق النتائج المرجوة خاصة اذا وجد التنوع في وسائل التوعية لمخاطبة مختلف الشرائح. 
لافتا الى التأثيرالذي يمكن ان تحدثه المقاطع التمثيلية القصيرة والنماذج المبتكرة في توصيل رسالة التوعية التي تناسب هذه الأزمات. وشدد الحبسي على أهمية المصداقية فيما تبثه وسائل التواصل الاجتماعي وضرورة استقاء المعلومات من مصادرها.
معلومات غيرحقيقية فاقمت المخاوف 
الصحفي يحيى بن عبدالله الناعبي والباحث في دور الاعلام الالكتروني في إدارة الأزمات باحدى الجامعات الاسترالية قال ان العالم يعيش حالة هلع لم يعهدها من قبل، على الرغم من أن الأوبئة ليست بمستحدثة في تاريخ البشرية لكن الظرف المعيشي المتسارع بعوامله المهيئة جعلت من إنتشار وباء كورونا ظاهرة عالمية. وأوضح ان الإعلام التقليدي والالكتروني سخّرا وسائل نقل المعلومة والتجارب المختلفة في أنحاء العالم لتكون المعلومة في متناول الجميع. في المقابل، لم تخلو منصات وسائل التواصل الاجتماعي من بث أخبار ومواضيع غير حقيقية فاقمت من مخاوف الكثير. 
وقال : يجب أن ندرك تماما أن الوباء الذي يتفشى في العالم يمثل جدية تامة لا يجب الاستهانة بها. وأن المسؤولية تقع على الجميع ولا تقتصر على مؤسسة بعينها، فالمجتمع يواجه وباء لا يميز بين فئة وأخرى، لكن الدور الرئيس يقع على الإعلام وخصوصا الوضوح والمصداقية والشفافية في إدارة الأزمات.
حضورإعلامي على مدار الساعة
وقال ان المجتمع بحاجة إلى حضور الإعلام بشكل نشط على مدار الساعة مع المسؤولين من الدرجة الأولى في مؤسسات الدولة، وكذلك الخبراء في مجال الصحة والاقتصاد والمجتمع.
وقال الناعبي الذي يتابع جائحة كورونا في السلطنة والعالم : من خلال تجارب دول أخرى في تعاطيها مع الأزمة ومن خلال البحث والتقصي، أثبت دور الإعلام النشط والصريح يسر التعاون القائم بين المؤسسة والمجتمع وتقبّل الجميع الظروف الحالية بكثير من الإيجابية. وأضاف: أن أزمة كورونا لا تتمثل فقط في مخاوف انتشار الوباء بل هناك مخاوف أخرى وتداعيات، من بينها طمأنة الناس بضمان توافر احتياجاتهم من الغذاء والدواء والحاجات الرئيسية، وخصوصا من قد تم تسريحهم من العمل، أو من هم من أصحاب الضمان الإجتماعي ويأتي ذلك من خلال فتح خطوط تواصل مباشرة مع مختصين على مدار الساعة.
إدارة الأزمات مسؤولية الجميع
وقال:على مؤسسات الدولة أن تعي أن إدارة الأزمات تشمل الجميع، لأن لكل أزمة تبعات وتداعيات كثيرة لا تقل أهميتها عن أهمية مكافحة الوباء. والإعلام هو صمام أمان الأزمة من خلال بث نماذج حية توضح العزل الصحيح، فغالبية الأسرتمتثل للأوامر الرسمية في العزل ولكن هناك تعليمات يجب أن يتبعها الجميع داخل محيطهم الأسري لافتا الى أن خصائص النموذج الإجتماعي الذي تتميز به مجتمعاتنا تضاعف انتشار الوباء على عكس مجتمعات اعتاد افرادها على احترام فردية القرار.
رسالة الإعلام واضحة
وشدد الناعبي الذي يشتغل على بحوث في دورالاعلام الالكتروني في إدارة الأزمات على أن تكون رسالة الإعلام واضحة وتنقل تفاصيل الأحداث بمصداقية وبالأرقام والأدلة لتعزيز حالة الاحتراز عند الجميع، بينما التقاريرالتعميمية أوالتعاميم التقريرية لا تخدم الواقع، ولا يقع أثرها بين أفراد المجتمع، ولهذا يجب أن يتحول الخطاب الإعلامي من العمومية إلى التخصيص،الذي يقضي على الشائعات التي تنتشر كالنار في الهشيم في وسائل التواصل الاجتماعي مؤكدا على أهمية دور الاعلام الصريح فالوعي بحقيقة الوضع وتدارك الوباء في الوقت المناسب خير من أن نرقص على جثث الموتى.
