سلام أفغانستان في يد الفرقاء .. وأمريكا تنسحب

يسرا الشرقاوي –

توقيع اتفاق السلام الذي طال انتظاره بين حركة طالبان الأفغانية وسلطات الولايات المتحدة الأمريكية، لا يعني بالضرورة أن أشكال المواجهات التالية على ساحة أفغانستان، ستكون بين طالبان من جانب، والحكومة الأفغانية بقيادة الرئيس أشرف غاني. فكرة أن الاتفاق الذي بدأ التفاوض بشأنه منذ نهاية عام 2018، ولاقى ما لاقى من عقبات وخلافات، قد تم، وأن الانسحاب الأمريكي يعني إطلاق المواجهة المباراة بين فرقاء أفغانستان، تبدو فكرة بالغة التبسيط وغير واقعية.
ذلك المنطق في قراءة الأحداث يتوقف على عدد من العوامل. يتمثل أول العوامل في الدافع الأمريكي، والتفاعلات القائمة بين المؤسسات الأمريكية المختلفة فيما يخص اتفاق السلام مع طالبان.
مفهوم أن اتفاقية السلام والقبول الأمريكي بتنازلات، مثل عدم التزام حركة طالبان أولا بنزع السلاح، وإنما التزامها بـ«تراجع أعمال العنف»، مرجعه سياسي، أو بالأحرى انتخابي.
ركزت إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب منذ يومها الأول على عدد من المبادئ، منها تقليص الدور العسكري الخارجي للولايات المتحدة، وإعادة القوات الأمريكية إلى ديارها، في مخاطبة مباشرة لقاعدة الناخبين والمؤيدين المرهقين بفعل حروب وخسائر ما بعد اعتداء الحادي عشر من سبتمبر. وفي قرار ترامب بالانسحاب من سوريا، وما أحدثه من شقاق بين مؤسسات الحكم الأمريكي، خير مثال.
اتفاقية السلام مع حركة طالبان، وبند انسحاب 5 آلاف جندي أمريكي، خلال 135 يوما، على أن يتم انسحاب باقي الـ12 ألف جندي خلال 14 شهرا، يعتبر دعما كبيرا لفرص ترامب خلال عام انتخابات التجديد الرئاسي. يعني ذلك أن النهاية وشيكة للحرب التي بدأت فعليًا في السابع من أكتوبر 2001، فتكلفت حوالي 2 تريليون دولار وأسقطت خسائر بشرية في قوات التحالف تقدر بنحو 3500 جندي، بينهم حوالي 2400 جندي أمريكي.
ولكن مقابل الاحتفاء الترامبي وتصريحاته بأنه قد يلتقي قادة طالبان بشكل شخصي خلال المستقبل القريب، يلاحظ حرص باقي مؤسسات الحكم الأمريكي على «لهجة» أقل اندفاعًا وأكثر «تحذيرًا».
فقد أكد وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، على سبيل المثال، على مبدأ «التمهل»، فقد أكد في تصريحات واقعية رافقت توقيع الاتفاقية، «أعلم انه سيكون هناك إغواء لإعلان النصر، ولكن النصر بالنسبة للأفغان سيتحقق فقط إذا ما تحقق لهم العيش في سلام ورخاء». والأهم، ما كان من تصريحات أمريكية متعددة حول أن دوام الاتفاق ونجاحه مرهون بأداء جانب طالبان نصيبه من الالتزامات المقرة في الاتفاق.
ويمكن الجدل بأن الاتفاق ذاته، وليس حتى علاقة فرقاء أفغانستان قد تعرضت إلى ضربة مبكرة، إذا لم تتردد القوات الأمريكية في توجيه ضربة إلى معقل طالبان في إقليم هلمند بعد توقيع الاتفاق، وذلك ردا على اعتداء عناصر طالبانية على نقطة تفتيش. كولونيال سوني ليجيت، المتحدث العسكري الأمريكي في كابول، وصف الضربة بأنها «دفاعية»، مشددا على التزام الجانب الأمريكي بالسلام، وإن كان ملتزم أيضا بالدفاع عن «حلفائه». هناك إدراك أمريكي واضح إذن، أن مسألة الانسحاب من المشهد الأمريكي لن تكن «قاطعة»، وقد يكن هناك تراجع عن فكرة الانسحاب في أي وقت تسوء فيه الأمور، كما سبق وصرح الرئيس ترامب ذاته.
يعني ذلك أن فكرة المواجهة المباشرة بين فرقاء أفغانستان لن تكن وفقًا لنموذج إخلاء الساحة لهما. وحتى وإن تحقق ذلك، وهو مستبعد تماما، فإن النتائج لن تكن في صالح اتفاق السلام «الهش»، أو حتى عملية الاستقرار «الأكثر هشاشة» في أفغانستان. فيلاحظ أن العلاقات بين الجانبين، طالبان، والحكومة الأفغانية، لم تصل إلى القدر المطلوب من «الفاعلية» و«الإصلاح»، والذي كان يفترض تحقيقه قبيل الحديث عن انسحاب أمريكي.
فهناك العقبة الأساسية، وهو إقصاء طالبان للحكومة الأفغانية من المفاوضات التي مهدت للاتفاق.
ويلاحظ أيضا، التشدد الطالباني في ما يتعلق بعدد من النقاط بالغة الحساسية بالنسبة للسلطات الأفغانية. يتقدم هذه النقاط، انه بالرغم من التزام طالبان، وفقًا للاتفاق، بعدم السماح بأن تصبح أفغانستان قاعدة لنشاط التنظيمات والحركات الإرهابية الدولية، إلا أن طالبان، أيضا، حرصت على تجنب وصف تنظيم «القاعدة»، المدبر لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، بأنه «إرهابي» وفقًا لاتفاق السلام الرسمي. كما أن النقاط الأهم، مثل « وقف إطلاق النار الفعلي» سيتم التفاوض بشأنها لاحقًا بين الجانبين الطالباني والأفغاني الرسمي.
فكرة التفاوض على وقف إطلاق النار في أعقاب تأمين اتفاق على بدء الانسحاب الأمريكي أولا، تبدو انتصارًا مدويًا لطالبان، لا تنال منه تأكيدات الإدارة الأمريكية لجانب الحكومة الأفغانية بالتواجد والدعم. ولا حتى تنال منه ضربة هلمند. فيمكن تصور هذه المفاوضات وحالات الصعود والهبوط، التي ستشهدها، خاصة مع الخلافات الداخلية بالحكومة الأفغانية من جانب، وإحساس عنصر طالبان بالقوة من جانب آخر.
فبخلاف، فرض طالبان الكثير من شروطها خلال عملية التفاوض الأخيرة، هناك إحساس لدى قادتها بالقوة، ليس متمثل في إخراج القوات الأمريكية فحسب و«هزيمة خيلاء البيت الأبيض أمام العمة البيضاء»، وفقا لتصريح المسئول الإعلامي لطالبان على هامش توقيع اتفاق السلام، وإنما أيضًا في ما يكشفه الواقع الميداني.
فوفقا لصحيفة «نيويورك تايمز» أن الربع الأخير من عام 2019، شهد ارتفاع كبير في تعداد العمليات التي قامت بها عناصر طالبان، حتى أن الصحيفة الأمريكية قدرتها بحوالي 8204 هجومات، في أعلى نسبة على مدار العقد الأخير. ذلك الشعور بالقوة، يرافقه صعوبة في تقدير الحجم الحقيقي للخسائر التي لحقت بصفوف طالبان، يدعم شعور قياداتها بأنها تقوم بالتفاوض من منطلق قوة.
والعقبات لا تتوقف عند هذا الحد فيما يخص علاقة الفرقاء في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي المفترض. فهناك أيضا مسألة «السجناء». فمن أهم البنود التي يفترض بدء التفاوض بشأنها، ما يتعلق بإطلاق السلطات الأفغانية سراح حوالي 5 آلاف سجين محسوبين على الجانب الطالباني، فيما يفترض أن يبادر الجانب الأخير بإطلاق سراح نحو ألف من العناصر العسكرية الحكومية .
تلك المسألة تحديدًا من أهم المسائل التي لاقت تعنت واعتراضات من جانب السلطات الأفغانية. ويرافق مسألة السجناء، مسألة «اقتسام السلطة»، والرؤية المستقبلية لتوجيه البلاد، وتلك تحديدًا تعتبر «أم الخلافات»، خاصة في ما يتعلق حول اختلاف الرؤى بين الجانبين حول مسألتي حقوق المرأة ووضعية الأقليات في أفغانستان. وبمقدار اشتعال العنف في أفغانستان بشكل يفوق السيطرة، ستكون هيمنة طالبان وفرضها قواعد قمعية كسبيل جديد لاعتبار أفغانستان، فيتنام الجديدة بالنسبة للمؤسسات العسكرية والدبلوماسية الأمريكية. خلافات الفرقاء في أفغانستان لن تنتظر تحقيق الانسحاب الأمريكي، ذلك إذا ما تحقق فعلا.