النفط وحرق الأصابع..عندما يصب لصالح الآخرين!!

د. عبد الحميد الموافي –

ليس من المبالغة في شيء القول إنه من المعروف على نطاق واسع أن النفط كسلعة، يختلف بالضرورة عن أية سلعة أخرى، صحيح أنه يخضع ظاهريا – على الأقل – لمعايير العرض والطلب، والعلاقة بين الكميات المطروحة في الأسواق العالمية، وبين حجم الطلب العالمي، الحالي والمتوقع، من هذه السلعة الاستراتيجية، سواء في نطاق منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط – أوبيك – أو خارجها، ولكن الصحيح أيضا أنه ليس كأي سلعة أو منتج آخر، لأنه سلعة ذات طابع خاص إلى حد كبير، بالنظر إلى أن العوامل والاعتبارات السياسية والاستراتيجية، والنفسية، وأحيانا المزاجية، وبالطبع المالية والاقتصادية تلعب أدوارا مؤثرة، وبتفاعل معقد إلى حد كبير، مما ينعكس في النهاية على حالة أسواق النفط وأسعاره على مختلف المستويات.
وهو الأمر الذي يرتبط بالضرورة بالجانب الآخر المتمثل في الانعكاسات المترتبة على ذلك، ليس فقط بالنسبة للدول المنتجة والمصدرة للنفط، والتي لا تزال تعتمد على عائداته كمصدر أساسي لدخلها من العملات الصعبة التي تسيّر بها عجلة اقتصاداتها ومجتمعاتها، وهي بالمناسبة دول كثيرة في العالم، ولكن أيضا بالنسبة للدول المستهلكة للنفط على امتداد العالم، والتي تعتقد للوهلة الأولى أن كل انخفاض في أسعار النفط يصب لصالحها بشكل أو بآخر، لأنه يؤدي إلى تخفيض فاتورة وارداتها النفطية.
غير أن تجارب وخبرة السنوات والعقود الماضية أثبتت وبشكل عملي، أن هذا الافتراض ليس صحيحا على إطلاقه، وان نسبية صحته تقف عند حد معين، يتحدد عادة بالسعر الذي يمكن التوصل إليه بالتوافق بين منتجي ومستهلكي النفط لتحقيق مصالح الطرفين معا وفي الوقت نفسه، ومشكلة هذا التوافق المطلوب والضروري تتمثل في أن الوصول إليه، والحفاظ على استمراره، هو أمر على جانب كبير من الصعوبة والتعقيد، خاصة إذا دبت الخلافات، أو المنافسات، المعلنة أو غير المعلنة، بين الدول المنتجة، أو إذا رغبت بعضها في تأكيد دورها، أو تأثيرها، أو إجبار أطراف أخرى على الانصياع لخيارات ما، خارج التوافق المطلوب والمرغوب من جانب مختلف الأطراف المعنية.
وفي هذا الإطار، وفي ظل ما يعتري أسواق النفط العالمية من انهيار وتنافس وصراعات، فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: لعله من الأهمية بمكان الإشارة، في البداية، إلى نقطة مهمة بالنسبة لنا كعرب، وهي أن النفط، الذي استخدم كسلاح سياسي عام 1973 ضد بعض الدول الغربية المؤيدة لإسرائيل إبان حرب أكتوبر 1973، والذي قام فيه العاهل السعودي الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز بدور محوري، لم يعد ممكنا استخدامه كسلاح سياسي مرة أخرى على النحو الذي تم قبل خمسين عاما تقريبا، ليس فقط لأن الدول العربية الرئيسية المنتجة للنفط قد أكدت على ذلك مرارا، كما أنها تحرص على أن تكون من أهم الأطراف التي تعمل للحفاظ على استقرار أسعار النفط على المستوى العالمي كالتزام سياسي من جانبها، ولكن أيضا لأن البيئة الإقليمية والعالمية في الوقت الحاضر مختلفة بدرجة كبيرة، عما كانت عليه قبل نصف قرن.
وفي حين تآكل شعور التضامن بين الأشقاء العرب بدرجة محسوسة، وتزاحمت وتتزاحم قضايا عدة لتحتل قمة الاهتمامات العربية، إلى جانب القضية الفلسطينية بالطبع، فإن الدول الغربية اتخذت إجراءات عدة للتنسيق الملزم فيما بينها بالنسبة لاحتياجاتها واستهلاكها النفطي في وقت الأزمات، سواء من خلال منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أو من خلال منظمة الطاقة العالمية، وهي أكثر جدية في التعامل مع مصالحها في هذا المجال من الدول العربية المنتجة والمصدرة للنفط داخل أو خارج أوبك.
