الخطاب السامي وتحديات المرحلة

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

جاء الخطاب السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه- منسجما مع تطلعات وتحديات المرحلة على صعيد عدد من القضايا التي تهم الوطن والمواطن على حد سواء، فالتاريخ يعلمنا أن لكل مرحلة ظروفها ومستجداتها ومتغيراتها التي تفرض التحولات الجذرية في مجال العمل الوطني بهدف البناء على ما تحقق من نهضة عصرية ودولة راسخة الأركان خلال نصف قرن من عهد السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه -.

وقد جاء الخطاب السامي ملبيا لكل الطموحات الوطنية من خلال تركيزه على ضرورات التغيير الإيجابي في مجالات اقتصادية واجتماعية وترسيخ مبادئ العمل التي تقوم على الشفافية والنزاهة والمحاسبة وهي مفردات لاقت استحسانا مجتمعيا على الصعيد المحلي وإشادة اقليمية ودولية.
ان حديث جلالته عن ضرورة مراجعة هيكلة الجهاز الاداري للدولة يعد واحدة من الخطوات الهامة لإيجاد حكومة ذكية بعيدة عن البيروقراطية وتسير وفق مؤشرات لا بد من الالتزام بها من قبل السلطة التنفيذية وفق مرحلة زمنية علاوة على مراجعة الشركات الحكومية وتطويرها ورفع كفاءتها حتى تشكل رافدا إيجابيا للاقتصاد الوطني علاوة على أهمية المشاركة الوطنية، حيث إن الارتقاء بالوطن الى آفاق أرحب هي مسؤوليه جماعية.
لقد شكل الخطاب السامي بكل مفرداته خارطة طريق للعمل المبني على المقومات التي تضمن حسن الأداء والإنجاز ولصالح الوطن بعيدا عن المصالح الشخصية، كما ان تبسيط الإجراءات هو أحد المسؤوليات للحكومة من خلال خدمة مصالح المواطنين علاوة على إجراء تعديلات جوهرية في عدد من القوانين والتشريعات والتي تنسجم مع مرحلة العمل القادمة.
ولا شك أن مجمل ما جاء في الخطاب السامي عبر عن طموحات الشعب العماني خاصة على الصعيد الاقتصادي كموضوع تنويع مصادر الدخل وموضوع التشغيل من خلال آليات جديدة واستغلال الموارد البشرية بشكل أفضل والتركيز على مبدأ النزاهة كمبدأ أصيل في العمل الوطني وإعطاء الفرص للكوادر الوطنية ذات الفكر المتجدد الذي اكتسبوه من خلال الخبرات العلمية والعملية.

الفكر المتجدد
لكل تحول تاريخي ظروفه والتي تقتضي إيجاد الآليات والتغيير الذي يعطي الديناميكية للتحرك الوطني للمرحلة الجديدة فالسلطنة أصبحت لديها بنية أساسية متينة وفي كل القطاعات ومع ذلك هناك تحديات حقيقية تنطلق من جملة من المتغيرات الجيو-سياسية، ومن خلال تذبذب أسعار النفط والغاز ومن خلال البيروقراطية ومن خلال وجود مشكلات اقتصادية لا بد من إيجاد قرارات حاسمة للدفع بالاقتصاد الوطني إلى الأمام في ظل وجود فرص حقيقية تحتاج إلى فكر متجدد وجرأة في اتخاذ القرار.
وحتى يتحقق ذلك لا بد من الانطلاق من وجود جهاز إداري متجدد للدولة من خلال خطوات تأخذ في الحسبان مرحلة التحديات الحالية ومن خلال وجود كوادر شابة تعطي فكرا جديدا للمنظومة الاقتصادية وتكون لها رؤية واضحة يتم تقييمها من خلال مؤشرات ومن خلال مده زمنية لا تتعدى أربع سنوات.
إن تقييم الوحدات الحكومية أمر حيوي ومهم من خلال تلك المؤشرات حتى نضمن أن كل الأهداف تتحقق بشكل مبرمج وفق المعطيات، لأن ذلك سوف يضمن لنا تقدما ملموسا على صعيد التحسن التدريجي للاقتصاد وزيادة الدخل وتدفق الاستثمارات وان يكون العمل الميداني هو عنوان المرحلة.
إن التحولات التاريخية للدول والتجارب التي حققت نجاحات كبيرة خاصة في دول جنوب شرق آسيا اعتمدت على معايير صارمة في العمل ومن خلال مؤشرات واضحة لا يمكن الحياد عنها فالذي لا يحقق تلك المؤشرات، فان استمراره يعد تعطيلا للعمل ونجاحه، ومن هنا تأتي أهمية حديث جلالته – حفظه الله – عن اتخاذ الإجراءات لهيكلة الجهاز الإداري للدولة، ومن هنا فان تلك الخطوة من جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – تتناغم وظروف المرحلة والتي تتسم بالثورة المعلوماتية والصناعية والذكاء الاصطناعي والكثير من التطورات والتي تحتاج الى ذلك الفكر المتجدد لإعطاء دفعة كبيرة للعمل الوطني ومن هنا فان الجهاز الإداري للدولة يحتاج إلى فكر مختلف وتغيير شامل في منظومة العمل وعلى مستوى الأفراد.
النزاهة والمحاسبة

