وعي الجماهير .. هو الرهان

أحمد بن سالم الفلاحي –

ما تعكسه حالة الوباء الحالية التي تتقصى كل الأبعاد: الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي تعيشها الجماهير، وبصورة مباشرة، وانعكاس لهذه الحالة الصادمة حقا للجميع يرى بعض المنظرين أنه بعد انتهاء هذه الحالة العارضة إن شاء الله، سوف تتغير كثير من الممارسات والأولويات والترتيبات لدى المجتمع الدولي،

تعيش الجماهير حالة تقاطع دائمة مع ما حولها، وليس يسيرا البتة أن تكون هذه الجماهير مطاوعة، مستسلمة لكل ما يحيط بها، فهي شديدة التلكؤ، وشديدة العناد، سقفها عال للنقاش، وتكورها على آرائها مساحة آمنة بالنسبة لها، حيث تمارس سلوكياتها بالطريقة التي تريدها، وتذهب في ذلك شأنا بعيدا، ولذلك فالرهان على توافقاتها لأمر ما؛ صعب جدا، ولا يمكن التكهن بنتائجه الإيجابية، تذهب بها العواطف والمشاعر إلى درجة الصلف، وإلى فقدان الأمل في عودتها إلى سيرتها الأولى.
هناك من يرى أن الجماهير تحتاج إلى حالة صادمة، حتى يمكن تطويعها، وهناك من يقول: أن القوانين الصارمة، والجزاءات القاسية، هي الكفيلة بالسيطرة على الجماهير، وثالث يرى: أن كل جمهور يرتكن إلى ثيمة ما، ومن خلالها يمكن اصطياده ولي ذراعه، ورابع؛ ينزل الجماهير عند فهم «عقلية القطيع» ومتى عرف من يقود القطيع، أمكن عندها وقف مسيرته السريعة المنطلقة، والنظر في الطريقة المثلى للحوار معه، وخامس؛ يؤكد أن أي جمهور يحتاج إلى مغذيات مستمرة، يحقن بها حتى يستجيب، ويستكين، وهذه عملية تحتاج إلى زمن من التربية والتعليم، ولكن عوائدها أضمن، وأسلم.
يقول عالم الاجتماعي الفرنسي؛ غستاف لوبون: «إن الجماهير غير ميالة كثيرا للتأمل، وغير مؤهلة للمحاكمة العقلية، ولكنها مؤهلة جدا للانخراط في الممارسة والعمل» وهو ما يتوافق مع قول: «أغمض عينيك واتبعن» فالمفهومان جدا متوافقان، وهو نفس الفهم الذي تذهب إليه نظرية «عقلية القطيع» وهو أن الجماهير تنساق إلى قائدها – كيفما يكون وضع هذا القائد، زمانا ومكانا – دون أن تلتفت إلى محتواها الذاتي، حيث تسلم الأمر، يكاد يكون تسليما مطلقا، وبالتالي ينظر إلى الجماهير في عموميتها على أنها منقادة وموجهة بنسب متفاوتة، بناء على عوامل كثيرة، أغلبها تربوية، أما أنها «منفلتة من عقالها» فهذه حالتها المطلقة، ووقوفا عند هذا الفهم، تأتي الجماهير بسلوكيات، وممارسات قد لا تتفق مع ما يذهب إليه التوجه العام للدولة أو للمجتمع في مستواه الأصغر؛ على سبيل المثال؛ وإنما تظل الجماهير تتحرك انطلاقا من قناعاتها الذاتية، إلا في حالة واحدة، وهي وجود تلقين مستمر للذاكرة الجمعية، وهذه الحالة تحتاج إلى «طولة بال» كما يقال، أو تصطدم هذه الجماهير بموقف صادم وقاسٍ، ومؤلم.
يمكن اليوم اتخاذ وباء (كورونا – كوفيد19) الذي يحل على العالم ضيفا ثقيلا مثالا لما هي عليه المناقشة الآن، ومعايشة سلوكيات الجماهير في كل الدول المصدومة بهذا الوباء، ومثال ذلك: فقد تواردت أنباء إبان بداية أزمة جائحة (كورونا – كوفيد19) من إيطاليا، على أن الجمهور الإيطالي ضرب بعرض الحائط كل التعليمات والتنبيهات الصادرة من الجهات المعنية، وعندما استفاق من غفوته، فإذا به يغرق في مستنقع هذه الجائحة، وهو اليوم ينظر إليه على أنه من أكثر الشعوب التي تتلقى مأساة تأثيرات هذا الوباء المخيف، وفي حالة تكاد الحكومة الإيطالية فيها على «قاب قوسين أو أدنى» من فقدانها السيطرة على الوباء، وهذا أمر ترتعد فيه الفرائص من هول واقعه، وبعد أن حلت الكارثة تتوارد أخبار «مرتدة» عن سكان الجمهورية الإيطالية، وندمهم العميق على عدم تقيدهم بالتعليمات الصادرة من المؤسسة الرسمية في آليات وطرق التعامل مع كورونا، ونتيجة لذلك تواجه إيطاليا اليوم أكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم، حيث تذكر بعض المصادر أن حالات الوفاة تصل إلى أكثر من (400) مصاب في اليوم الواحد في بعض الأسابيع، وبذلك فهي تكاد تزيد في تأثيراتها على الصين، منشأ الوباء الأول، وإيران التي تشاركها ذات المستوى من الخسائر البشرية.