جدير بالذكر انه في حين أن إنتاج النفط، ظل من حيث حجمه إحدى أدوات التأثير في سوق النفط والأسعار، سواء من خلال التحكم في معدلات الإنتاج بالحد منها عند مستويات معينة من جانب دول أوبيك، التي يشكل إنتاجها معا نحو 30 في المائة من حجم الإنتاج اليومي للنفط على المستوى العالمي، أو من خلال إغراق الأسواق بمزيد من الإنتاج في حالات معينة، أو لأسباب ذاتية لطرف أو أطراف من الدول المنتجة للنفط، كما هو الوضع الراهن. فإن النفط ظل أيضا ورقة يمكن استخدامها في إطار العلاقات الثنائية بين دول منتجة ودول عربية أخرى أحيانا – إيجابا أو سلبا – لسبب أو لآخر، وذلك بحكم طبيعة العلاقات العربية، وبحكم طبيعة الظروف الاقتصادية العربية، وليس من الخطأ تسمية ذلك بالاستخدام السياسي للنفط لممارسة ضغوط على طرف عربي أو آخر في ظروف معينة. وإن كانت تظل محدودة، أو مرهونة باعتبارات معينة في العلاقات بين الأشفاء والتوقعات المحيطة بها، بشأن قضية أو أخرى.
وهناك العديد من الأمثلة في العلاقات العربية في السنوات الأخيرة، والتي تم فيها استخدام النفط أو مشتقاته كأداة تأثير سلبية أو إيجابية أيضا، وهو ما يؤثر في العلاقات بين الأشقاء، رسميا وشعبيا أيضا بشكل محسوس.
ثانيا: انه إذا كانت الدول المنتجة والمصدرة للنفط قد عانت من الانخفاض الحاد في أسعار النفط في الأسواق العالمية منذ منتصف عام 2014، وعلى مدى أربع سنوات عجاف، حيث لم تبدأ أسعار النفط في التحسن إلا مع منتصف عام 2018، وهو ما أثر بشدة على كل الدول المنتجة والمصدرة للنفط، داخل أوبك وخارجها، فإن الدول المنتجة للنفط لم تكد تلتقط أنفاسها نسبيا، حتى ظهر فيروس كورونا – كوفيد -19- ليلقي بظلاله على العالم والتجارة والاقتصاد العالمي، وبشكل حاد وملموس.
وبالنظر إلى أن جمهورية الصين الشعبية، باقتصادها الضخم كانت أولى الدول المتضررة، وهو ما انسحب على الاقتصاد العالمي ككل، خاصة مع تضرر عشرات الدول ذات الأهمية الاقتصادية، إقليميا ودوليا، وعلى نطاق قطاعات الإنتاج والخدمات والسياحة والبورصات العالمية والتجارة والنقل البحري والجوي وغيرها، فإن أسعار النفط في الأسواق العالمية تدهورت هي الأخرى بشدة وسرعة، حيث خسرت أسعار النفط ما يتراوح بين 45 و55 في المائة من أسعارها، أي أكثر من نصف الأسعار، خلال الأسابيع الممتدة من أواخر فبراير حتى الآن. وهي خسارة عالية بكل المعايير والنتائج المترتبة عليها. وفي ظل هذا الوضع العام، جاءت قرارات زيادة الإنتاج من جانب بعض الدول المنتجة للنفط داخل أوبك، لتلقي بظلالها هي الأخرى على أسعار النفط في الأسواق العالمية. فمن المعروف أن المملكة العربية السعودية الشقيقة، وهي اكبر الدول المصدرة للنفط في أوبك، أعلنت أنها ستزيد إنتاجها اليومي من النفط إلى نحو 12.3 مليون برميل، وهو ما أكدت شركة أرامكو السعودية أنها تعمل على تحقيقه اعتبارا من أول أبريل القادم بشكل أو بآخر، كما أعلنت دول أخرى في أوبك دعم زيادة الإنتاج وهو أمر يؤثر على أسواق النفط وأسعاره بشدة، الآن وغدا بالتأكيد. على أية حال فإنه من غير المستبعد أن تشهد الأيام المتبقية من شهر مارس الجاري تحركات واتصالات، ثنائية وعلى مستوى أطراف متعددة، من أجل محاولة التوصل إلى توافق ما، خاصة بين المملكة العربية السعودية وبين روسيا الاتحادية، من أجل استعادة حالة التعاون والتنسيق بين الطرفين وغيرهما في إطار مجموعة «أوبك بلس» والتي نجحت على مدى اكثر من عامين في الحفاظ على أسعار النفط في مستويات مناسبة، من خلال الاتفاق على الحد من الإنتاج والالتزام به من جانب دول أوبك والدول الأخرى المنتجة للنفط من خارجها والمتعاونة معها. ومعروف أن رفض روسيا الالتزام بتخفيض مزيد من إنتاجها اعتبارا من أول أبريل القادم أدى إلى إنهاء مجموعة « أوبك بلس» ومن ثم ترك المجال للدول المنتجة للنفط لتنتج ما تراه محققا لمصالحها الذاتية، وهو ما ساهم في الواقع في مزيد من انهيار أسعار النفط في الأيام الأخيرة. وبغض النظر عما تردد حول الأسباب الكامنة وراء قرار إغراق السوق بمزيد من الإنتاج النفطي، برغم تدهور الأسعار، فإن مما له أهمية ودلالة أن روسيا لم تغلق الباب أمام إمكانية العودة إلى تنسيق وتعاون مع السعودية في إطار مجموعة « أوبك بلس» وذلك من خلال إعلانها أنها لا تستبعد إمكانية استئناف التنسيق بشأن حجم إنتاج النفط والحد منه بشكل يخدم مصالح كل الأطراف، فضلا عن نفيها أنها في حرب أسعار مع السعودية. ومع إدراك أهمية وضرورة استعادة التنسيق السعودي الروسي وإعادة إحياء مجموعة « أوبك بلس»، حتى يمكن وقف تدهور أسعار النفط في الأسواق العالمية ودفعها إلى التحسن ولو النسبي، أو على الأقل حتى لا تكون الأسعار تحت ضغط مزدوج، آثار كورونا من ناحية، وإغراق الأسواق بمزيد من الإنتاج النفطي من ناحية ثانية. ولعل الأيام القادمة تحقق ما يخدم مصالح كل الدول المنتجة والمصدرة والتي تعتمد على عائداتها النفطية بشكل أساسي، وذلك عبر البوابة السعودية الروسية، حتى تقل خسائرها وخسائر الاقتصاد العالمي بقدر الإمكان.
