النهضة العمانية في مسيرتها الصاعدة: المرتكزات والمحركات

صلاح أبو نار –

جاء خطاب صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في 23 فبراير بمثابة إعلان لعهد وبيان والتزام.
عهد بمواصلة المسيرة التي أطلقها صاحب الجلالة قابوس بن سعيد -رحمه الله-، وعزمه على دفعها عبر خطوات جديدة تعمل على ترسيخ أسسها وتوسيع آفاقها، والتزام بأن النهضة مسؤولية مشتركة بين العاهل والشعب.

ولكي ندرك كافة أبعاد هذا البيان التاريخي يتعين تحليله عبر سياقين. نحلله عبر الأول ومعه تصريحات سابقة لصاحب الجلالة، أهمها حديثه أمام «ملتقى استشراف المستقبل» ديسمبر 2017، وكلمته الافتتاحية «للمؤتمر الوطني للرؤية المستقبلية: عمان 2040» 27-28 يناير 2019، وتقديمه لنص «رؤية عمان 2040: مسودة 11 سبتمبر 2019»، وفي النهاية خطاب جلالته الأول أعقاب توليه المسؤولية.
عبر الخطاب الثاني نضع البيان جوار النص الأولي لرؤية عمان 2040، فقد عهد صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- بالمسؤولية الكاملة للرؤية إلى صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق، وبالتالي يمكننا اعتبارها تعبيرًا عن خياراته عبر مشاركة كافة فئات العمانيين، وبالتالي يمكننا اعتبارها مصدرًا للتفاصيل الموضوعية والرقمية التي لا يحتويها الخطاب.
طرح الخطاب ثلاثة أطر موجهة لمسيرة النهضة في مرحلتها الجديدة: تاريخ وتراث عمان الحضاري، ومسيرة نهضتها الحديثة، واستراتيجية عمان 2040. تشكل المسيرة العمانية في مرحلتها الجديدة مواصلة للسعي العماني المعاصر لإحياء تراث عمان ودورها التاريخي. يذكر الخطاب: «هذا ما نحرص على استمراره معكم وبكم، لنؤدي جميعًا بكل عزم وإصرار دورنا الحضاري وأمانتنا التاريخية»، ونرصد داخل تلك الكلمات الموجزة مفاهيم استلهام التراث، والحفاظ على الهوية، وتحويل الذاكرة التاريخية إلى قوة للإلهام، والوعي بالرسالة التاريخية.
وتشكل المسيرة العمانية أيضا في مرحلتها الجديدة تواصلا لنهضة عمان الحديثة: «إننا ماضون بعون الله في طريق البناء والتنمية، نواصل مسيرة النهضة المباركة التي أرادها السلطان الراحل». ونرصد داخل هذه الكلمات بدورها مفهومي توطيد قيم الولاء السياسي العام، وتراكم ووحدة مسيرة العمل الوطني.
وأخيرًا تشكل المسيرة العمانية في مرحلتها الجديدة انتهاجا للطريق الذي حددت ملامحه الرؤية المستقبلية: «إننا نقف اليوم بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين، على أعتاب مرحلة مهمة من مراحل التنمية والبناء في عمان، مرحله شاركتم في وضع تطلعاتها في الرؤية المستقبلية».
وتخبرنا هذه الكلمات بدورها أن المستقبل ليس وليدًا لإرادات فردية، بل حصيلة دور قيادي ومشاركة اجتماعية مخططة وتراكم للإبداع الجماعي.
كان للقيادة السياسية دورها التاريخي الاستثنائي في إطلاق وتوجيه النهضة العمانية، وتواصل القيادة السياسية الجديدة ممارسة الدور نفسه، ويحمل الخطاب والنصوص الأخرى أشارات واضحة لقوتين اجتماعيتين لهما دورهما المركزي المكمل لدور القيادة التاريخية.