التطوع
وقال أن (التطوع) مهم جدا فمن خلال تجنيد عدد من أفراد المجتمع وخصوصا من الشباب المتعلم كمتطوعين بمحفزات مالية سيعملون على تثقيف مجتمعاتهم بإشراف وتدريب رسمي، ويتم رصده إعلاميا.
واعتبر التطوع من أكبر الدلالات على وطنية الفرد وللأسف نادرة في مجتمعاتنا بسبب عدم توافر ثقافة الفرد على التطوع بشكل دائم، وتجدها أحيانا أثناء الازمات والكوارث، كما لاحظناه في الكوارث الطبيعية التي مرت بها السلطنة.
أفكار رجعية 
الناعبي أشار الى ظاهرة فردية ولكنها أصبحت اجتماعية بسبب وسائل التواصل الاجتماعي تتمثل في نشر بعض الرسائل التي وللأسف تعمل على طمأنة الجمهور من مخاوف المرض بعبارات لا تمت للعلم والاحتراز الوقائي بشيء، مثل دفع البلاء بكلمات وعبارات غير منطقية وكأنما تحرض المجتمع على التواكل مع عدم الحرص والوقاية. لذلك يأتي دور الإعلام الرسمي وبشفافية عالية في الكشف عن مثل هذه الظواهر الرجعية.
قنبلة موقوتة
وأضاف :على المجتمع أن ينتبه الى خطر آخر وهو تواجد الأيدي العاملة الوافدة بكثرة، فكلنا يعلم أن انخراط هذه الفئة بين أفراد المجتمع مبني على المصلحة والعمل فقط، لذلك من واجب الاعلام أن يحرص على تخصيص برامج إعلامية توظف بعض أفرادهم وتتحدث بلغتهم فتحذرهم وتبعث لهم رسائل إرشادية طالما أنهم يعيشون بين ظهراني الوطن فمن الضروري أن يشملهم الدورالتوعوي إعلاميا وإلا فإن كل المجهودات المبذولة ستكون بلا فائدة فمعظم أفراد الجاليات الوافدة تعيش بشكل جماعي وهم يمثلون قنبلة وبائية خطيرة على المجتمع ويجب على لجنة إدارة الأزمات أن تضع اهتماما جادا لها وتدارك الأمور. وأكد على أن الوباء عام والوقاية منه مسؤولية الجميع، وعليه ينبغي أن نتيقن في حالة أن الجميع لم يلتزم بدوره سوف تسوء الأمور وهنا يذكرنا برواية (العمى) للبرتغالي خوسيه ساراموغا، حين تفشى وباء العمى وحلّت الفوضى بين أفراد المجتمع، لأنه إذا لم نتدارك الأمور فسوف تختفي القيم والأخلاق ويسود قانون الغاب البشري، وهذا ظهرت علاماته حتى في مجتمعات الدول المتقدمة حين بدأ أفرادها بهوس التسابق على إفراغ أرفف المحلات التجارية من السلع، لكن الحكومات تداركت ذلك وتحت أعين الكاميرات الاعلامية، لطمأنة المجتمع والالتزام بالتعليمات المستجدة لكل ظرف.
أهميه +غموض= إشاعة
خميس بن عبدالله الشماخي باحث في الشؤون الثقافية والاعلامية لصناعة وعي لدى المجتمع في أمر هام لابد من الوضوح لأن القاعدة الإعلامية تقول (أهمية +غموض= إشاعة) وإذا طبقنا هذه القاعدة على الجائحة الصحية الحالية (كورونا) فإنه لابد من الوضوح في كل البيانات الخاصة بهذه الحالة سواء بيانات عن الفيروس ومدى شراسته وكذلك طرق الوقاية منه وكذا مدى إمكانية الشفاء من غير تهويل او نقص في المعلومات.