ثالثا: إن خبرة العقود والسنوات الماضية، أثبتت دوما وعلى نحو حاسم، أن التنافس لزيادة الإنتاج النفطي، سواء للحفاظ على حصة السوق، وعدم خسارتها لصالح منتج أو منتجين آخرين، أو لأسباب ودوافع أخرى، معلنة وغير معلنة، هو بمثابة حرق للأصابع في الواقع، لأن الدول المنتجة كلها، بما فيها المتنافسة أو المتصارعة هي من بين أول الخاسرين، لأنها تطرح مزيدا من النفط بأسعار اقل، وهو ما يعد نوعا من هدر الإمكانات الذاتية في النهاية. ولذا فإنه من المحتمل جدا العودة مرة أخرى إلى التوافق عبر مجموعة «أوبك بلس»على الأقل للحفاظ على إمكانيات وموارد الدول المنتجة للنفط.
على صعيد آخر فإنه ليس مصادفة أبدا أن يكون انخفاض أسعار النفط بشكل حاد في الأسواق العالمية قد اتجه ليصب في صالح الدول المستهلكة للنفط، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ورئيسها الذي يستعد لانتخابات الرئاسة في نوفمبر القادم.
صحيح أنه من المعروف أن انخفاض أسعار النفط لأقل من 30 دولارا للبرميل يؤثر سلبا على منتجي النفط الصخري الأمريكي، وهو ما بدأ في الظهور وسيتزايد في الفترة القادمة، مع كل مزيد من انخفاض الأسعار، ولكن الصحيح في الوقت ذاته هو أن الرئيس دونالد ترامب رحب بانهيار أسعار النفط لصالح المستخدمين الأمريكيين، والأكثر من ذلك انه أمر بملء خزانات الاحتياطي الأمريكي من النفط «حتى آخرها» على حد قوله، وذلك باستغلال انخفاض أسعار النفط في هذه الفترة.
وقد تردد أن أمريكا ستشتري نحو 475 مليون برميل من النفط لملء خزاناتها على آخرها. وبالطبع ما ينسحب على الولايات المتحدة ينسحب على كل الدول المستهلكة للنفط، وعدد منها له خزاناته الاحتياطية التي سيحاول على الأرجح زيادة النفط بها تحسبا للمستقبل.
وفي ظل هذا الوضع غير المواتي للدول المنتجة والمصدرة للنفط، داخل أوبيك وخارجها، فإنه لا مناص من العودة إلى التوافق في إطار مجموعة «أوبك بلس»، ليس فقط للحيلولة دون حدوث فوضى إنتاجية مع بداية أبريل القادم، وهي فوضى تهدد بزيادة حجم الإنتاج الفائض في أسواق النفط بدرجة عالية يصعب التخلص منها سريعا، ولكن أيضا للتوصل إلى خطوات تعيد ضبط السوق والحد من استمرار تدهور الأسعار ومحاولة تحسينها لصالح كل الدول المنتجة من داخل وخارج أوبك. والمؤكد انه لا يهم كثيرا من قدم ماذا؟
لأن المصلحة الجماعية للدول المنتجة للنفط تتضمن في الواقع المصالح الفردية للمنتجين، وحتى لا يكون حرق الأصابع لصالح الآخرين، فشعوب الدول المنتجة للنفط ومصالحها، الآن وفي المستقبل، احق بالحفاظ على تلك الموارد واستخدامها الاستخدام الأمثل لصالح أجيالها في الحاضر والمستقبل، وهذا هو جوهر الدرس الذي يتكرر بين وقت وآخر ويتأكد مرة أخرى الآن، أما إذا استمر التنافس أو التصارع أو الرغبة في الإضرار بطرف أو أطراف أخرى، فإن فوضى أسعار النفط إذا حدثت ستكون مدمرة بشكل يتجاوز أسوأ التوقعات. ولذا فإن المرجح هو أن التوافق قادم لا محالة.

جريدة عمان

مجانى
عرض