سنجد القوة الأولى في المشاركة الشعبية. جاء في حديث جلالته أمام ملتقى استشراف المستقبل: «ندرك تمامًا أهمية أن تكونوا مستعدين للمستقبل بتطوراته المعرفية وتقنياته المتسارعة، كما ندرك أهمية الاستجابة للمتغيرات التي تحدث من حولنا. وهنا يأتي دوركم لتكونوا أكثر إسهامًا في معرفة الفرص المتاحة، وتحديد التحديات التي ينتظر أن تواجهنا، لنكون متوافقين في توجهاتنا والتزاماتنا نحو بناء عمان التي ننشدها بحلول عام 2040».
وفي كلمة جلالته أمام المؤتمر الوطني جاء «إن ملامح الرؤية الأولية التي يطرحها مؤتمرنا هي رؤيتكم ونتاج تطلعاتكم الجادة، وإننا نطمح بمشاركتكم إلى تحقيق فهم أعمق لتكامل الأدوار بين مختلف مكونات المجتمع العماني».
وفي خطابه الأخير يستخلص القاعدة التالية: «إن شراكة المواطنين في صناعة حاضر البلاد ومستقبلها دعامة أساسية من دعامات العمل الوطني، ونحرص على أن تتمتع فيه المرأة بحقوقها التي كفلها القانون».
ويضيف الخطاب بعدًا آخر لواجبات المواطنة هو الالتزام الوطني، الذي يعني التزام المواطنين ببناء أوطانهم وتطويرها كل في مجاله وبقدر استطاعته: «فلقد تأسست عمان وترسخ وجودها بفضل تضحية أبنائها وبذلهم الغالي والنفيس من أجل الحفاظ على عزتها ومنعتها، وإخلاصهم في أداء واجبهم الوطني وإعلائهم لمصالح الوطن على المصالح الشخصية».
وسنجد القوة الثانية في الشباب: «الشباب هم ثروة الأمم وموردها الذي لا ينضب وسواعدها التي تبني وحاضر الأمة ومستقبلها». ويترتب على ذلك أن للدولة واجبا وطنيا تجاههم: «سوف نحرص على الاستماع إليهم وتلمس احتياجاتهم واهتماماتهم وتطلعاتهم، ولا شك أنها ستجد العناية التي تستحق».
ركز الخطاب الأول في تحديده لمهام المرحلة القادمة على السياسة الخارجية، مؤكدا على مواصلة:«خطى السلطان الراحل مؤكدون على الثوابت التي اختطها لسياسة بلادنا الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب، وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، واحترام سيادة الدول والتعاون في مختلف المجالات، وحل الخلافات بالطرق السلمية».
وجاء الخطاب الثاني ليركز على السياسة الداخلية، متحدثًا عن أبرز المهام وليس كل المهام، ومركزًا على: التعليم والبحث العلمي والابتكار، وتحديث بنية الدولة، وتنمية قطاع ريادة الأعمال وبالأخص المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير إطار وطني شامل للتشغيل.
وفي هذا السياق احتلت مهمة تحديث بنية الدولة الحديثة اهتمامًا خاصًا. جاء بصدد تحديث مؤسسات الدولة السياسية: «من أجل توفير الأسباب الداعمة لتحقيق أهدافنا المستقبلية، فإننا عازمون على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمته ومبادئه وتبني أحدث أساليبه، وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمحاسبة».
وجاء بشأن تحديث مؤسسات الدولة الاقتصادية: «وسنعمل على مراجعة أعمال الشركات الحكومية مراجعة شاملة، بهدف تطوير أدائها ورفع كفايتها وتمكينها من الإسهام الفاعل في صنع القرار الحكومي، وسنهتم بدراسة آليات صنع القرار الحكومي بهدف تطويرها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا. كما سنحرص على توجيه مواردنا التوجيه الأمثل بما يضمن خفض المديونية وزيادة الدخل، وسنوجه الحكومة بكافة قطاعاتها لانتهاج إدارة كفؤة وفاعلة، تضع تحقيق التوازن المالي وتعزيز التنويع الاقتصادي واستدامة الاقتصاد الوطني في أعلى سلم أولوياتها، وأن تعمل على تطوير الأنظمة والقوانين ذات الصلة بكل هذه الجوانب».
