تمتين الإجماع الوطني والموقف الداخلي

د. عبدالحميد الموافي –

في الوقت الذي يمثل فيه رحيل «أعز رجال الوطن» السلطان قابوس – طيب الله ثراه – والانتقال السلس للسلطة وتولي جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم مقاليد الحكم بإجماع وطني واضح ، تطورا بالغ الأهمية في حياة الشعب العماني ومسيرة الدولة والتنمية الوطنية، بكل جوانبها، وهو ما يمتد بالضرورة إلى سياسات السلطنة وعلاقاتها مع مختلف الدول، فانه من المفهوم والطبيعي أيضا، أن يحظى هذا التطور باهتمام واسع وعميق، ولفترة لن تكون قصيرة، من جانب كل الأطراف دون استثناء تقريبا، أشقاء وأصدقاء وغيرهم، لاعتبارات وأسباب عديدة.

وبالرغم من تأكيد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – على نحو واضح وحاسم وصريح اتباع جلالته للنهج القويم لجلالة السلطان الراحل وسياساته في مختلف المجالات ، داخلية وخارجية ، وعلى الأسس والمبادئ التي قامت عليها خلال العقود الماضية، والأهداف التي تسعى اليها مسيرة النهضة المباركة، وخاصة بناء حياة افضل للمواطن العماني، وتعزيز مكانة عمان ودورها الحضاري والسلمي خليجيا وعربيا واقليميا ودوليا، واستمرار رسالتها لتحقيق السلام والاستقرار لصالح دول وشعوب المنطقة من حولها، إلا أن الدول والأطراف الأخرى الخليجية والإقليمية والعربية والدولية، المعنية بالسلطنة وبإسهامها ودورها الإيجابي، تظل تواقة لمعرفة توجهات ووجهات نظر ورؤية جلالة السلطان المعظم لمختلف القضايا، حتى ولو لم تكن مختلفة مع رؤى جلالة السلطان الراحل – طيب الله ثراه – وهو أمر تحتمه طبائع السياسة وتغيرات المصالح، والدور الحيوي للقيادات في صنع السياسات وتوجيهها ايضا.
ومن هنا تحديدا فانه سيظل هناك اهتمام كبير بكل ما يقوله ويصرح به جلالة السلطان المعظم، في مختلف المجالات، بل وإخضاع تلك التصريحات والخطب للتحليل والتدقيق والقراءة المتأنية والمتكررة، بما في ذلك استخدام أدوات التحليل ومنها تحليل المضمون، حتى تتبين وتتيقن الأطراف المختلفة، كل وفق مصالحه وتوقعاته وأهدافه وحساباته المعلنة والمستترة، من المسارات التي تسير فيها المواقف والسياسات العمانية التي يرسمها ويوجهها جلالته ، خاصة وان السلطنة ، وبرغم هدوء نبرتها وتعمدها تجنب الضوضاء والجلبة في التعبير عن مواقفها وممارستها لرؤاها، كان ولا يزال لها إسهامها الإيجابي والمؤثر على مستويات عدة لصالح دول وشعوب المنطقة، وهو ما تم التعبير عنه من جانب أطراف عديدة، في المنطقة وخارجها، خلال الأسابيع الأخيرة.
وفي هذا الإطار فانه من الأهمية بمكان الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: انه اذا كان من المعروف على نطاق واسع، أن قوة الدولة ومدى قدرتها على العمل لتحقيق أهدافها وحماية مصالحها، تبدأ في الواقع من الداخل، بمعنى ان قوة واستقرار وتماسك المجتمع وترابط أبنائه، وكذلك القناعة الواسعة والعميقة بالسياسات التي تتبعها القيادة ، وقدرة القيادة على حشد الطاقات الوطنية، انسانية ومادية، هي التي تشكل القاعدة والأرضية الضرورية التي تقوم عليها وترتكز اليها ايضا قوة وفعالية السياسة الخارجية للدولة ، وعلاقاتها وما تتمتع به من تقدير على مستوى علاقاتها مع الدول والقوى الدولية الأخرى، فانه لم يكن مصادفة أبدا أن يحرص جلالة السلطان قابوس – طيب الله ثراه – على العناية بكل ما يصب في تقوية ودعم الأوضاع الداخلية للسلطنة، دوما وعلى كافة المستويات، ولاعتبارات عملية حقيقية ايضا، وعلى مدى الخمسين عاما الماضية حقق جلالته تماسكا وطنيا واجماعا وترابطا وتضامنا عميقا وغير مسبوق في قوته وصلابته، بين كل مكونات المجتمع العماني ، مما جعل كل أبنائه على قلب رجل واحد، ومن ثم حشد طاقات المجتمع على نحو لا يمكن إلا أن تضعه كل الأطراف، شقيقة وصديقة في اعتبارها ، ليس فقط لأنه لا يوجد ما ينغص الوضع الداخلي، ولكن ايضا لأن اللحمة الداخلية بين أبناء الوطن أقوى وأكثر تماسكا مما يمكن اختراقها بأية صورة، أو على أي نحو، بالنظر لإخلاص وتفاني الجميع ، قيادة وشعبا في العمل من أجل تحقيق أهداف التنمية الوطنية وأولوياتها المحددة والمعلنة، والتي يتحقق في إطارها مصالح كل أبناء الوطن أينما كانوا على امتداد هذه الأرض الطيبة.