وأوضح أن هناك عدة مصادر للمعلومة قد يلجأ اليها كل متعطش لأن الأمر يشكل اولوية كبيرة لدى المجتمع ،ولابد أن تشمل البيانات الواضحة إعداد المصابين وكيفية التعامل معهم وتوضيح خارطة تواجدهم وكيفية انتقال المرض لهم
الوعاء الإعلامي
وقال الباحث أن الوعاء الإعلامي من أهم الأمور الذي يجب التنبه لها باختيار أفضل الوسائل لوصول الرسالة الاعلامية وفق تطور الوسائل وفي وقتنا الحاضر نجد أن من أهم الوسائل هي منصات التواصل الاجتماعي التي يعتمد عليها كثير من أفراد المجتمع في تلقي المعلومات مع عدم الاستغناء عن الوسائل الإعلاميه الأخرى (التلفزيون، والإذاعة ، والصحافة) الرسمية والخاصة
وقال أن من أبرز طرق الإقناع بالرسالة الإعلامية هو تناول هرم المؤسسة لهذا الموضوع وبيان الاهتمام به ، مشيرا ولله الحمد الى أن هذا المسار سلكته السلطنة فعندما تفضل جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله وترأس اجتماع اللجنة المكلفة بمتابعة الحاله الصحيه لفيروس كرونا فإن هذا يعتبر منتهى درجات الاهتمام من سلطان البلاد حفظه الله وبيان أهمية وخطورة الوضع وكذا يعكس مدى الجهد الكبير الذي يبذل من الجهات الحكومية والثقة بالإجراءات التي تبذل الأمر الذي يوفر الاطمئنان من قبل المواطن والمقيم في عمان ويولد تظافر الجهود الحكومية والشعبية للخروج من هذه المحنه بتوفيق من الله سبحانه.
إدراك مفهوم الأزمات
خالد بن سعيد العبري مذيع في تلفزيون سلطنة عمان يقول أن تهيئة المجتمع تكمن أولًا في إدراك المعنى الحقيقي لمفهوم الأزمات وذلك يتطلب ثقافة عامة تواكب مختلف متغيرات جوانب الحياة الأمر الذي سينعكس إيجابا على سلوكيات الأفراد في المجتمعات والاستعداد بتنبؤات الأحداث وفي ذات الوقت التعامل مع الأحداث الراهنة وهنا يأتي أهمية تحديد الأساليب التي سيتم اتباعها في إدارة الأزمة التي تضمن شمولية أهدافها لجميع شرائح المجتمع وباختلاف الفئات العمرية والمستويات الثقافية.
استراتيجية إدارة الإعلام الوطني 
وأوضح العبري أن وسائل الإعلام بمختلف أنواعها المرئية والمسموعة والمقروءة تلعب دورًا هامًا ومركزيًا في نقل المعلومات والبيانات والأخبار للجمهور وهنا يأتي دور المؤسسات الإعلامية حكومية كانت أو خاصة في تنوير أفراد المجتمع حول الأحداث الراهنة وما يستوجب عليهم فعله وذلك عبر تحري الدقة والموضوعية في نشر الحقائق من خلال استراتيجية إدارة الإعلام الوطني في الأزمات والتي تحدد توقيت بث المعلومات وطريقة بثها ومستويات إرسال الأخبار حسب أهميتها بما يضمن الاستقرار بين أوساط المجتمع مع الإلتزام التام في بث الحقيقة كاملة. 
أسلوب الخطاب الصحفي
وقال أن التأثيرعلى الرأي العام يستوجب استهداف مختلف المستويات التعليمية والثقافية في أوساط المجتمع وهنا تأتي أهمية تحديد أسلوب الخطاب الصحفي ووسيلة بثها عبر الأنماط التقليدية والأساليب الحديثة المبتكرة لا سيما مع تطور الإعلام الحديث الذي يعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي وهو متاح للجميع وبكل سهولة وهنا تأتي أهمية توفير مصادر أكبر في الحصول على المعلومة لدى المؤسسات الإعلامية مما يوسع قدرة الوصول إلى المعلومات وينشئ ثقافة تقوم على الشراكة مع أطياف المجتمع. 
