الأكثر فقرا.. بيئات الهشاشة والصراع والعنف

د. عبد العاطي محمد –

في أحدث تقاريره عن حالة الفقر والمشكلات التي تعوق التنمية المستدامة، أكد البنك الدولي أن الفقر المدقع هو المشكلة الكبرى التي تواجه البيئات التي تتسم بالهشاشة والصراع والعنف، وأعرب عن قلقه ليس فقط لما يسببه ذلك من تدنى فرص الحياة للدول التي تدخل ضمن هذه البيئات، وإنما أيضا لما يسببه من مخاطر على الدول التي قطعت شوطا جيدا في التنمية المستدامة، وكذلك على استقرار ورفاهية العالم ككل.

ولمواجهة هذا التحدي وضع البنك استراتيجية تمتد من 2020 إلى 2030.
ولتقريب الصورة عند القارئ، يشير التقرير الذي وضعته مجموعة من البنك الدولي بهذا الخصوص، إلى أن المقصود بمفهوم البيئات التي تتسم بالهشاشة والصراع والعنف أنه يغطى ثلاثة قضايا غالبا ما تكون مترابطة مع بعضها وهي:
أولا وجود مشكلات حادة تتعلق بالحوكمة مع ضعف مؤسسات الدولة، وثانيا أوضاع الصراع المحتدم، وثالثا ارتفاع مستويات أعمال العنف فيما بين الأفراد وتلك التي ترتكبها «العصابات» بتعبير خبراء البنك.
وواضح من هذا التعريف الإجرائي أن الدول التي تدخل في نطاق البيئات التي تتسم بالهشاشة والصراع والعنف هي من جهة أولى الدول التي بها حكومات لا تحاسب نفسها من داخلها ومن الطبيعي هنا أن يعمها الفساد الإداري والمالي، ومن جهة أخرى تعيش أشكالا من الصراع بين جماعاتها وداخل هذه الجماعات وبينهم وبين السلطات الحاكمة أو بمعنى أكثر صراحة ما يسمى بأشباه الدول حيث لا مؤسسات بالمعنى المعروف لدى أية أنظمة سياسية ناجحة، ومن جهة ثالثة أنها دول تصحو وتنام على أحداث من العنف ليس هناك ما يشير إلى نهاية قريبة لها.
ولم يهتم التقرير بتحديد الدول التي تندرج تحت هذه البيئات المقلقة لاستقرار ورفاهية العالم المعاصر، لأن خبراءه معنيون أساسا بوضع إستراتيجية عامة تواجه هذا الوضع، تتفق ودوره في محاربة الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك.
المقصود بالفقر المدقع، كما هو معروف لدى الكافة، بأنه حالة تتسم بالحرمان الشديد من الاحتياجات الأساسية للإنسان من غذاء وصحة وتعليم ومأوى وخدمات الصرف الصحي، وهو يختلف عن تعبير خط الفقر الذي يشير إلى الحد الأدنى الذي يجب توفيره من مستوى المعيشة الملائم.
ولكن المهم هو أن التقرير يدق جرس الإنذار من الآن فيما يتعلق بتطور ملفت وخطير من واقع دراسات الخبراء، يتعلق بمستوى الفقر وجغرافيته اللذين تغيرا كثيرا بتأثير ما لحق العالم المعاصر من تحولات حادة في كل شيء وبسرعة التغييرات التي تتم كل يوم.
يشير التقرير إلى ثلاث حقائق، أولاها أنه بحلول عام 2030 سيعيش أكثر من نصف فقراء العالم المدقعين في بلدان تسودها أوضاع الهشاشة والصراع والعنف، وثانيها أن أوضاع الهشاشة في العالم تدهورت تدهورا كبيرا في الأعوام الأخيرة وباتت تؤثر على البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل على السواء.
ثالثها أن الصراعات العنيفة زادت إلى أعلى المستويات التي لوحظت خلال الثلاثين عاما الماضية ونتج عن ذلك أن العالم اليوم يواجه أكبر نزوح قسري، وتتضاءل فرص الحياة ويزداد التمييز والإقصاء والشعور بالظلم بين الناس، وغالبا ما تتعمق المأساة وسط ظروف تغير المناخ البيئي والتغيرات السكانية والهجرة والتحولات التكنولوجية (التقنيات الرقمية) والتدفقات المالية غير المشروعة وحوادث الطرق العنيفة، وكل هذا ينقل الخطر من محيطه المحلى إلى خارج الحدود فتتأثر به سلبا الدول الأخرى التي حققت قدرا طيبا من التقدم.
ولو أضفنا تأثير الفجوة الرقمية بين شعوب عالم اليوم، فإنه لن يكون من المبالغة القول إن البشرية في طريقها إلى تقسيم جديد بين نوعية البشر أو بين الإنسان في عالم امتلك التقنية الرقمية وسيطر على المعرفة المرتبطة بها وآخر محروم منها لأنه يعيش في بيئة من هذه البيئات التي يتخوف منها تقرير البنك الدولي، تلك البيئة التي لا تمكن أبنها من أي ملمح من ملامح التقنية الرقمية.
هنا نصبح أمام نوعين من البشر مع أنهما كائن واحد يجمع كل سمات الإنسان كما خلقه الله سبحانه وتعالى، إنسان انطلق إلى أعلى آفاق التقدم والرفاهية وآخر قابع في التخلف!!.
لقد اعتاد البنك الدولي على طريقة محددة في العمل هي التركيز على برامج إعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع، ولكنه الآن في ظل المستجدات التي نتجت عن وجود بيئات استحكم فيها الصراع والعنف وانهارت فيها مقومات الدول الحديثة، يركز على الوقاية أي القيام بأنشطة تمنع الوصول إلى حالة هذه البيئات بكل ما تتسم به من خصائص معوقة للتطور والتقدم ودافعة لعدم الاستقرار وطنيا وخارجيا. كما يركز على التخفيف من أضرار هذه البيئات.
الاستراتيجية التي يتحدث عنها البنك الدولي (2020- 2030) للتعامل مع ظروف هذه النوعية من البلدان ذات البيئة الهشة والصراع والعنف تتنوع صورها وآلياتها وفقا لظروف كل بلد وليست صيغة واحدة تماما.
مع ذلك فإنها تشير إلى توسع مجموعة البنك وبدرجة كبيرة في تقديم أنواع المساعدة المالية لمعالجة أوضاع الهشاشة والصراع والعنف، وكذلك إشراك القطاع الخاص في تصميم نموذج للتنمية المستدامة في هذه البيئات مع توفير فرص الإقراض المناسب. ولأن البنك يدرك أهمية الأسباب التي تؤدى إلى قيام هذه البيئات فإنه مهتم بقضايا إلغاء التمييز ورفع المظالم والمساواة بين الجنسين وحل مشكلات تغير المناخ، وكذلك تحسين العلاقات السياسية بين أفراد المجتمع لتجديد العقد الاجتماعي بينهم وبين الدولة، وتقوية المؤسسات الشرعية، وتعزيز قطاع خاص محلى قوى. وللحد من التداعيات فوق الوطنية أي العابرة للحدود يتعين العمل على وقف موجات النزوح القسري وتخفيف أثر الصدمات الناجمة عن المجاعات والأوبئة.
وكخطة عمل فإن الإستراتيجية الجديدة للبنك الدولي حددت عددا من القطاعات التي لها الأولوية للعمل من خلالها، منها: الاستثمار في رأس المال البشري، ومساندة الاستقرار على صعيد الاقتصاد الكلي والقدرة على تحمل أعباء الديون، وإتاحة فرص العمل، ومساندة الولوج إلى العدالة وسيادة القانون.
ومن التجارب فإن نشاط البنك الدولي لا يقدر له النجاح إلا إذا حصل على دعم الدول الكبرى التي لها النصيب الأكبر في تمويله، وما أكثر المحاولات التي قام بها البنك عبر عمره الطويل وفيها تمكن من النجاح عند توفر الإرادة الدولية القوية، وفشل عند الافتقاد لهذه الإرادة بسبب الخلافات السياسية بين الدول الكبار.
الآن يتحدث البنك عن ظاهرة جديدة لم يعرفها العالم منذ عقود هي ما حدده البنك ذاته ألا وهى البيئات التي تتسم بالهشاشة والصراع والعنف، وقد أجمل العناصر الثلاثة معا ككتلة واحدة لما بينهم من علاقة عضوية. لم تكن هذه الظاهرة قائمة من قبل بل بعض الاختلالات الهيكلية والاقتصادية والاحتياجات التنموية العاجلة هنا أو هناك، وكان البنك يتدخل من طريق الإعمار بوصفه أداة تمويل للتنمية.
لكن المشكلة التي استجدت تتمثل في أن هناك مناطق أو بيئات جمعت بين الهشاشة (ضعف الدولة أو غيابها) والصراع المتعددة الألوان والقدرة على استخدام العنف من الأطراف المعنية، وتلك بيئات مدمرة حقا بحكم تلاحم العناصر الثلاثة ليس فقط لأصحابها وإنما للآخرين. واستمرارها في ظل تحديات الثورة الرقمية يعنى الدفع بأبنائها إلى أشد درجات التخلف بما يشكل ردة كبرى في مسار البشرية جمعاء.
من المؤكد أن الدول الكبرى صاحبة القرار في سياسات البنك الدولي وقدرته على القيام بما يضعه من استراتيجيات على علم كاف بما يخطط له للعشر سنوات المقبلة للبيئات المشار إليها سلفا تحديدا وليس كنشاطه العام المعروف. وليس من جدوى لكل ما يخطط له البنك إن لم تجتمع إرادة الكبار على مباركة عمله هذا ومساندته في تفعيل هذا العمل. ومن جهة أخرى فإن أحدا لا ينكر أن الدول المعنية بالخطة الجديدة هي التي ستكون في الطرف الآخر من الطاولة عندما يتفاوض معها البنك، أي أنها المسؤول المباشر عن الموضوع برمته، لكن ما لا يمكن إنكاره أيضا أن هذه الدول ستعيد الكرة مرة أخرى إلى الدول الكبرى، لسبب بسيط هو أنها لم تعد قادرة على أن تتبنى شيئا مما يخطط له البنك الذي وصفها هو نفسه بالهشاشة، ففاقد الشيء لا يعطيه!
من ثم فإن التحدي تتحمله الدول الكبرى بالدرجة الأولى، لأنها كانت ولا تزال شريكة في صناعة الوضع الذي يتحدث عنه تقرير البنك، وتستطيع أن تفرض الأجواء التي يمكن من خلالها أن تنجح خطة 2020-2030.
ما يدفع إلى الأمل هو أن العالم الخارجي وفي المقدمة منه العالم الغربي المتقدم حاضن البنك الدولي قد أصابه الضرر من البيئات التي تتسم بالهشاشة والصراع والعنف، فأصبح مطالبا بالتحرك على الأقل لدرء هذا الضرر!.