واذا كان جلالة السلطان الراحل رحمه الله، قد تمكن بجهود حثيثة، متواصلة وبعيدة النظر، تحقيق الإجماع الوطني، الذي تجلت صوره في مناسبات وأحداث عدة وفي مواجهة تطورات مختلفة ، فان جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – قد انطلق في توليه مقاليد الحكم وممارسته لمسؤولياته الوطنية من إجماع عماني داخلي، واسع وواضح وراسخ ايضا، وعلى نحو عبر عن نفسه بمختلف الخطوات التي تم اتباعها لانتقال السلطة وتولي جلالته مقاليد الحكم يوم الحادي عشر من يناير الماضي، وهو ما أراح كل العمانيين، وكل محبي عمان في المنطقة وعلى امتداد العالم ، في ظرف عماني دقيق من ناحية ، وعزز الثقة في المستقبل ايضا من ناحية ثانية ، بحكم ما اظهره الوطن قيادة وشعبا من تماسك وقوة وإيمان عميق بالله وتقبل قضائه ، وحرص على الحفاظ على الوطن وعلى استمرار مسيرته قوية وعزيزة و صيانة مكتسباته.
وتتمثل أهمية وقيمة ودلالة ما تم خلال الساعات القليلة من صباح السبت الحادي عشر من يناير الماضي في انها شهدت إجماعا عمانيا وطنيا، لا يجسد فقط الإجماع الوطني خلف السلطان الراحل خلال سنوات مسيرة النهضة العمانية الحديثة ، ولكنه يجسد ايضا التقاء الكلمة والإجماع الوطني العماني حول وخلف جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – وهو ما تحتاجه عمان الآن وخلال الفترة القادمة لتحقق ما تصبو اليه في مختلف المجالات. ولعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن من أهم عناصر هذا الإجماع الوطني وفي مقدمته أن جلالة السلطان هيثم تمتع بثقة السلطان قابوس – رحمه الله – سواء من خلال المواقع المتعددة التي شغلها خلال عمله الى جانب وبالقرب من السلطان الراحل ، أو من خلال ما تضمنته وصية القائد الراحل قابوس باختياره لجلالة السلطان هيثم بن طارق لحمل الأمانة خلفا له. ومما له معنى ودلالة عميقة ان السلطان قابوس قال بوضوح في وصيته ، المحفوظة والمعروضة الآن في المتحف الوطني العماني ، « … فاننا بعد التوكل على الله ورغبة منا في ضمان استقرار البلاد نشير بأن يتولى الحكم السيد هيثم بن طارق ، وذلك لما توسمنا فيه من صفات وقدرات تؤهله لحمل هذه الأمانة ، واننا اذ نضرع إلى الله العلي القدير أن يكون عند حسن الظن الذي دعانا الى اختياره والثقة التي دفعتنا إلى تقديمه ، فاننا ندعوكم جميعا – مجلس العائلة الحاكمة -الى مبايعته على الطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأن تكونوا له السند المتين والناصح الأمين معتصمين دائما تحت قيادته بوحدة الصف والكلمة والهدف والمصير متجنبين كل أسباب الشقاق والتناحر والتنابز عاملين بقول الله تعالى ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) صدق الله العظيم».