وأكد على دور وسائل الإعلام في توعية المجتمع من مخاطر الأزمات الصحية وذلك عبر بث الإرشادات والتعليمات التي يجب على الأفراد اتباعها أثناء الأزمات الصحية، ووضع المجتمع في صلب الواقع الذي تعيشه دول العالم من مخاطر جراء هذه الأزمات والأثار المترتبة عليها مما يخلق وعيًا مجتمعيًا عاليًا يجنب المجتمع المخاطر.
الإشاعات أثارها مدمرة
واعتبر العبري أن الجهات المعنية تعاملت مع جائحة فيروس كورونا كوفيد 19 بجدية عالية وتبنت اللجنة العليا المعنية بمتابعة تطورات تفشي مرض كورونا مع وزارة الصحة مختلف الأساليب المتاحة لتوعية المجتمع من مخاطر تفشي هذا الفيروس كون أن السلطنة منفتحة على العالم عبر مختلف ممراتها الجوية والبرية والبحرية مما جعلها معرضة لتسجيل إصابات حالها حال دول المنطقة فكانت هناك رسائل توعوية في مختلف وسائل الاعلام تطرقت إلي الوقاية وأهمية العزل الصحي الذي يجنب تسجيل إصابات أكثر، مشيرا الى أن الإشاعات تكثر في أوقات الأزمات وتكون أثارها مدمرة على الفرد والمجتمع اذا لم تجد الرادع لها وهنا يأتي دور الإعلام في بث الحقائق ونفي الشائعات التي تبث القلق وتعبث بالصحة النفسية للمواطنين والمقيمين من خلال التطرق إلى القوانين والأنظمة الرادعة.
لا توزيع عادل للمعلومة
حمدة بنت علي البلوشية ،صحفية بجريدة الشبيبة وقبل الحديث عن صناعة الوعي المجتمعي المؤثر في أوقات الأزمات تسائلت «من يقود الإعلام العماني في وقت الأزمات» ؟ لتجيب بأنه « لا أحد» كما تقول وأوضحت ان كل مؤسسة إعلامية تعمل بمفردها حيث لا خطاب إعلامي موحد ولا توزيع عادل للمعلومة التي يمتلكها صناع القرار مع وجود حسابات حكومية متعددة عبر منصة تويتر تتنافس فيما بينها على نشر السبق الصحفي.
وقالت : من هنا تبدأ قصة صناعة الوعي المجتمعي فكيف يمكن للإعلام أن يصنع وعياً مجتمعياً بجهودٍ فردية مشتتة بينما تتطلب العمل الجماعي بروح واحدة وهي «عمان».
واعتبرت ان ما يقوم به الإعلام المحلي ( مقروء ، مرئي ، مسموع) في أزمة كورونا «جهدٌ يُشار له بالبنان» إلا أنه يبقى ضعيفاً في ظل عدم وجود خطة إعلامية واضحة تدار الأزمة من خلالها بتوحيد الرسائل الموجهة للجهمور في التوقيت المناسب بحسب المعطيات والقرارات التي تتخذها اللجنة العليا المشكلة بتوجيه سامٍ.
حمدة التي تقوم بتغطية تطورات جائحة كورونا قالت انها لم يسمح لها مع وسائل إعلام محلية من حضور اجتماعات اللجنة العليا واقتصرالحضورعلى وسيلتين فقط ما اعتبرته تحيزاً لوسائل إعلامية دون أخرى وأصبحت بيانات اللجنة وقراراتها حكراً على تلكما المؤسستين بينما وسائل الإعلام الآخرى تتلقى تلك القرارات كما يتلقاها كل المواطنين.
لكنها اكدت انه على الرغم من التعقيدات التي تواجهها وسائل الإعلام المحلية إلا أنها ساهمت بشكل كبير في تحقيق الوعي عبر تخصيص ساعات يومية من برامجها الإذاعية ومنصاتها عبر مواقع التواصل الإجتماعي وصفحاتها الورقية والإلكترونية لتوصيل رسائل الدولة للجمهور، عبر قوالب جديدة غيرت نمط الإعلام العماني بشكل ملحوظ، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لمواجهة الكم الهائل من الشائعات التي تم تداولها خلال هذه الفترة .
