التداعيات التاريخية للأوبئة: دلالات مـن الحضـارات القديمـة

صلاح أبونار –

في سياق المناقشات الواسعة حول جائحة كورونا، سوف نعثر دائما على طرح متكرر يفيد أن العالم بعد كورونا لن يكون العالم الذي كان قبلها. لماذا؟
لن نجد وجهة نظر متكاملة بل نوعا من التأمل العقلي والحدس التاريخي. بماذا يخبرنا هذا الطرح في حدود تعبيره عن نفسه؟ وهل يمكن لخبرات الأوبئة التاريخية أن تساعدنا على الفهم؟

لا يستمد هذا الطرح مقوماته من ضخامة عدد الضحايا، فهو حتى الآن شديد التواضع قياسا على إنفلونرا الخنازير 2009-2010 أقرب الأوبئة كثيفة الضحايا إلينا: 200,000. دعك من مقارنته بالإنفلونزا الإسبانية 1918 التي قتلت 50 مليونا وأصابت ربع سكان العالم، أو إنفلونزا هونج كونج 1968 التي أطاحت بحياة مليون شخص.
كما لا يستمد مقوماته من ضخامة الخسائر الراهنة والمتوقعة الناجمة عن توقف الإنتاج والتجارة، واضطرابات الأسواق المالية، وضخامة الإنفاق الحكومي لمواجهة تداعيات التوقف، وتأثير كل ذلك على معدلات النمو العالمي، والركود المؤكد والواسع القادم. بل يستمده أساسا من انتشار الفيروس على نطاق عالمي مقرون بتغلغل مخاطره داخل معاقل كبرى الدول، ومن العجز الفادح الذي أظهره نمط النمو الاقتصادي المسيطر ونظم رعايتها الاجتماعية والصحية في مواجهة الأزمة، وضحالة وتخبط الخطاب السياسي لقيادات مراكز قوة عالمية، والشعور العميق والسافر بالمخاطر التاريخية التي تواجهها البشرية في مواجهة طبيعة كان تتوهم إحكام السيطرة عليها، وبالتالي يميل إلى طرح أفكار حول مستقبل السياسات الاقتصادية والاجتماعية ونمط السلطة السياسية في تلك المراكز الكبرى، وتأسيس علاقة جديدة بين المؤسسات العلمية ومؤسسات المجال السياسي، وإعادة النظر في نمط العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وطرح أعمق وأكثر شمولا لرسالة العلم الاجتماعية.
من الصعب حتى الآن أن نحدد مسارات الحوار القادمة، لأننا أمام بدايات واضحة لكننا لا نستطيع تحديد حجمها أو قوتها، وما سيحدد مسارها ليس مجرد وجودها ولكن السياقات العامة لهذا الوجود، أي حركة الصراع الاجتماعي، ووجود قوى نقيضة ومدى قوتها ونفاذها المؤسسي والسياسي بالمقارنة مع التوجهات الجديدة، وفي كل الأخوال هناك بدايات جديدة تولد وتتكون، من رحم المشهد التاريخي العام الذي أطلقته الجائحة.
ومن شأن مراجعة تاريخ الأوبئة العالمية، أن تمنحنا مؤشرات لفهم التداعيات التاريخية للجائحة الراهنة، فما الذي تخبرنا به هذه المراجعة؟
يبدو حجم ضحايا كورونا شديد الضآلة عندما نضعه عبر منظور مقارن، أسفر وباء أثينا 430 قبل الميلاد عن مائة ألف ضحية. ومن النصف الثاني للقرن الثاني الميلادي ستتكرر أخبار الأوبئة المليونية بين الطاعون والجديري، مات نحو 5 ملايين في الطاعون الأنطوني 165-180، وأطاح طاعون جستنيان 541-570 بما يتراوح بين 40 و50 مليونا، ولقي مليون ياباني حتفهم في وباء الجديري 745، وعصف الطاعون الأسود 1348-1355 بما يتراوح بين 75 و200 مليونا، وعلى امتداد القرنين السادس والسابع عشر أطاحت أوبئة الجديري بحياة 56 مليونا من أهالي الأمريكتين الأصليين، وفي 1855 أودى الطاعون الثالث بحياة 12 مليون ضحية.
