فتاوى لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة

الإنسان ليس له التخلص من أية مسؤولية بدعوى قضاء الله تعالى وقدره –
■ القضاء والقدر لغة يتحدث بها من يقع في المخالفات الشرعية، فبماذا يجاب على هؤلاء؟

كل شيء بقضاء وقدر، فلو قتل إنسان إنسانا فإنه لم يقتله إلا بقضاء وقدر، ولو زنى الزاني – والعياذ بالله – فهو لم يزنِ إلا بقضاء وقدر، ولو شرب أحد الخمر فإنه يشربها بقضاء وقدر، وآكل الربا إنما يأكله بقضاء وقدر، وكل معصية يرتكبها الإنسان يرتكبها بقضاء وقدر، لكن لا يعني ذلك إعفاء الإنسان عن مسؤوليته، فالله تعالى الذي خلق هذا الوجود هو خبير بكل ما يجري، وبكل ما سيقع في هذا الكون، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فهو سبحانه يعلم طوايا النفوس قبل أن تخلق ويعلم الدوافع التي تدفعها إلى الخير والتي تدفعها إلى الشر، ويعلم مدى استجابتها للخير واستجابتها للشر، ولكن مع هذا كله فإن الله تعالى آتى الإنسان اختيارا، وكل أحد يرى الفرق بين حركته الاختيارية والحركة الاضطرارية، فعندما يحرك يده باختياره يجد أن تلك الحركة مخالفة للحركة التي تقع لليد اضطرارا كحركة الرعشة مثلا، والإنسان مؤاخذ بكسبه، فالزاني – مثلا- ليس معاقبا بقضاء الله وقدره، وإنما هو معاقب بكسبه الزنا وقد كان كسبه باختياره بنفسه، وقد علم الله تعالى هذا الاختيار وهو في الأزل فلذلك قضى انه سيقع ذلك لأنه علم أن العاصي سيختار الشر على الخير وسيؤثر هوى نفسه على طاعة ربه سبحانه فحكم الله تعالى بما حكم به عليه في الأزل لا لأجل أنه متصرف كما هو الشأن في الميت الذي لا حراك له وإنما هو متصرف باختياره، وقضاء الله تعالى وقدره جرى حسب علمه عز وجل من اختيار هذه العبد، فليس للإنسان أن يتخلص من أية مسؤولية بدعوى قضاء الله تعالى وقدره، ولو كان الأمر كذلك لما بقيت مسؤولية على أي أحد، فلا تثريب على قاتل النفس أن يقتل ولا يلزم من سرق أن تقطع يده بحسب الحكم الشرعي وان ترد السرقة إلى أهلها ولا يلزم أن يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر بل المفروض لو كانت المسؤولية على القضاء والقدر أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويخلى كل أحد يرتكب ما يرتكب لأن كل ما يجري إنما هو بقضاء وقدر ولكن أنّى يكون ذلك. ونحن نعلم أن الله تعالى لا يعصى بإكراه فإن عصاه العبد فإن تلك المعصية لا تكون خارجة عن إرادة الحق تعالى ولكن إرادته أن يعطي الناس القدرة على الاكتساب وأن يؤاخذهم بما كسبوا ويثيبهم على اكتسابهم الخير ويعاقبهم على اكتسابهم الشر، والله تعالى المستعان، والله اعلم.

■ هل يمكن أن نصف الحالات التي نعيشــها من فقر وغنى ونجاح وفشل أنها أقدار كتبت علينا، أم أنها أقدار نكتبها بأيدينا؟

سبحان الله ما أعجب هذا السؤال وما أغرب هذا التفكير فمن الذي يغني أو يسعد؟ ومن الذي يكتب لنفسه النجاح أو الفشــل؟ أترون أن أحدا يريد لنفسه الفقر أو الفشل أو المرض أو العقم أو البؤس أو الخمول، أو أن تلك هي قسمة الله بين عباده وهو أحكم الحاكمين؟!.
إن بعض النــاس كثيرا ما تكون عندهم نوادر فــي الآراء والأفكار، وقد يطوعون آيات القرآن الكريم أو نصوص الحديث النبوي الشريف لما يعتمل في نفوســهم من أفكار وما ينقدح في أذهانهم من تصورات، ســوءا أمكن حملها على ما أرادوا أو تعذر، وقــد يدفعهم أحيانا حب الظهور إلى مخالفة الجمهور والخروج عن المشهور بناء على قاعدة: «خالف تعرف»، ومن ذلك أن أحد المفسرين المعاصرين فســر قول الله تعالى: «يغفرُ لمن يشاءُ ويعذّبُ من يشاء» بما معناه يغفر لمن يشــاء المغفرة بسلوك الأسباب الموصلة إليها، ويعذب من يشاء العذاب بسلوك الأسباب المؤدية إليه، فجعل المشيئة مشــيئة العبد في العذاب والمغفرة وســلبها عن الله تبارك وتعالى إذ جعل فاعل فعلها «يشاء» ضمير العبد المغفور له أو المعذب.
وقد وجه إليــه ـ إبان تأليفه هذا التفســير ـ شــيخنا العلامة إبراهيم بن سعيد العبري رسالة حافلة بالأدلة المقنعة بين له فيها أن النصوص القرآنية لا تطاوعه على هذا التفســير، لأنه لا يمكن أن يُعجل فاعل يشاء في هذه الآية ضميرا راجعا إلى العبد المغفور له أو المعذب مع أن فاعل المشيئة في نصوص كثيرة مشابهة لا يمكن أن يكون غير الله، من ذلك قول الله تعالى: «يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُور، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير». فهل من شــاء الإناث يوهب الإناث ومن شاء الذكور يوهب الذكور، وهل من أحد يشــاء بنفســه أن يكون عقيما، ولئن قدرنا هناك من يشاء بنفسه أن يكون عقيما فهل هذه المشيئة يتفاعل الواقع معها، فيكون الذي يختار العقم بنفســه عقيما، والذي يريد لنفســه الذكــور يوهب الذكور، والذي يريد الإناث يوهب الإناث، والذي يشــاء الذكــران والإناث معا يوهب الذكران والإناث معا وذلك أن يوهب كما يشــاء، أو أن ذلك كله راجع إلى مشيئة الله.
وسرد له غالب آيات المشــيئة، ومنها الآيات التي فيها خطاب االله تبارك وتعالى، وإسناد المشيئة إليه كقوله: «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير».
أوليس في هذا ما يكفي دليلاً على أن مشيئة المغفرة والعذاب لله وحده وإلا فكيف يتصرف في هذه الآيات بحســب الهوى فتجعل المشيئة تارة الله وتارة للعبد وهل يعقل أن أحدا مهما كانت شقاوته يشاء لنفسه العذاب ولكن شهوته هي التي تدفعه إلى ارتكاب الأعمال التي تؤدي به إلى العذاب، وما أشبه هذا الســؤال وما ينم عنه من تفكير ســائله بما ذكرته من هذا التفسير الشاذ المصادم للنصوص والعقل، والله أعلم.

جريدة عمان

مجانى
عرض