غياب المعلومات لتفسير القرارات
وأرجعت حمدة سبب تغلغل الشائعات الى عدم توفر المعلومة حيث تصدر قرارات اللجنة «إطارية» وتحتاج إلى تفسير وتوضيح من الجهات ذات العلاقة بتلك القرارات ولأن بعض المصرح لهم بالحديث أصبحوا حكراً على مؤسسة إعلامية بعينها دون توفر التفسيرات والمعلومات لوسائل الإعلام الآخرى فقد ساهم بشكل كبير في تفشي الشائعات حيث لا تصل تلك المعلومات لكل فئات المجمتع بمختلف أنواعهم وجنسياتهم وفئاتهم العمرية،
سلاح ذو حدين
وفيما يتعلق بالإعلام الإجتماعي فقالت أنه سلاح ذو حدين، فهو ساهم بشكل كبير في خلق الوعي لدى المجتمع و هنا أعني ما يتعلق بمشاهدة أوضاع الدول التي يعصف بها كورونا وعدد الضحايا في الدول خاصة التي لم تلتزم شعوبها بتعليمات سلطات بلدانهم ما ولد حذرا داخليا لدى فئة كبيرة من المجتمع بأن الإستهتار قد يقودنا إلى ما لا تحمد عقباه ، كما أن بعض النشرات التوعوية التي قامت بها المؤسسات الإعلامية والحكومية في قوالب خاصة لمنصات التواصل الإجتماعي ساهمت بشكل جيد في توصيل بعض الرسائل وليس كلها، إلا أن الشائعات التي يتم تداولها عبر هذه المنصات والمتعلقة بكورونا تحديداً هي أخطر من انتشار المرض نفسه، لأنها قد تتسبب في فوضى وتشيت لكل الجهود التي تبذل في سبيل الحفاظ على الأمن الصحي للمجتمع وهذا ما يجب الوقوف عليه حيث يبذل الإدعاء العام جهوداً حثيثة في سبيل التصدي لكل تلك الشائعات ومطلقيها إلا أن وعي المجتمع بخطورة الشائعات لا يزال في مراحله الأولى ونأسف أن تكون بعض الشائعات مصدرها فئات متعلمة في المجتمع وهذا يقودنا للنقطة الأولى بأن إدارة الأزمات الإعلامية لدينا تحتاج لإعادة نظر .
وقالت أن تهيئة المجتمع للتعامل مع الأزمات يجب أن ينطلق من وسائل الإعلام جميعها دون استثناء على سبيل المثال لا الحصر عندما يتم تحديد رسالة إعلامية معينة فيجب أن تصل للجمهور في وقت محدد ويجب أن تبث عبر كل وسائل الإعلام بأنواعها ولغاتها المختلفة في وقت واحد وليس عبر وسيلة إعلامية واحدة، معتبرة ان وصول الرسالة من جميع وسائل الإعلام حول «أمر ما» يعطي انطباعاً للجمهور بجدية الأزمة والالتفات لها .
توفر المعلومة حق وواجب 
وقالت الصحفية حمدة :أن توفر المعلومة في العمل الصحفي خلال الظروف العادية يعتبر «حق صحفي أصيل» وهو في وقت الأزمات يعتبر واجبا وطنيا ، لافتة الى ان ما تسبب في ظهور الكم الهائل من الشائعات هو غياب المعلومة وما نحتاج إليه في الوقت الحالي هو وجود مؤتمر صحفي يومي يقف على كل المستجدات المتعلقة بمرض كورونا صحياً ،وأمنياً ، واقتصادياً ومجتمعياً تحضره جميع وسائل الاعلام.
إذكاء الوعي المجتمعي
سالم بن سلطان العبري المدير التنفيذي لمؤسسة الابتكارات المتقدمة في واشنطن وممثل خدمات إعلامية لوكالة الأنباء الفرنسية في مسقط قال أن إذكاء الوعي المجتمعي في غاية الأهمية لدى جميع دول العالم ويشمل هذا الوعي حب الوطن والإنتماء اليه والتضحية من أجله ، واتقان العمل ، والسعى للعلم والمعرفة كل في تخصصه، والاهتمام بالنفس والأسرة ، واحترام الآخرين، وأخذ التعليمات بجدية وبالتزام تام.
