الخطاب السامي والطريق إلى تأكيد النهضة

إميل أمين –

هل جاء الخطاب السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، ليؤكد على أن مسيرة النهضة العمانية المباركة ماضية قدمًا، منطلقة في آفاقها على الدرب عينه الذي أرسى أساساته المغفور له السلطان الراحل قابوس بن سعيد، والذي بكته عمان بدموع غزيرة وسوف يظل ذكره مؤبدًا؟

المؤكد أن ذلك كذلك قولا وفعلا، والذين استمعوا إلى الخطاب الذي يدشن مرحلةً جديدةً من مراحل البناء ومراكمة النجاحات العمانية يدركون أن السلطنة على أبواب عهد جديد ومرحلة ثانية من السيادة والريادة وبهدف واحد ألا وهو خدمة المواطن العماني، في حاضره ومستقبله، وفي حله وترحاله، لا سيما الشباب أولئك الذين ـطلق عليهم جلالته تعبير «ثروة عمان» الحقيقية.
يضيق المسطح المتاح للكتابة عن سرد وعرض، وتاليا تحليل الخطاب السامي، ومن بعد التوقف أمام الاستنتاجات التي تقود إليها منطلقات وأفكار جلالة السلطان هيثم.
غير أنه بداية يتوجب علينا أن نلفت الانتباه إلى جزئية أولية تمثل عين الوفاء وقمة الإخلاص والولاء، إذ بدا جلالته بما يشبه تأبين السلطان الراحل الذي وصفه بأعز الرجال، باعث نهضة عمان الحديثة ومؤسس دولته المعاصرة، رجل الحكمة والسلام ورمز التسامح والوئام.
لا يكفي للمرء أن يتذكر العظماء، وإنما الوفاء الحقيقي يتمثل في مواصلة سيرتهم العطرة ومسيرتهم الناجحة، ولهذا يؤكد جلالته على أن الإنجازات العظيمة والمثير الخالدة ستبقى مفاخر وطنية لعمان، حاضرًا ومستقبلًا مصدر إلهام للأجيال القادمة يستلهمون منها الإخلاص والتفاني في خدمة الوطن، والحفاظ على قيمة ومكتسباته، وصون أمنه واستقراره، والإسهام في نمائه وازدهاره.
كانت عمان طوال العقود الخمسة الماضية ركيزة للسلام، وعنوانًا للمودات في منطقة مضطربة هائجة مائجة، تختلط فيها التهديدات، بأصوات الحروب، ويعم أرجاءها القلق في النهار والأرق في الليل.
وعلى المدى المنظور يتطلع المرء إلى عمان في زمن السلطان هيثم ليجد أن واحدة من أهم ركائز الدولة والاستراتيجية الجديدة لقيادة البلاد تتمثل في أن: «تظل رسالة عمان تجوب العالم، حاملة إرثا عظيما، وغايات سامية، تبني ولا تهدم، وتقرب ولا تباعد»، بحسب النطق السامي، والذي يضيف إليه جلالته: «هذا ما سنحرص على استمراره»، لكنه ليس استمرارًا منفردًا، وإنما مع العمانيين وبهم، ليؤدي الجميع بكل عزم وإصرار الدور الحضاري والتاريخي للدولة العمانية التليدة، والعتيد بها أن تقود المنطقة من جديد في دوائر الأمن والسلام.
يمكن للمؤرخين والمحللين السياسيين أن يجزموا صادقين بأن السلطنة قد عرفت ازدهارًا للبشر والحجر في نصف القرن الماضي، وشهدت تحولات هيكلية رئيسية عززت من بنية البلاد الأساسية، تحولات وضعت عمان في مصاف الدول الحديثة في كافة مناحي الحياة، هذا ما صنعه الراحل الكبير السلطان قابوس.
ماذا عن الغد في عهد السلطان هيثم؟
القارئ لنص خطاب جلالته يوقن بأن طريق البناء والتنمية ماضٍ قدمًا، على حد تعبير جلالته، وذلك من أجل مواصلة مسيرة النهضة المباركة، وصيانة مكتسباتها، والمشاركة الفاعلة في إكمال المسيرة الظافرة.
كثيرًا جدًا وطوال أكثر من عقدين من الزمان في خدمة الإعلام العماني، أشرنا إلى أن حجر الزاوية المكين في البناء العماني هو الإنسان، وكثيرًا ما كتبنا عن الإنسان في فكر جلالة السلطان قابوس -رحمه الله- بوصفه القضية الرئيسية وهدف أي إنجاز، وأنه الحل أيضًا لجميع القضايا الحياتية الخلافية.
اليوم شبيه بالأمس، والجذور الطيبة المباركة للشعب العماني واحدة، الأمر الذي نجده عند جلالة السلطان هيثم، والذي يعتبر الشباب هم ثروة الأمم وموردها الذي لا ينضب، وساعدها التي تبني، هم حاضر الأمة ومستقبلها.
يفتح السلطان هيثم الباب واسعًا أمام تواصل الأجيال الخلاق، التواصل الذي يمكن مراكمة الخبرات الإيجابية من منطلقه، ويبشر بما هو مفرح عبر الحديث عن حرص جلالته على الاستماع لهم، وتلمس احتياجاتهم واهتماماتهم وتطلعاتهم.
أكثر من ذلك يعد جلالته بأن هذه كلها سوف تجد ولا شك العناية التي تستحقها، ما يعني أن طريق التواصل بين قائد البلاد وأبنائه سوف يضحى ممهدًا للتلاقي والمصارحة والمكاشفة من أجل رفعة الشأن العماني في قادم الأيام.
ليس سرًا أن جلالة السلطان هيثم رجل مثقف وخريج جامعة أوكسفورد التي يشار إليها بالبنان، ما يدلل على أن الرجل على وعي وإدراك كاملين بأهمية العملية التعليمية في مسارات ومساقات الأمم والشعوب، ولهذا نجده يضع الاهتمام بقطاع التعليم وبمختلف أنواعه ومستوياته وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار على سلم أولوياته الوطنية، ليس هكذا فقط بل يعد جلالته أيضا بأنه سيمده بكافة أسباب التمكين باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناء عمان من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة القادمة.
