التضامن.. وليس الإقصاء

أحمد بن سالم الفلاحي –

يعيش بلدنا الحبيب كحال بلدان كثيرة من العالم في أوج تعاون مواطنيه، والمقيمين فيه، يظهر ذلك جليًا في تكاتفهم، وتعاونهم في مختلف متطلبات الحياة اليومية، وتسجل الأيادي البيضاء أجمل محطاتها الإنسانية في البذل والعطاء، وكما كان المواطن، دائما، نصيرا مطلقا في مجالات البر والإحسان في الأيام العادية

فإن هذه الصورة اليوم تتجلى في أسمى معانيها، وأجلّ مستوياتها، فهنا وطن بكل ثقله، وهنا عمان بكل سمواتها الإنسانية الخيرة، ولا تزال المساحة على اتساعها تستوعب كل الجهود، وكل التضحيات، وكل العطاء، فلا تزال الأنفس حبلى بالمودة، والرضا، ولا تزال الأنفس سباقة في فعل الخير، ويقينا، في هذه اللحظات الحاسمة من عمر الوطن ومواطنيه، لن يلتفت إلى الاستثناء من هذه القاعدة، وهي قليلة بلا شك، كحال الاستثناءات من القواعد دائما، فالحالة البشرية، على امتداد عمرها، موسومة بمثل هذه التناقضات، والمفارقات، ففي النهاية هذا بشر تتنازعه الكثير من المشاعر، والهواجس، وتحد من مبادراته المجموعة القابضة عليه بفعل الشح، والبخل، والخوف، والقلق، واستحضار إرادة الله وقدره، وكرمه ورضاه، أمرًا ليس يسيرًا على أي أحد استيعابه وهضمه، وفي مثل هذه الظروف تظهر هذه النتوءات الجانبية، ولن تؤثر على المجموع في شيء.
تداول رواد التواصل الاجتماعي، وخاصة منتسبي صفحة التواصل (تويتر) مجموعة من التغريدات التي أكدوا من خلالها رفع قيمة تذاكر الطيران من وإلى مختلف دول العالم، مستغلين بذلك واقع الحالة الطارئة التي سببتها جائحة (كورونا – كوفيد-19) التي تحصد الأرواح والممتلكات في كل بقاع العالم بلا استثناء، في الوقت الذي يسعى البعض للتخفيف من المعاناة التي يعيشها الجميع، وكما يحدث من استغلال في هذا الجانب، يحدث الاستغلال نفسه في جوانب كثيرة مما يرتبط بحاجات الإنسان اليومية، من مأكله ومشربه، وأتصور أنه لولا تدخل الحكومات بصورة مباشرة للحد من هذه التجاوزات اللاأخلاقية، لأكل الناس بعضهم بعضًا، ذلك لأن القيم الإنسانية التي تلوكها الألسنة في حالات الرخاء، ليس لها مكان أمام القيم المادية، وهي القيم الفارضة نفسها بقوة الجشع والتسلط المعروفة لدى الإنسان، الذي لا يستجيب لنداء إخوة، أو صداقة، أو جيرة، أو تعاون، أو تضحيات، فهذه كلها مفاهيم لترقيع بعض المثالب -ينظر عليها البعض- على أنها هامشية، ولذلك يأتي في سياق هذه الصورة الـ(المحنة) دعوة الأمم المتحدة لإلغاء العقوبات التي تفرضها بعض الدول الـ(متسلطة) بجبروت القوة، وموت الضمير، للسماح للدول بمكافحة (فيروس كوفيد-19) بشكل فعال.
فوفقًا لما نشرته بعض وسائل الإعلام في الخامس والعشرين من مارس الجاري، فقد (دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس في رسالة إلى دول مجموعة الـ20 إلى أبطال العقوبات الدولية على الدول التي تخضع للعقوبات الدولية على أثر تفشي جائحة فيروس كورونا) وقال: إن العقوبات تهدد المخاطر الصحية لملايين الناس وتضعف الجهود العالمية لاحتواء انتشار الفيروس التاجي الجديد ومما كتبه الأمين العام: (أنا أشجع على التنازل عن العقوبات المفروضة على الدول لضمان الحصول على الغذاء، والإمدادات الصحية الأساسية، والدعم الطبي).
وأضاف: (حان الوقت للتضامن وليس الإقصاء). (لنتذكر أننا أقوياء فقط مثل أضعف نظام صحي في عالمنا المترابط). -حسب المصدر-.
يقول أحد رؤساء الدول الكبرى في تصريح له: تم تداوله منذ أسبوعين عبر منصات التواصل الاجتماعي الـ(واتس أب): (لم تعد المقاييس الأخلاقية هي التي تحكم، الذي يحكم اليوم العالم، والكيانات البشرية هي المصالح) -انتهى النص- والعالم وفق هذه الرؤية هو العالم المتسلط على البشرية، فهذا العالم المشار إليه بهذه العمومية، هو مجموعة الدول التي لا ترى في الحياة إلا مادة متداولة، و(الكيانات البشرية) حسب التعبير أعلاه) هي الوسيلة لهذا التداول، وبالتالي، ووفق هذا المنطق، لا يهم من يموت، ومن ينكل به، ومن يمارس عليه أشد أنواع التنكيل والعذاب، المهم أن ترتفع أسهم الأنظمة السياسية المتسلطة على البشرية، وهي أنظمة تفتقد أقل مما يمكن أن يصنف على أنه محتوى إنساني ولو في