نوافذ :لنُصغِ قليلا لصوت أمهاتنا

عـاصم الشــيدي –
assemcom@hotmail.com –

لم يسبق لأمي أن أصرت عليّ وعلى أخوتي أن نلزم بيوتنا ولا نزورها هي ووالدي. كانت تتصل قبيل نهاية الأسبوع لتعرف متى سنصل، وما إذا كنا سنلحق على الغداء أم أننا سنتأخر لوقت العشاء، كانت تتواصل معنا جميعا نهاية الأسبوع لتعرف خط سيرنا ووقت وصولنا. تغير المشهد تماما الآن.. فهي تبعث رسائل صوتية تحذيرية كل يوم في مجموعة تضمنا على «واتس أب» تؤكد علينا البقاء في بيوتنا، وتحذرنا من الخروج أو خرق التعليمات وتقول بكثير من الأسى «فترة وبتعدي». ليس ذلك لأن رغبتها في رؤيتنا قد فترت أو أن شوقها تبدد، ولكن المشهد تغير تماما، اتصالاتها اليومية تحملني الكثير من المسؤولية اتجاه أسرتي. ولكن أمي ليست الوحيدة في هذا الشأن، كل الآباء والأمهات في عُمان تحركهم نفس المشاعر، وتقلقهم نفس المخاوف على أبنائهم مع توسع انتشار فيروس كورونا، ولذلك يقاومون شوقهم لأبنائهم الذين يسكنون بعيدا عنهم حتى لا يجتمعون بهم نهاية الأسبوع، على أمل أن تمضي الغمة وتعود الألفة بين الأحباب ويعود شعار التقارب الاجتماعي بعد التباعد الذي ينادي به الجميع اليوم.
الصديق فهمي الحارثي رئيس تحرير جريدة الأوبزيرفر السابق أخبرني أن ابنته عادت فجر السبت من أمريكا وذهب لاستقبالها في المطار، ورغم الشوق الكبير واللهفة للقاء بعد أشهر من الغياب إلا أنه لم يقترب منها، حدث كل شيء من بعيد، وفضّل أن تخضع لعزل مؤسسي حماية لها ولبقية الأسرة. كان يحدثني عبر الهاتف ويشيد بالطريقة الحضارية التي تم بها استقبال الطلبة العائدين من الخارج، والتي أشعرته بقيمة أن يكون عمانيا.. فهمي الحارثي شخصية غير مجاملة أبدا، ويعرف من يتحدث معه مقدار نقده للأحداث، وعندما قلت له إنني لم أسمعك مادحا هكذا من قبل قال: أنا صادق مع نفسي ومع وطني ما رأيته كان معاملة استثنائية، كانت سيارة حراسة تسير أمام الباص الذي يقل الطلبة وأخرى خلفه وكأنه موكب ملكي، هكذا قال بالضبط «موكب ملكي». وحدثني زميل آخر من المنتظر أن يعود ابنه، أيضا، من أمريكا مساء السبت أنه لن يكون حتى في استقباله في المطار، حتى لا تغلبه المشاعر، ونسق مع ابنه مسبقا أن يذهب مباشرة إلى العزل المؤسسي ويبقى التواصل عبر الهاتف. صوت الآباء مهم جدا في هذه الجائحة، إنهم يملكون الكثير من الذكريات ومن المرويات عن الأوبئة التي مرت على عُمان في أربعينات وخمسينات وستينات القرن الماضي، ومرويات كثيرة ومهمة عما مرّ على آبائهم وأجدادهم جراء الأوبئة الفتاكة ولذلك لا بد أن نصغي لهم في هذه الفترة كما لم نفعل من قبل، ونستمد منهم الكثير من القوة والحكمة، فنصائحهم توزن بالذهب.
هذه مشاهد تستحق أن نتحدث عنها، وأن ندونها في الوقت الذي نتحدث أيضا عن تجاوزات حدثت وتحدث في العزل المنزلي وهي لمواطنين عائدين من السفر أو لطلاب قادمين من جامعاتهم في أوروبا وأمريكا وبلدان أخرى. وهي تدل على بعض الاستهتار بالمشهد أو ربما عدم القدرة على بناء تصور لما يمكن أن يحدث في المرحلة القادمة فيما إذا لم نستطع الالتزام ولم نستطع إبطاء انتشار الفيروس في بلادنا، لا قدّر الله.
قبل أن أكتب هذه العمود كنت قد قرأت رسالة وجهتها الروائية الإيطالية فرانشيسكا ميلاندري نشرت أمس الأول في جريدة الجارديان البريطانية وحملت عنوان «أكتب إليكم من إيطاليا: هذا ما نعرفه عن مستقبلكم» الرسالة مؤثرة جدا، تستشرف فيها الكاتبة الأيام القادمة على العالم معتبرة أن الزمن كان متقدما لأسبوعين في إيطاليا وأن ما تراه اليوم في إيطاليا سيعيشه الآخرون في الأيام القادمة. وترجمة الرسالة منشورة في موقع جريدة عمان وهي رسالة تستحق أن يقرأها الجميع. تقول في جزء من رسالتها «مخططات الجائحة تبين أننا جميعا متضافرون في رقصة متوازية، كل ما في الأمر أننا متقدمون عليكم بخطوات قلائل على طريق الزمن، تماما كما كانت ووهان متقدمة علينا ببضع أسابيع».
لا نريد أن نعيش نفس الزمن الذي عاشته الكاتبة الإيطالية، وجزء كبير من ذلك بأيدينا، ربما نستطيع ولو لمرة واحدة أن نوجه حركة الزمن في اتجاه آخر بعيدا عن مكاننا. ولذلك علينا أن نصغي لصوت أمهاتنا وآبائنا ونلتزم حتى لا يلحق بنا زمن «فرانشيسكا ميلاندري».