ومن 1889 توقفت أوبئة الطاعون والجديري وانطلقت موجة أوبئة الإنفلونزا المليونية. أطاحت الإنفلونزا الروسية بحياة مليون ضحية في عامي 1889 و1890، وفي 1918 حصدت الإنفلونزا الإسبانية 50 مليونا، وفيما بين 1956 و1958 أنهت الإنفلونزا الآسيوية حياة مليوني إنسان، وجاء عام 1968معه بإنفلونزا هونج كونج ومعها مليون ضحية.
وشكل الوباء الأخير آخر الأوبئة المليونية. وهكذا سنجد ضحايا إنفلونزا الخنازير 2009-2010 مائتي ألف فقط، وفي 2012 كان ضحايا سارس 774 وضحايا ميرس 850، وفي 2013 قفز عدد ضحايا أيبولا إلى 11,000. والمؤكد أن أوبئة بهذا الحجم يجب أن تحمل معها تداعياتها العميقة على المجتمع والاقتصاد، ولكن هذه التداعيات لا يمكن أن تكون من نمط واحد.
في نمطها الأول لن تشكل التداعيات اكثر من انتقاص حاد في مكونات القوة والثروة، وسيتمكن المجتمع بعد فترة تطول أو تقصر من العودة لمسارة الطبيعي.
وفي نمطها الثاني ستندفع المجتمعات صوب تطورات مصيرية، قد تقودها لتدهور تاريخي لا رجعة فيه أو تنقلها إلى مرحلة تاريخية أعلى، وفي الحالتين لا يمكن اعتبار الوباء العامل الأوحد الصانع لتلك التحولات، بل عامل أساسي في سياق تاريخي خاص.
ولو نظرنا لنمط الأوبئة الثاني هذا سنجد ثلاثة أوبئة تمنحنا دلالاتها التاريخية مؤشرات لفهم التأثيرات المحتملة للجائحة الراهنة.
أولها: وباء أثينا 430-426 قبل الميلاد الذي أودى بحياة مائة ألف. جاء الوباء في سياق الحروب البيلوبوزينية 431-404 قبل الميلاد بين تحالف أثينا وتحالف أسبرطة، والتي انتهت بالهزيمة النهائية لأثينا.
أسفرت الهزيمة عن نهاية أثينا الأسطورية التي نعرفها، أي أثينا مؤل الديمقراطية والمواطنة والفلسفة، لتظهر أثينا أخرى أوليجاركية ومنحسرة القوة وبلا تحالفات مساندة. وقع الوباء في العام التالي لانطلاق الحرب وتواصل لأربعة أعوام، ورغم الفاصل الزمني الكبير بينه وبين الهزيمة (22 عاما) أطلق تغيرات بعيدة المدى كان لها دورها الرئيسي في هزيمة أثينا وتفكك أنموذجها التاريخي، وفقًا للوصف الكلاسيكي الذي نجده لدي ثيوسيديدس تولد عن الوباء حالة تفكك في التقاليد الاجتماعية، وتراجع في روح وتقاليد الالتزام بالقانون وواجبات المواطنة، واضمحلال في قوة الحس الديني والالتزام الأخلاقي، وتدهور في التقاليد التعليمية.
ومن جهه ثانية فقدت أثينا مائة ألف من سكانها، ومعهم فقدت جزءًا من صفوتها المتدربة سياسيا، وكان من شأن هذا التأثير على قوة جيشها، وتحويل التوازن داخلها بين المواطنين والأجانب لصالح الأجانب.
ومن جهة ثالثة انحسرت قوة أثينا السياسية، وفقدت التحالف الإقليمي السياسي المساند، وبالتالي تفكك السياق السياسي المغذي لأنموذجها السياسي.
وثانيها: وباء جستنيان الذي شهدته الإمبراطورية البيزنطية في عهد جستنيان 527-565، ثم امتد منها للإمبراطورية الفارسية.
انطلق الوباء في 541 وتواصل لعامين، وتتراوح تقديرات خسائره من 25 إلى 50 مليونا، ويقدر أن القسطنطينية فقدت من 20% إلى 50% من سكانها، وأن بقية الإمبراطورية فقدت حوالي ربع سكانها.
