في مديح الكورونا !

غادة الأحمد –

ليس مدحًا في البلاء، بقدر ما هو النظر إلى نصف الكأس الملأى، من خلال بعض المواقف التي نتجت خلال الفترة الماضية، التي تعيشها الإنسانية جمعاء جراء التصدي لفيروس كورونا المستجد، تلك المواقف تؤسس لمرحلة جديدة في حياة الإنسانية عنوانها: التكافل والحنو والمساندة والرأفة. فقد أطلق الملياردير الإيطالي جورجيو أرماني صرخة وموقفا نبيلًا حين قال: (لن أدع إيطاليا تسقط على ركبتيها حتى وإن أنفقت عليها كل ثروتي). لعلها مرحلة جديدة وبداية إحياء إنسانية الإنسان. ومن موقفه هذا توالت بعض المبادرات على خارطة العالم لمشاهير وفنانين ولاعبي كرة ومبادرات المجتمع المدني في أغلب البلدان ومن قلة من الفنانين العرب بتكفل إطعام عائلات فقيرة أثناء الحجر الصحي. هذا التكافل والتضامن هو العلاج الحقيقي لكورونا وما بعد كورونا!!! علماء الاجتماع يرون أن هذه الجائحة العالمية، ستعيد صياغة عالم جديد، وعلينا أن ننظر بعيدا، أمامنا وخلفنا، لكي نفهم ما يحدث في العالم بالضبط. فقد نشر جاك أتالي المنظر الفرنسي وعالم الاجتماع مقالا في مدونته حول تداعيات فيروس كورونا المستجد، تنبأ فيه بحدوث تغييرات عميقة سيشهدها العالم بأسره، تغييرات ستطال بُنى العولمة التقليدية وتعيد تشكيل ثوابت المجتمعات الاستهلاكية الكبرى. وفي مقاله الذي عنونه بـ(ما الذي سيولد منه؟) تحدث عالم الاجتماع عن ولادة (سلطة شرعيَة جديدة) غير مؤسسة على الإيمان أو القوة أو العقل، وإنما على (التعاطف) في وقت الأزمة. ورأى أن الهيمنة ستؤول إلى القطاعات الاقتصادية التي أظهرت تعاطفها مع الناس، كقطاعات الصحة والمشافي والتغذية والتعليم والبيئة، وهي قطاعات تعتمد بالطبع على كبرى شبكات إنتاج وتوزيع الطاقة والمعلومات اللازمة في كل الأحوال. (سنتوقف كذلك عن شراء السلع غير الضرورية، بشكل محموم، ونعود إلى أساسيات حياتنا، أي الاستفادة من مرورنا على هذا الكوكب إلى أقصى حد، كوكب سنكون قد تعلمنا أن ندرك كم هو نادر وثمين. وحيئذ، سيتمثل دورنا في جعل هذا الانتقال سلسًا قدر الإمكان، بدلا من تحويل كوكبنا إلى حقل من الخرائب). ويبدو أن الأرض بدأت تستعيد عافيتها حسب وكالة ناسا الفضائية، فقد انخفض مستوى التلوث العالمي بنسبة 48% نتيجة لتباطؤ النشاط الاقتصادي، وتوقف المعامل، والرحلات الجوية، وتوقف وسائط النقل في معظم بلدان العالم، ورصدت تكاثر لأنواع جديدة من الحيوانات والغطاء النباتي. الحجر الصحي الإلزامي أعاد تجميع العائلة الواحدة من جديد، وإيجاد فرصة للتشاركية في العمل والتفكير واللعب، بعد سنوات من الفردانية والتشتت العائلي، وعادت معه الألفة والرحمة، وجاءت فرصة حقيقية لإعادة التفكير في حياتنا وأهمية عيشنا، وتفاعلنا مع أنفسنا أولا، وعائلاتنا ثانيا، ومع مجتمعاتنا وأوطاننا والإنسانية جمعاء، وكان مناسبة لإكمال مشروعات مؤجلة، وفرصة نادرة لقراءة الكتب كل حسب اهتماماته. الجانب الروحي هو الآخر تنشط عند معظم الناس، وعاد الإنسان ليرى حقيقة ضعفه بعد قرون من التجبَر والجشع والتسلط، والابتعاد عن القيم الروحية السامية، بالاعتراف بالخطيئة والتكفير عنها وطلب الصفح والغفران. كورونا سيمر وينتهي كما انتهى غيره من الفيروسات، وسيأتي غيره، وتخضع البشرية لامتحانات جديدة أخلاقية وعلمية، والأهمية تكمن في مقدار تعلم الدرس وأخذ العبرة على جميع الأصعدة، ووضع الخطط والاستراتيجيات حسب سلم الأولوية الذي فرضته هذه الجائحة، فلا يبقى مرورنا على هذا الكوكب بلا أثر ولا أهمية!!!!