وتظهر لنا صفحات «الرؤية المستقبلية» التي كان جلالته عقلها الموجه ومهندسها الرئيسي، مدى اتساع تلك الأهداف وطموح مستويات تحقيقها. طرحت الرؤية أهدافها بصيغ رقمية دقيقة وفقًا للمؤشرات العالمية، فيما بين سنة الأساس (2018) وسنه التحقق النهائي (2040).
في إطار أهداف «التعليم والبحث العلمي»، تسعى الرؤية للدفع بترتيب عمان وفقًا لمؤشر الابتكار العالمي من المرتبة الـ69 من 127 دولة إلى فئة أفضل عشرين دولة، ونقلها وفقًا لمؤشر تنمية التعليم للجميع من المرتبة الـ51 من 92 إلى فئة أفضل عشر دول، ونقلها وفقًا لمؤشر تنافسية المواهب العالمية من المرتبة الـ56 من 119 إلى فئة العشرين الأفضل. وفي إطار أهداف تحقيق «نظام صحي رائد بالمعايير العالمية»، تسعى الرؤية للانتقال بالترتيب العماني وفقًا لركيزة الصحة في «مؤشر ليفاتم للازدهار» من المرتبة الـ33 من 149 إلى فئة أفضل عشرين دولة، والارتفاع بسنوات الحياة الصحية المتوقعة لحظة الميلاد من 67 سنة إلى 70 سنة. وفي إطار أهداف «الرفاه والحماية الاجتماعية»، تسعى الرؤية للدفع بالترتيب العماني وفقًا لمؤشر التنمية البشرية من المرتبة الـ48 من 189 إلى فئة أفضل 20 دولة، والارتفاع بمتوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 90%.
وفي إطار أهداف بناء «قيادة اقتصادية ديناميكية كفئة»، تسعى الرؤية للدفع بالترتيب العماني وفقًا لمؤشر التنافسية العالمية من المرتبة الـ47 من 140 إلى فئة أفضل 20 دولة، والارتفاع بمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 3.6% إلى 5%، وخفض عجز الموازنة من 11.7% إلى 2%. وفي إطار أهداف «اقتصاد المعرفة المتنوع»، تسعى الرؤية للارتفاع بمساهمة القطاعات غير النفطية من الناتج الإجمالي من 61% إلى 91%، والانتقال بالترتيب العماني وفقًا لمؤشر التطور الاقتصادي من المرتبة الـ62 من 126 إلى فئة أفضل 10 دول.
وفي إطار أهداف تحقيق «سوق عمل جاذب للكفاءات وتفاعلي» تسعى الرؤية، إلى رفع نسبة القوى العاملة الماهرة من إجمالي القوى العاملة بالقطاع الخاص من 57.9% إلى 82%، ونسبة القوى العاملة العمانية من إجمالي وظائف القطاع الخاص المستحدثة من 11.6% إلى 40%.
وفي إطار أهداف تحقيق «قطاع خاص ممكن يقود اقتصاد تنافسي»، تسعى الرؤية للدفع بالترتيب العماني وفقًا لمؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال من المرتبة الـ78 من 190 إلى فئة أفضل 10 دول، ورفع نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي من 4.12% إلى 10%.
وفي إطار تحقيق أهداف «التشريع والقضاء والرقابة»، تسعى الرؤية إلى الدفع بالترتيب العماني وفقًا لمؤشر مدركات الفساد من المرتبة الـ68 من 178 إلى فئة أفضل 20 دولة، ووفقًا لمؤشر الحوكمة العالمية (التعبير والمساءلة) من المرتبة الـ165 من 204 إلى فئة أفضل 30 دولة.
وفي إطار تحقيق أهداف «حوكمة الجهاز الإداري للدولة»، تسعى الرؤى للدفع بالترتيب العماني وفقًا لمؤشر تطور الحكومة الإلكترونية من المرتبة الـ63 من 193 إلى فئة أفضل 10 دول، ووفقًا لمحور الكفاءة الحكومية من مؤشر الحوكمة العالمية من المرتبة الـ81 من 209 إلى فئة العشرة الأفضل، ووفقًا لمحور سيادة القانون من المؤشر ذاته من المرتبة الـ72 من 209 إلى الفئة ذاتها.