جدير بالذكر أن الثقة الغالية لجلالة السلطان قابوس ، باختياره السلطان هيثم بن طارق لحمل أمانة الوطن من بعده ، تمثل في الواقع ركيزة هامة لثقة الجميع ، سواء من اعضاء الاسرة الحاكمة الكريمة، أو من مسؤولي الدولة والمواطنين في كل المجالات وعلى كافة المستويات ، ليس فقط من منطلق الدور الذي قام به باني نهضة عمان الحديثة وقدرته على اختيار من يسهم بكفاءة وإخلاص في تحقيق مصلحة الوطن في المواقع المختلفة ، ولكن ايضا من منطلق اكد عليه جلالة السلطان قابوس – طيب الله ثراه – منذ أكثر من أربعين عاما، وتحديدا في 15 مايو 1978 عندما قال في خطابه الموجه الى كبار رجال الدولة ، «لقد أولانا شعبنا منذ تولينا أموره ، ثقته الكاملة بنا ، ومن خلال ثقته هذه وثق بمن اخترناه ونختاره لتولي المسؤولية لإدارة مصلحته العامة ، ولذا فان علينا وعليكم المحافظة على هذه الثقة وعدم التفريط بها».
الجانب الثاني في الإجماع الوطني حول وخلف جلالة السلطان هيثم بن طارق – اعزه الله – تمثل في اتفاق وإجماع مجلس العائلة الحاكمة الكريمة على تثبيت من اختاره السلطان الراحل لحمل الأمانة من بعده . وهنا فان هذا الإجماع تم بناء على الثقة التي اولاها السلطان قابوس لمن اختاره من ناحية ، و« اكراما لهذا الرجل وتقديرا له وتعزيزا لمكانته ولسمعته وسمعة عمان امام الغير»، حسبما أشار صاحب السمو السيد فهد بن محمود نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء خلال عملية إجراءات انتقال السلطة ، وما يزيد من قيمة هذا الإجماع انه تم قبل فتح وصية جلالة السلطان الراحل – طيب الله ثراه – وقبل الإعلان عن الشخصية التي اختارها من ناحية ثانية ، وبالتالي فان مجلس العائلة الحاكمة عمل في الواقع، وبقرار ذاتي منه ، بما قال به السلطان الراحل قبل أكثر من أربعين عاما. ثم كان الجانب الثالث المتمم للإجماع الوطني حول وخلف جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، وهو المتمثل في الإجماع الشعبي على امتداد عمان، والشعور بالارتياح والثقة والإصرار على المضي قدما لإكمال مسيرة التنمية والبناء التي بدأها السلطان الراحل ، والوقوف صفا واحدا وعلى قلب رجل واحد ويدا بيد مع جلالة السلطان هيثم بن طارق، للحفاظ على عمان ومكتسباتها ولتحقيق أهدافها الوطنية وقد تجسد هذا الإجماع الشعبي خلال الايام الماضية بطول عمان وعرضها ، وتتنوع سبل التعبير عنه يوما بعد يوم وتتزايد وضوحا في كل المجالات وعلى كافة المستويات ، والأكثر من هذا أن هناك ارتياحا عميقا ايضا على امتداد المنطقة والعالم لتولي جلالة السلطان هيثم مقاليد الأمور في السلطنة لقربه من السلطان قابوس على مدى سنوات طويلة ولإدراكه لكل أسس ومنطلقات وجوهر المصالح والسياسات العمانية على مدى الخمسين عاما الماضية ، ولقوة وصلابة تمسكه بالمصالح العمانية دوما وتحت كل الظروف. ثانيا : انه مع الوضع في الاعتبار ان الاجماع الوطني يشكل في الواقع ضرورة هامة، على الصعيد الداخلي ، ولبناء موقف قوي ومتماسك حيال مختلف التطورات والمستجدات وفي مواجهة اية تحديات او مشكلات طارئة أو محتملة، فان جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – وضع من خلال خطابه يوم الثالث والعشرين من فبراير الماضي الأسس والسبل والأدوات التي يمكن من خلالها تمتين التماسك والاجماع الوطني ، ومن ثم تحقيق الاهداف المحددة لمسيرة النهضة العمانية الحديثة في مرحلتها الثانية.