انتقص هذا الوباء بشدة من قوة الإمبراطورية البيزنطية، إذ كان اقتصادها في أساسه اقتصادا زراعيا، وتشكل الضرائب المفروضة على الفلاحين المصدر الأساسي لموارد الدولة، وبالتالي قاد الموت الواسع للسكان إلى تراجع حاد في ألإنتاج الزراعي ومعه موارد الدولة.
وبدرجة أقل كان للوباء تأثيره السلبي على حركة التجارة الداخلية والدولية وثرواتها وعوائد الدولة منها، وانعكس هذا سلبا على القوة العسكرية للإمبراطورية خلال القرنين السادس والسابع، وهكذا نجح اللومبارديون في غزو الشمال الإيطالي عام 568.
ويرى فريق من المؤرخين في هذا الضعف سببا جوهريا، في نجاح الفتوحات العربية في القرن السابع في انتزاع الشام ومصر من سلطة القسطنطينية.
وثالثها: الطاعون الأسود الذي انتشر في العالم فيما بين 1347 و1351 ليفنى ما بين 75 و200 مليون، ويقدر أن نصيب أوروبا من ضحاياه كان 20 مليونا أي ثلث سكانها.
وهناك ما يشبه الإجماع بين المؤرخين على الدور المستقبلي الإيجابي الذي لعبته تداعيات هذا الوباء في غرب أوروبا، إذ قادت ضخامة أعداد الموتى داخل الفلاحين إلى اهتزاز قاعدة علاقات الإنتاج التقليدية للإقطاع الأوروبي القائمة على القنانة المباشرة، لتفتح المجال أمام تحولات رأسمالية جذرية في الزراعة، شكلت الوجه الريفي لصعود الرأسماليات التجارية والصناعية في المدن الأوروبية.
ففي مواجهة التراجع الحاد في قاعدة الإنتاج الفلاحية العاملة في الإقطاعيات في مقابل الأرض التي لم تعد تجد من يزرعها، أصبح الفلاح أكثر حرية في فرض شروط عمله، وتراجعت قدرة الإقطاعي على فرض شروط القنانة القديمة.
وهكذا أصبح الفلاحون أكثر ثراءً وشبه ملاك للأرض، وتراجع إنتاج الزراعات الاكتفائية لصالح المحاصيل التجارية الموجهة للمدن، وحدث تقدم كبير في تقنيات الزراعة مع ظهور الفلاحين الأغنياء.
وبالتوازي مع ذلك اضطر سادة الأرض السابقون إلى تحويل مساحة كبيرة من أراضيهم إلى مراعي للأغنام، ومعها ازدهر إنتاج اللحوم والألبان والأصواف المتجهة للحضر.
وباختصار شهدت الزراعة في غرب أوروبا ثورة اجتماعية واقتصادية، أطلق الطاعون الأسود محركها الأولي أو أحد أهم تلك المحركات.
وما هي الدلالات التي نخرج بها من خبرات الأوبئة الثلاثة بشأن التحولات المحتملة التالية على جائحة كورونا؟
تخبرنا – أولا: أن الأوبئة تضع النظم الاجتماعية في مواجهة ضغوط حادة، من شأنها أن تكثف تناقضاتها الاجتماعية وتكشف حدودها السياسية والتاريخية.
وتخبرنا – ثانيا: أن تداعيات الأوبئة تبلور تيارات وتوجهات جديدة صاعدة تاريخيا، تسعى نحو تخطي حدود النظم الاجتماعية ومعالجة تناقضاتها، وتنطلق من قوى اجتماعية مهمشة داخل نطاق المؤسسات المسيطرة، وتعمل على تأسيس إجماعات اجتماعية جديدة تطلق مسيرة جديدة للمستقبل.
وتخبرنا – ثالثا: أن عملية انكشاف حدود الصيغ القديمة وميلاد التيارات الجديدة، ستأتي معها بصراعات حتمية ومتواصلة وطويلة، وكلما كان الجديد قادرًا على إيجاد حالة إجماع اجتماعي وصياغة حلوله الموضوعية والمتوازنة قلّت فترة الصراع وتسارعت عملية تأسيس البدائل.