أثار مقطع جماهير أحد الأندية؛ هنا في السلطنة؛ حفيظة جمهور التواصل الاجتماعي، وصدرت في ذلك تعليقات كثيرة، أغلبها عاتبة على هذا التجمهر والحشد الكبيرين في ظل وجود تعليمات واضحة وصارمة؛ صادرة من اللجنة العليا المكلفة بمتابعة حيثيات المرض الوبائي (كرونا – كوفيد19) الجائحة التي حلت بالعالم، وهي التعليمات الذاهبة إلى محاولة حصر الحالات المصابة في إطار ضيق جدا، ومطالبة الجماهير الكرام على امتداد السلطنة بالتقيد بالتعليمات، وعدم غض الطرف عنها، لأن في ذلك سرعة انتشار المرض أكثر مما هو متوقع، ولا تزال مجموعة القرارات والتعليمات تصدر عن هذه اللجنة؛ الدائمة الانعقاد، فهناك تعليمات صارمة، وقرارات تنفيذية حاضرة تتمخض عن اجتماعات اللجنة العليا للتعامل مع تطورات كورونا، ولكن ما هو نصيب الامتثال من قبل الجمهور تجاه هذه التعليمات وهذه القرارات، حيث وجدها البعض فرصة للتنزه، وارتياد الأسواق، وغيرها من الممارسات التي لا تنم عن استيعاب خطورة هذه الممارسات المتقاطعة مع هذه التعليمات والقرارات الصادرة، فلا يزال الجمهور يحتكم إلى قناعاته، ورؤاه الخاصة جدا، ولا يقبل أن يتشارك مع الآراء الأخرى التي يراها من وجهة نظره أنها تحد من انطلاقته، وتحصر سلوكياته التي اعتاد عليها حينا من الدهر.
يضيف لوبان: «الجماهير غير مؤهلة للمحاكمة العقلية» فالجمهور سابح في بحر هواه، وفق قناعاته التي يؤمن بها، ومستسهل كل الأمور القائمة صغيرها وكبيرها، ومسألة تنظيمية وفق نظم وقوانين ليس يسيرا مطلقا، ويحتاج إلى جهد كبير، وحتى هذا الجهد إن تحقق منه (50 +1) فهذا إنجاز يحسب للقائم بعملية الاتصال، سواء جهة رسمية، أو مؤسسة مجتمع مدني، أو حتى على مستوى الأسرة الواحدة في المجتمع، فكل هذه الحواضن لها جمهورها الخاص بها، وعلى مستواها يقاس حجم جمهورها، والحال لا يختلف كثيرا عند الجمهور الـ «مؤسسي» أي الجمهور الخاضع لتنظيم المؤسسة، من حيث القوانين والأنظمة المعمول بها داخل المؤسسة، ما هو نصيبها من إيمان مجموعة العاملين داخل المؤسسة بها، ومدى التزامهم، وتطبيقهم لقراراتها؟
الواقع يقول: أن لا تجاوب مطلق، إلا بنسب متفاوتة بين قطاعات هذا الجمهور، لهذه الأنظمة والقوانين، والقرارات المتمخضة عنها، حيث لا تزال الخروقات، والتحايلات، والبحث عن نقاط الضعف فيها، ماثل لدى عدد كبير من الموظفين، وخاصة في الجانب الذي يحفظ حق المؤسسة، ويعلي من سقف الواجب على الموظف، أما عندما يكون العكس، فالأمر مختلف جدا، وهذا مما يؤكد على أن التعامل مع الجمهور تعامل صعب، وليس يسيرا بالمطلق، وهنا يؤكد لوبون كما جاء في كتابه (سيكولوجية الجماهير) على: «إن نفسية الجماهير تبين لنا إلى أي مدى يكون تأثير القوانين والمؤسسات ضعيفا على طبيعتها الغرائزية العنيفة. كما تبين لنا إلى أي مدى تبدو عاجزة عن تشكيل أي رأي شخصي ما عدا الآراء التي لقنت لها أو أوحيت إليها من قبل الآخرين»- انتهى النص – وهؤلاء الآخرين هم مؤسسوا القاعدة التربوية لأي نوع من أنواع الجماهير، ومغذوها طوال سنوات الإعداد بالكثير من القيم الحاكمة والضابطة، حتى يتسنى لهذا الجمهور أو ذاك من ينصاع، ولو بصورة نسبية لما تمليه عليه واجباته تجاه المجتمع الذي يعيش فيه، ولما يمليه عليه الواجب الوطني على أقل تقدير، إن لم يكن ينصاع بالمطلق لجميع الواجبات المحيطة به في المحاضن المختلفة.
وأختم هنا بطرح التساؤل التالي: هل يحتاج الجمهور؛ فعلا؛ إلى حالة صادمة حتى يستفيق، ويؤمن بالقرار الرسمي أو الاجتماعي، وعلى أنه جاء لمصلحته؟

الواقع يقول: نعم، والدليل ما تعكسه حالة الوباء الحالية التي تتقصى كل الأبعاد: الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي تعيشها الجماهير، وبصورة مباشرة، وانعكاس لهذه الحالة الصادمة حقا للجميع يرى بعض المنظرين أنه بعد انتهاء هذه الحالة العارضة إن شاء الله، سوف تتغير كثير من الممارسات والأولويات والترتيبات لدى المجتمع الدولي، فما هو ثانوي اليوم، قد يصبح رئيسيا، وما كان مهملا، سيكون مهما، وما كان مركونا سيصبح في مقدمة الركب.