بلدانها، وها هي اليوم تظهر صورتها جلية، وبلا مواربة أمام هذه الجائحة (كرونا – كوفيد-19) التي تعيشها كل الدول فقيرها وغنيها على حد سواء، ولذلك فلا غرابة أن نرى الاتحادات والمجالس، والأنظمة التعاونية تحت مسمياتها المختلفة تتهاوى اليوم، وتنسحب، وفي القلب غصة، حيث تهاوت العظمة، وصغرت الجبروت، وتصدعت الكيانات، وبقي كل واحد يواجه مصيره بنفسه، فأنزلت الأعلام، وأغلقت قاعات الاجتماعات التي اتخذت فيها قرارات مصائر الشعوب الضعيفة، إلى غير عودة، فهناك حالة من التحول يعيشها الجميع، وبالتالي فالمتوقع أن يظهر على الوجود نظام عالمي جديد، كيف ستكون توجهاته؟ وما هي أجنداته؟ وكيف ستسخر أدواته؟ ومن هو اللاعب الأكبر فيه؟ أسئلة ستكون الأيام القادمة هي الكفيلة بالإجابة عنها، لمن قدر له بقاء العمر، إلى ذلك الزمن.
اليوم ووفق ما نعيشه من تجليات حول هذا الـ(عالم) الوارد ذكره أعلاه، تتحول الأنظمة السياسية والدول التابعة لها، والمصنفة بـ(الكبرى) إلى شركات، وهذه الشركات، وفق المصدر السابق، (تبيع وتشتري، وهي مع من يدفع أكثر، والشركات كي تبني عليها دائما أن تهدم) -انتهى النص- فكر يعكس قمة الأنانية، ودناءة عدم المسؤولية، ولكأنها تجاوزت حتى مقولة: (الحياة للأقوى) فالقوة الواردة في هذه المقولة هي القوة المادية المباشرة، والتي غالبا ما تنتهجها الحيوانات المفترسة، ولكن ميزة هذه الحيوانات أنها متى أشبعت غريزتها توقفت عن الإساءة، أما، ووفق النص أعلاه، فإن الحياة تصبح جحيما لا يطاق، وكأن المستقبل ينبئ عن واقع تهان فيه الإنسانية أكثر مما سبق، وتتنافس فيها القوى أكثر مما هو متوقع، وكأن الحال يذهب إلى فهم أن الحياة عبارة عن حيتان تتصارع عبر المحيطات، يتلهم بعضها بعضا، بغض النظر عن قرابة النوع، أو الجنس، أو الحاجة فقط، فهناك رغبة عارمة تسحق الأخضر واليابس على حد سواء، نسأل الله تعالى أن لا يعطي مثل هؤلاء الظلمة سلطان يقوون به على الضعفاء من خلقه سبحانه.
لقد استطاع النظام العالمي الحديث، خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) أن يعيش لحظة صفاء، نسبية، استطاع من خلالها أن ينشئ مجموعة من الكيانات السياسية، والإنسانية، تمثلت في منظمات الأمم المتحدة المختلفة، ومع اتفاق هذا النظام على أهمية وجودها إلا أنها لم تعمر طويلا حتى أخضعت للمصالح الدولية، واستحوذت عليها الدول الكبرى، وسخرتها لأجندتها الخاصة، حيث أصبحت بمثابة مصدر الضوء الأخضر لتنفيذ الأجندات السياسية، والهيمنات العسكرية، وعادت الشعوب كما كانت، مستعمرة تحت مظلة الأمم المتحدة، وكأن شيئا لم يكن، ولذلك تتلقى منظمات الأمم المتحدة انتقادات كثيرة لسوء إداراتها المتوزعة في شتى بقاع العالم، ذلك لأنها لا تنطلق من إدارة موحدة لإدارة أزمات العالم، وإنما وفقًا لهوى الدول الكبرى، كما هو معروف، فاليوم على سبيل المثال تواجه منظمة الصحة العالمية انتقادات كثيرة لتهلهل إدارتها لجائحة (كورونا – كوفيد-19) فبحسب وكالة (أ ف ب) – 25 مارس 2020: (تواجه منظمة الصحة العالمية التي استهدفتها انتقادات في الماضي حول مبالغتها في التحرك أو في التساهل خلال أوبئة كبرى، اتهامات جديدة بالتأخر في التحذير من فيروس كورونا المستجد.
وتطلق المنظمة التي أنشئت في 1948 وتعد من أقوى وكالات الأمم المتحدة بموظفيها البالغ عددهم نحو سبعة آلاف شخص في العالم، التوصيات بخبرتها لكنها تبقى مرهونة بإرادة الدول وهذا لا يمنع من توجيه انتقادات لها باستمرار)(…) ووفق نفس المصدر، ترى (سوري مون المديرة في مركز الصحة الشاملة في معهد الدراسات الدولية العليا والتنمية في جنيف) أن منظمة الصحة العالمية (لا تستطيع إجبار الحكومات على اتباع توصياتها لأن الحكومات لم تمنحها هذا النوع من الصلاحيات).
ولخصت مون الوضع بالقول إن مدير المنظمة ووكالتها تبذلان جهودا شاقة لقيادة الأوركسترا لكن العازفين هم الذين لا ينفذون (التوصيات).
ختاما، تسجل الإنسانية، مع تقادم مراحلها، حالات من المراوحات الإنسانية، تنجز في بعضها استحقاقات نوعية، وتسجل في بعضها الآخر إخفاقات قاتلة، ما بين هذا الإنجاز، وهذا الإخفاق تبقى المراهنة قائمة في فعل الترجي، لعل الأيام القادمة أفضل.