ما أشبه الليلة بالبارحة..  قصة “الظلام العظيم” الذي قتل الملايين

عماد البليك

في نوفمبر 2018 اعتقد علماء أنهم قد فككوا واحدا من الألغاز المريبة في تاريخ الكرة الأرضية، في حل شيفرة ما يعرف بـ ” الظلام العظيم” الذي غطى الأرض لاسيما النصف الشمالي منها عام 536م.

مع أحداث كورونا التي تجتاح العالم، فغالبا ما ستعود الذاكرة الإنسانية إلى التاريخ لترى كيف فعلت الأوبئة والكوارث بالبشر.

وهنا فقد قال الباحثون بأن ذلك العام 536م قد يكون أسوأ سنة مرت على التاريخ الإنساني، بحيث مات خلق كثر بالملايين، وفقد آخرون القدرة على العيش بسلام.

فما هي قصة ذلك العام وما الذي جرى فيه، تلك الحكاية التي ربما لا يعرفها الكثيرون!

بدأت تلك السنة 536م بيوم الثلاثاء، فيها اجتاح ضباب غامض القارة الأوروبية حجب الشمس بلون أزرق، امتد ليغطي الشرق الأوسط الحالي وأجزاء من القارة الآسيوية، ليحل الظلام لمدة 24 ساعة في اليوم لمدة استمرت إلى 18 شهرا.

ترتب عن ذلك أن فشلت الزراعة والمحاصيل في المنطقة من أيرلندا إلى الصين، وكان أن انتشرت المجاعة، مع المعاناة ليل نهار من البرد الشديد القاسي الذي استمر لسنوات، حيث كان ذلك العقد الأبرد لألفي سنة خلت في التاريخ البشري.

بحلول عام 541م كان أن تفشى وباء الطاعون الدبلي المعروف باسم “طاعون جستنيان” الذي أدى لمقتل 100 مليون شخص حول العالم.

يقول مايك ماكورميك وهو مؤرخ وعالم آثار متخصص في العصور الوسطى في مقابلة مع مجلة “سينس” (العلوم)، بأن ذلك العام 536م كان “بداية واحدة من أسوأ الفترات على قيد الحياة، إن لم يكن أسوأ عام”.

                           يعتقد بأن بركان عظيم وراء ذلك الظلام في 536م

إلى اليوم لا يزال العلماء يجهلون بالضبط الأسباب وراء الدمار الماحق الذي حل بالعالم، ما سبب تلك السحابة الضبابية الهائلة التي حجبت الشمس، لدرجة أن هناك من قال وقتها إنها نهاية العالم.

يطرح ماكورميك وزملاء له بالولايات المتحدة وألمانيا، ما يعتقدون أنه الإجابة النهائية لتفسير ما حدث، وذلك في الدراسة التي نشرت في 14 نوفمبر 2018 بمجلة Antiquity المتخصصة في العصور القديمة.

قام الباحثون بتحليل جزء من قلب الجليد القديم تم سحبه من جبال الألب السويسرية، يخبيء ألفي سنة من التاريخ المخبري، كجزيئات الغبار والمعادن والعناصر المتطايرة، وذلك في مساحة يصل طولها إلى 72 مترا.

من خلال هذه العينات تم أخذ إشارات عن كيفية تغير الغلاف الجوي فوق أوروبا طوال ألفي عام، وما تم التوصل إليه أن ثورة بركانية هائلة في أيسلندا سبقت مباشرة ذلك الحادث الحالك في أوروبا والعالم.

العلماء استخدموا تقنية الليزر لقطع شرائح رقيقة جدا من قلب جبال الألب، بهدف التحليل الكيميائي، ومن ثم أخذ عشرات الآلاف من العينات التي تحكي عن دورات من التاريخ، وتم تحليل هذه العناصر.

بالنظر إلى عينات تعود إلى ربيع 536م فقد وجدت شظايا مجهرية بركانية، تم تتبعها فيما بعد ليعرف أنها تعود إلى صخور بركانية أتت من أيسلندا.

رأى العلماء أن هذه الشظايا هي دليل على انفجار بركاني ضخم أدى إلى تدفق رماد وحشي في الهواء فوق نصف الكرة الشمالي، ومن ثم مع الرياح انطلق جنوبا ليبتلع السماء لأكثر من عام في أوروبا ودونها.

قبل فرضية أيسلندا كانت الفكرة السابقة أن الأمر يعود لثوران بركاني في الغرب الأمريكي.

لكن المؤلف المشارك في الدراسة كريستوفر لوفلوك، عالم الآثار بجامعة نوتنغهام في المملكة المتحدة، رأى إن الفرضية الأيسلندية هي أكثر اتساقا مع الدمار الموصوف في السجلات التاريخية السابقة.

كما رأى كذلك أن “أيسلندا أقرب بكثير إلى بريطانيا وشمال غرب أوروبا من كاليفورنيا، وهذا يعني أن تأثير هذا الثوران في ذلك الوقت على المناخ، كان أكبر بكثير مما كان يعتقد في السابق”.

يقول لوفلوك إنه من المتوقع أن هذا الثوران البركاني في أيسلندا، قد جعل الأماكن شديدة البرودة بسرعة كبيرة ولاشك أن معظم الناس في بريطانيا والأماكن في شمال غرب أوروبا قد شعروا بذلك، ومن الممكن أن العواقب كانت فورية، مع زيادة احتمال المجاعة واعتلال الصحة بسبب ضعف غلة المحاصيل.

كذلك يشير الفريق العلمي إلى حدثين لاحقين مماثلين لما جرى في عام 536م وذلك في العامين 540 و547م – ووفقًا للباحثين، فإن التلوث المشترك من هذه الضربة البركانية الثلاثية تسببت في أكثر من مجرد حجب الشمس وتبريد الأرض، حيث أنه وضع أوروبا في فترة من الموت والانحدار الذي استمر أثره لمائة سنة.

لقد مرت أوروبا بأحداث رهيبة وبحلول عام 540 فقد كان ثمة تلوث كبير في الجو وفق التحليلات الحديثة لجزئيات الجليد، كذلك فقد حدث كساد اقتصادي استمر لعدة سنوات بسبب المجاعة التي ضربت العالم والأمراض.

وقد تعرضت المجموعات السكانية الضعيفة لتفشي مرض الطاعون الذي يكاد قد قضى على ثلث إلى نصف سكان الإمبراطورية الرومانية الشرقية، لكن القصة الحقيقة ربما لم ترو كما ينبغي، حيث يظل التاريخ الإنساني غامضا ومربكا.