تقف عمان اليوم بحسب تعبير جلالته بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين على أعتاب مرحلة مهمة من مراحل التنمية والبناء، ويرى جلالته أن العمانيين قد شاركوا في رسم تطلعاتها، عبر الرؤية المستقبلية الشهيرة «عمان 2040»، الأمر الذي يعني أن الدولة حكومة وشعبا تضع الرؤى الاستشرافية موضع التنفيذ، وتسعى بقوة وإرادة لتحقيق الأهداف وإدراك المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يحقق الطموحات التي تصبو إليها الدولة، والتي تساهم في نماء وبناء الإنسان العماني.
أدرك المستمع لخطاب السلطان هيثم -حفظه الله-، أن هناك ترتيبًا واضحًا في ذهن جلالته لما يدور حول العالم، لا سيما إدراكه للتحديات التي تمليها الظروف الدولية الراهنة، وتأثيراتها على المنطقة، وعلى العمانيين، كون عمان جزءًا من العالم تؤثر فيه وتتأثر به.
يكاد المحلل المحقق والمدقق لخطاب جلالته أن يوقن بأن القضية التي تأخذ حيزًا كبيرًا من تفكير السلطان ومن ثم برنامج عمله في قادم الأيام هي مسألة رفع كفاءة الدولة العمانية وأجهزتها الإدارية وتعظيم فرص دخولها إلى مدارات العمل الإداري والمالي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
يذهب جلالته إلى أنه من أجل توفير الأسباب الداعمة لتحقيق الأهداف المستقبلية، سوف تمضي الدولة في طريق اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري، وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمه ومبادئه وتبني أحدث أساليب الإدارة، عطفا على تبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة.
من خلال المعاني المتقدمة يدرك الناظر أن فكر جلالة السلطان هيثم يسعى في طريق الدولة القائمة على الحداثة بمعناها ومبناها الاستراتيجي الواقعي والخلاق، وأنه يؤمن بأن الحضارة لا تقوم بالاستعارة، بل بالرؤى الذاتية أولا، وبسواعد أبنائها تاليا.
أيام عمان القادمة سوف تشهد بحسب توجيهات السلطان هيثم سياسة مكاشفة وشفافية من خلال مراجعة أعمال الشركات الحكومية مراجعة شاملة بهدف تطوير أدائها ورفع كفاءتها وتمكنيها من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية.
لا يتوقف الاهتمام عند هذا الحد، وإنما يمتد إلى دراسة آليات صنع القرار الحكومي، بهدف تطويرها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا، كما أشار جلالته، واعدا بإيلاء هذه الجوانب كل عناية ومتابعة ودعم.
ولعل ما يؤكد صدق ما نقوله عن فكر السلطان هيثم ورؤاه الاستشرافية، إيمانه بأن الآن هو الوقت القيم من أجل الانطلاق في عالم أفكار الابتكار، لا سيما على صعيد الاقتصاد، فقد تجاوز العالم الرقمي، وما فيه من مستحدثات أفكار الاقتصاد القديم، وأن بقيت الركائز الأساسية، إلا أن آليات التطوير والرؤى الاقتصادية الجديدة في زمن اقتصاد المعرفة باتت تفرض ذاتها.
من هنا يرى جلالته أهمية قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وقطاع ريادة الأعمال، لا سيما المشروعات التي تقوم على الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
لا يتوقف برنامج عمل جلالته في حاضرات الأيام وقادمها عند التنظير، إنه يسعى سعيا حثيثا بإرادة قوية في طريق ترجمة هذه الأفكار إلى برامج لتدريب الشباب وتمكينهم، للاستفادة من الفرص التي يتيحها هذا القطاع الحيوي، أي قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة، ليكون لبنة أساسية في منظومة الاقتصاد الوطني.
فلسفة الحكم عند جلالة السلطان هيثم تذكرنا بالعقد الاجتماعي عند الفيلسوف الفرنسي الكبير والشهير «جان جاك روسو»، إذ أن العلاقة بين الحاكم والمحكومين هي شراكة استراتيجية لها أهداف نبيلة وسامية وليست مسألة أوامر فوقية بين من يأمر ومن يطيع فقط.
جلالته يرى أن بناء الأمم وتطورها مسؤولية عامة يلتزم بها الجميع، ولا يستثنى أحد من القيام بدوره فيها، وبقدر استطاعته.
تبقى عمان دولة رمز لا يعرف قيمتها فقط أبناؤها بل حتى المقيمين على ترابها الوطني من العرب أو الأجانب، هؤلاء وأولئك الذين ينعمون بدولة مؤسسات قانونية، وفي ظل أطر من مبادئ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص.
لا يهمل السلطان في برنامج القائم والقادم المرأة العمانية، بل ينظر إليها كشريك في استراتيجية النجاح، جنبًا إلى جنب مع الرجال. حين تتحدث وكالة بلومبيرج الأمريكية الاقتصادية العالمية عن مستقبل باهر ينتظر العمانيين، فإن هذه تعد أول شهادة دولية لنجاح السلطان هيثم في أن ينقل رسالته ورؤيته لبلاده إلى العالم عبر الخطاب السامي.