وقال العبري الذي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية منذ خمس سنوات ويتابع تطورات كورونا المستجد في السلطنة أن هذا لا يأتي الا بترسيخ القيم منذ بداية الأشهر الأولى لحياة الانسان لإدراك حواسهم في التعرف على الأشياء فتوجيه الأم لطفلها بعدم وضع يده في فمه مثلا هو الوعي الأول لدى الانسان ثم ينتقل الى التعليم ما قبل المدرسي فيبدأ الطالب في تعلم القيم الاساسية ، ومنها كيفية الحديث مع المعلم ومع الزملاء واحترام قانون (الحضانة على سبيل المثال) واتباع الطرق الصحية السليمة ، وبعدها الانتقال الى التعليم المدرسي ، فيتم البدء بترسيخ قيم المواطن الصالح ،والانتماء الى البيئة والمحافظة عليها وممارسة الرياضة وحب القراءة والتهذب عند مخاطبة الآخريين، بحيث تبقى هذه القيم مستمرة في حياته هذا تماما ما يحدث في المجتمعات المتقدمة في العلوم والصناعة وهذا هو من خلال متابعتي للحياة هنا في الولايات المتحدة الامريكية التى أقيم فيها منذ خمس سنوات.
قيمنا هي الأفضل
ويضيف: لدينا قيم هى الأفضل مستمدة من تعاليم ديننا الاسلامي الحنيف والعادات والتقاليد العمانية العريقة ولكن علينا كآباء أن نرسخ هذه القيم وأولها الانتماء للوطن والاخلاص له والجدية والالتزام التام بما يحقق التقدم له ، وأيضا نبذ الأنانية ونبذ حب الذات وغرس مبادئ التعاون والانتماء للمجتمع ثم يأتي دور المدرسة ، في إذكاء الوعي المدرسي الذي هو الأساس لفهم معنى الوعي المجتمعي. وهنا لابد على القائمين على تطوير التعليم من نشر البرامج العملية والصالحة للمتابعة ، والسهولة في التطبيق ،والتى تأتي بالتوازي مع النمو العقلي للطالب والمتغيرات الفكرية العالمية ، وتطور الوعي والمسؤولية لدى الطالب التي ستكون رفيقة له في حياته مع ترك فرصة أيضا لهذا الطالب للتفكير وأخذ مساحة للتعبيرعن آرائه ، والذي سوف يكون فكرا يستفيد منه المجتمع والوطن ككل.
فقرات تفاعلية جذابة
وقال كمتابع للوعي الاجتماعي لدى أفراد المجتمع العماني فهناك جوانب إيجابية وأخرى سلبية ، الايجابية منها سرعة انتشار المعلومة أو الخبر بين جميع الأفراد بسبب تقنيات التواصل الاجتماعي لكن سرعة انتشار الشائعات والمعلومات غير الصحيحة جوانب سلبية ، ومن هنا يجب على الجهات المختصة الرسمية أو المجتمعية أو الأفراد بالتوعية والنصح بعدم نشر أية معلومة ما لم تكن معروفة المصدر وصحيحة.
وقال: من المهم إرسال فقرات تفاعلية جذابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تخاطب جميع الفئات لحل هذه الثغرات في الوعي المجتمعي تجاه التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي وتوظيف جميع الجهات ببث رسائلها الهادفة بأسلوب ابتكاري جذاب مميز لأن المجتمع العماني مجتمع ناقد أيضا ، ونشاهد الآن تفاعل المجتمع مع كل ما ينشر او يبث حول انتشار فيروس كورونا المستجد وعليه فدور التلفزيون مهم لبث الرسائل الهادفة التى تدعو للتعاون والتكاتف واحترام الأنظمة والقوانين بطرق أكثر جاذبية وتأثيرا مع مراعاة المدة الزمنية للمحتوى التى يجب أن تكون قصيرة ، ولعل هذه الرسائل كانت غائبة في فترة بداية تسجيل الحالات أو التنبؤ بوصول الحالات الى السلطنة ومن هنا يجب أن نأخذ الدروس لمراقبة ما يحدث حولنا وتهيئة المجتمع سواء المواطنين أو المقيمين على اختلاف لغاتهم .
مركز موحد للبث التوعوي
العبري سجل حدوث حدث بطء في التوعية في البداية كما يقول وأوضح أن هذا جانب سلبي فكان من المفترض الدخول بتوعية شاملة متكاملة منذ البداية يتولاها مركز موحد للبث التوعوي أثناء الأزمات يقوم بصياغة المحتوى المراد تعميمه على المجتمع واعتراض الشائعات وقبل ذلك التهيئة النفسية.
التأثيرات النفسية
الدكتورة منى الشيكيلة طبيبة نفسية بمستشفى المسرة استشاري طب نفسي أطفال ومراهقين تحدثت عن تأثير الإعلامي على الجانب النفسي للمواطنين والمقيمين وأهمية صياغة رسائل التوعية بالطريقة الصحيحة وقالت أن الرسائل الاعلامية هدفها الاساسي التخفيف من وطأة المرض وتنبيه الناس كوقاية من المرض .
وقالت عضوة في مبادرة الدعم النفسي بمستشفى المسرة: الرسائل الاعلامية مهمة جدا فنشر رسائل تحتوي على مضامين الموت من شأنه أن يحدث الذعر بين الناس.بينما عندما نقول أن هناك تغيرات يمكن أن تحدث ودعونا نتحدث عنها وكيف يمكن أن تساعد نفسك فبالتأكيد ستكون هذه الرسالة مختلفة وتأثيرها مختلف أيضا فليست كل الرسائل سوداوية هذا يعني ان الوعي مهم والرسائل الاعلامية عادة تؤثر على جميع الأشخاص سواء كان للشخص السليم أو لمن هم في الحجر أو العزل الصحي أو كمريض.
وأوضحت أنه من المهم تقديم الحقائق كما هي من مصادرها الحقيقية ونعرضها بطرق مبسطة وأن نصيغها بطريقة مناسبة ومتوازنة دون تقليل أو تهويل ..فلا ينبغي أن نفجع متلقي الرسائل الاعلامية بأعداد الوفيات وبأخبار الموت كما لا ينبغي تجاهل المرض وكأن شيئا لم يكن .
وأكدت أن الرسالة الاعلامية مهمة جدا وهي أن نقول بأن هناك فيروسا سيغير معالم العالم ولكنك كفرد في المجتمع وفي المجتمع العالمي تحتاج أن تساعد نفسك والمجتمع وتقوم بدورك وتلزم منزلك وأضافت : من المهم أيضا توضيح مخاطر عدم الجلوس في البيت ونطرح لماذا لا يلتزم الناس وكيفية اقناعهم بالبقاء في المنازل.
مبادرة مستشفى المسرة
وقالت : كأطباء نفسيين نأخذ موضوع التوعية من خلال خطة مبادرة من مستشفى المسرة بتخصيص خط هاتفي من الساعة الثامنة وحتى الثانية ظهرا لا ستقبال اية استشارات متعلقة بكورونا للدعم النفسي وهذا الخط يمكن أن يساعدهم وآخرين ربما يكون أساسا لديهم مشاكل نفسية وعندما دخلوا الحجر أو مع هذا الضغط تغيرت سلوكياتهم وباتوا بحاجة الى مساعدة.
وأكدت : بالنسبة لنا التوعية ليست فقط شرح مسببات المرض والمخاطر ولكن يجب ان نقدم لهم المساعدة حول كيف يتصرفون والتفكير في الاشياء التي يمكن ان تساعدهم ليخرجوا من هذه المشكلة بسلام.
كسب المعارك بوعي الشعوب
المجتمعات المتحضرة تكسب معاركها بوعي شعوبها وبقوتها الناتجة عن العقل والبصيرة والرؤية الواضحة والتخطيط وتنتصر بالعلم والمعرفة والعمل والابتكار والإبداع والصبر والحكمة والإنجاز.
والوعي الصحي هو أهم أنواع الوعي فمن خلاله يمكن إنقاذ الحياة وتعزيز التعافي من الكوارث والأزمات وتكوين مجتمع معافى وتمكين أفراده من أجل حياة صحية آمنة تجعلهم منتجين ومبدعين ، وقادرين على الابتكار والبناء والعمل على صون مجتمعهم وبيئتهم ووطنهم.