نعم اكد جلالته على الالتزام بالسير على النهج القويم لجلالة السلطان الراحل ، في مختلف المجالات ، غير ان الظروف ومعطيات الواقع الراهن وطبيعة المرحلة القادمة اجتماعيا وسياسيا ايضا ، قد تفرض اتخاذ مجموعة من الاجراءات والخطوات التنظيمية والقانونية والاقتصادية والتنموية وغيرها ، التي تكفل تحقيق مستوى مناسب من المعيشة للمواطن العماني، وعلى نحو يكفل الحفاظ على الحريات العامة وسيادة القانون والمساواة وتكافؤ الفرص ، وبالطبع المتابعة والنزاهة والحوكمة للارتفاع بعمان الى المستوى الذي يتطلع اليه المواطن العماني ، وهو المستوى الذي تحددت خطوطه في الرؤية المستقبلية « عمان 2040 ».
وفي هذا الإطار فان ما اشار اليه جلالته في خطابه بالغ الأهمية ، ليس مقصودا أو مطلوبا لذاته ، ولكنه مهم وضروري كسبيل، وكأدوات لتحقيق الاهداف الوطنية ، وهو ما أكد عليه جلالته بقوله :« ومن أجل توفير الاسباب الداعمة لتحقيق أهدافنا المستقبلية فاننا عازمون على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة الجهاز الاداري للدولة، وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمه مبادئه وتبني أحدث أساليبه وتبسيط الإجراءات، وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة لضمان المواءمة الكاملة والانسجام التام مع متطلبات رؤيتنا وأهدافها ، وسنعمل على مراجعة اعمال الشركات الحكومية مراجعة شاملة بهدف تطوير ادائها ورفع كفاءتها وتمكينها من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية ، وسنهتم بدراسة آليات صنع القرار الحكومي بهدف تطويرها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا وسنولي هذه الجوانب كل العناية والمتابعة والدعم».
ومن خلال هذه الإجراءات والخطوات الاخرى التي اشار اليها جلالة السلطان، خاصة ما يتصل بالأداء المالي والتشغيل والاهتمام بالشباب والتعليم والعناية بقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وبدعم المرأة العمانية ، حدد جلالته خارطة الطريق، وأهمية وضرورة حشد كل طاقات الوطن البشرية، القائمة على مبدأ شراكة المواطنين في صنع الحاضر والمستقبل ، لأن بناء الأمم تقتضي مشاركة الجميع دون استثناء في مثل هذا الجهد الوطني.
ثالثا: انه اذا كان جلالة السلطان قابوس – طيب الله ثراه – قد استند في احد جوانب الشرعية متعددة الجوانب التي تمتع بها على مدى سنوات حكمه، على ما يمكن تسميته «شرعية البناء والتأسيس للدولة العمانية الحديثة»، فان رحيل جلالته يعني الانتقال الى ما يمكن تسميته «الشرعية القانونية، بما تعنيه من الاستناد الى حكم المؤسسات ودولة القانون في إطار النظام الأساسي للدولة» وهو ما يعني أيضا أن حكم القانون، والأداء الصحيح والمتكامل لمختلف المؤسسات، وصيانة الحقوق والالتزام بالواجبات وحماية الحريات ، والذود عن حياض الوطن وحماية مكتسباته، والإجماع الوطني والشراكة هي ركائز بالغة الأهمية خلال المرحلة الثانية للتنمية الوطنية التي يقودها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم. ومما له دلالة هامة في هذا المجال أن الخطاب السامي أشار بوضوح إلى «ان مما نفخر به ان المواطنين والمقيمين على ارض عمان العزيزة يعيشون بفضل الله في ظل دولة القانون والمؤسسات، دولة تقوم على مبادئ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص، قوامها العدل ، وكرامة الأفراد وحقوقهم وحرياتهم فيها مصانة ، بما في ذلك حرية التعبير التي كفلها النظام الأساسي للدولة». وبينما يشكل هذا الإطار ملامح الدولة العمانية في المرحلة القادمة ، وبما يهيئ لمزيد من التقدم والازدهار، فان الإجماع الوطني وتمتين الأوضاع الداخلية وتعميق الشراكة الصحيحة في ظل دولة القانون والمؤسسات والمساواة وتكافؤ الفرص تمثل ضرورة بالغة الأهمية في الحاضر والمستقبل، وهو ما يملك جلالة السلطان هيثم كل عناصره والقدرة على توجيهه لصالح الوطن والمواطن خلال المرحلة الثانية للتنمية الوطنية ، وهو ما يحتاج إلى جهد وتعاون كل أبناء الوطن وفي المقدمة منهم الشباب.