من المفردات الأساسية والتي لاقت ردود فعل إيجابية كبيرة على الصعيدين المحلي والدولي تركيز خطاب جلالته – حفظه الله – على مبادئ النزاهة والمحاسبة وهي أمور في غاية الأهمية للانطلاق نحو العمل الذي يضيف قيمة هامة للإنتاج المميز وان تلك القيم تنسجم والمرحلة التي تواصل السلطنة فيها نهضتها الحديثة لتحقيق المزيد من التطلعات والإنجاز التنموي. ان تلك المفردات تنطلق من أهمية الشعور بالمسؤولية الوطنية وفي ظل الرقابة والمحاسبة والنزاهة تتحقق الطموحات وترتفع الإنتاجية خاصة في مجال تنويع الاقتصاد والذي يحتاج إلى دفعة كبيرة لأن الاعتماد على مورد وحيد أصبح غير مقبول في ظل المديونية والعجز في الموازنة العامة للدولة خلال السنوات الأخيرة. فالسلطنة لديها إمكانات كبيرة في عدد من القطاعات ومن خلال الآليات الجديدة يمكن أن تنطلق تلك القطاعات ويزيد دخل الدولة المالي وهو الأمر الذي ركز عليه خطاب جلالة السلطان المعظم وحتى يتحقق ذلك لا بد من تغييرات شاملة في الفكر والأداء الاقتصادي فدولة كرواندا أصبحت نموذجا يحتذى في مجال التطور الاقتصادي وفي مجال تدفق الاستثمارات.
المنظومة الاقتصادية تحتاج إلى فكر متجدد والى تغيير كبير في المفاهيم ومن خلال هيكلة الجهاز الإداري للدولة لا بد أن يتبع ذلك التغيير في الفكر المتجدد الذي يبتكر الحلول الذكية ويخرج من الآليات التقليدية والتي لم تعد تتماشى مع التطورات المتسارعة في العالم، ومن هنا فان الإجراءات القادمة للقيادة الحكيمة سوف تصب حتما في إيجاد حكومة رشيقة منطلقة نحو تحقيق الأهداف على ضوء رؤية عمان 2040 وايضا تنطلق من المستجدات والمتغيرات من حولنا في المنطقة والعالم فهناك تحديات جيو-سياسية أبرزها الحرب في اليمن وهي قريبة من حدودنا الجنوبية وهناك الأزمة الخليجية وهناك التوتر بين إيران والولايات المتحدة ولا شك أن السياسة الخارجية للسلطنة على مدى نصف قرن كانت صمام الأمان للسلام والاستقرار ومع ذلك فإن الحذر واجب من كل تلك المتغيرات والتي تؤثر على الاقتصاد والتجارة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي والذي تشرف عليه السلطنة.

آفاق المستقبل

ومن خلال جملة النقاط الأساسية التي ركز عليها الخطاب السامي فان ثمة مرحلة جديدة تتسم بالانطلاق نحو آفاق العمل الوطني من خلال المشاركة المجتمعية ومن خلال المسؤولية بين القيادة والشعب ومن خلال أن يقوم كل فرد بواجبه الوطني كلا في موقعه وجهده حتى تتحقق كل تلك التطلعات والتي قال عنها جلالته – حفظه الله- انها عنوان المرحلة. ان التحولات التاريخية تحتاج إلى العزيمة والإيمان بالأهداف، فكما استطاع جلالة السلطان قابوس بن سعيد – رحمه الله – أن يتعهد ببناء الدولة العصرية في خطابه عام 1970 ومن خلال تكاتف شعبه فان خطاب جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله والتعهد والوعد الذي تحمله في خطابه التاريخي سوف يحقق نفس المسار وتحقيق النهضة العمانية الثانية مرتكزا على وقوف شعبه العماني الأصيل والذي عاهده على الوفاء والثبات والعمل بكل إخلاص وأمانة.
انها لحظات تاريخيه كشفها الخطاب التاريخي بكل مفرداته مما جعل المواطنين يدركون حجم المسؤولية وان المرحلة تحتاج إلى التكاتف وروح المواطنة الحقة والسلطنة والحمد لله بها الكثير من الخيرات الطبيعية وقبل ذلك شعبا حرا أبيا سوف يكون سندا وعونا لقيادته الحكيمة ومستلهما تلك المفردات التي تحدث عنها خطاب جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه.