نقل إفريقيا.. الحقائق القديمة والدهشة الاستثمارية

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

الحديث التقليدي عن القارة الإفريقية كقارة بكر، وذات موقع استراتيجي بالنسبة للعالم ، وبها فرص لا نهائية، لا يقدم الكثير لمن يريد النظر إلى القارة تفصيليا ليكشف بالفعل ما الذي هناك ؟ . ولأن البنية التحتية وهي تشمل من بين ما تشمل النقل بأنواعه واللوجستيات، تقدم معرفة أوثق بحجم الفرص وكذا التحديات فإن قليلين للغاية من قدموا صورة شاملة عن القارة من هذا المنظور، ومن بين هؤلاء القلائل يجيء البحث الذي عرض خطوطه العريضة توا والذي أجراه احد أساتذة هندسة الطرق المعروفين في مصر.. وهو قد قدم إطارا مظليا لوضعية النقل في القارة – مع عقد مقارنات بين ما هو ذات صلة وكائن في كل من أوروبا والولايات المتحدة ومصر – تاركا لكل من يريد أن يعلم أو يستثمر أو يحجم أو يغير خططه أن يقرر ما يشاء. انطلق البحث من أساسيات أهمها أن 42% من سكان إفريقيا تحت خط الفقر (1.9 دولار /‏‏اليوم). وان نسب التجارة البينية في القارات (إفريقيا 15% – أوروبا 67% – آسيا 58%). وابرز أن الدراجات والسير على الأقدام هي الوسيلة الأكبر للنقل بنسبة 60 % في القارة وان القطاع غير المنظم هو الذي يدير معظم النقل بإفريقيا لذلك مستوى الجودة سيئ. ويبلغ حجم نقل البضائع بإفريقيا 3 % من حجم نقل البضائع فى العالم وضعف النقل له دور أساسي في ذلك. وبلغ معدل النمو فى إفريقيا ما يعادل 2.8 % عام 2019 وهو معدل منخفض بوضوح وغير كاف للحد من الفقر. ومن بين إجمالي إقراض البنك الدولي للإنشاء والتعمير والمؤسسة الدولية للتنمية 2019 في افريقيا حصل النقل على 4% من الحصة لجميع القطاعات وهي نسبة صغيرة تحتاج إلى زيادة ، ووصل عدد سكان إفريقيا (2019) 1.2 مليار نسمة ويصل في 2050 الى حوالي 2.3 مليار نسمة (ضعف الحالي مما يزيد الطلب على مشروعات الطرق والنقل حتى يمكن أن تشجع الاستثمار). ذكر البحث الذي أعده وألقاه بمعهد التخطيط القومي المصري الدكتور اسامة عقيل ان هناك تطورا في خدمات النقل في شمال وجنوب إفريقيا وان جنوب إفريقيا هي الأفضل علي عكس غرب وشرق ووسط إفريقيا اللذين لديهما ضعف شديد في كل نواحي النقل ومستويات الخدمة الخاصة به، ومن المفارقات التي عرضها البحث وجود ستة مقاسات للقضبان المستخدمة في الشبكات في إفريقيا ، وبالتالي من الصعب ربط الشبكات ببعضها (المحرر: يحيلنا ذلك إلى ما قام به الاحتلال الانجليزي للسودان من تغيير لمقاس خط السكك الحديدية السوداني الرئيسي الواصل قرب حدوده مع مصر للحيلولة دون تكامل البلدين)، وعدم وجود تعاون بين الدول فمعظم هذه السكك الحديدية قام الاستعمار بصنعها لنقل المواد الخام من الدول الإفريقية لذلك فربط هذه الشبكات أمر صعب. أكد البحث أهمية أن تعتمد استراتيجية النقل في إفريقيا على تطوير النقل داخل الدول لخدمة التنمية (النقل الحضري والنقل بين المدن للركاب والبضائع) ، وتطوير النقل داخل القارة لتعزيز التجارة البينية، والذي يعتمد على الربط مع الدول المحيطة وعلى محاور النقل الوسائطي وعلى النقل الساحلي ، وتطوير النقل الخارجي والتجارة الدولية، والذي يعتمد على تقوية محاور الربط مع مراكز الإنتاج والموانئ وتطوير الموانئ والمطارات وجذب الاستثمارات والتمويل الداخلي والخارجي. وطبقا للبحث وتوصياته والتعقيبات عليها فإن هناك فرصا كبيرة لتصدير صناعة الخدمات وصناعة اللوجستيات وصناعة المقاولات والاستشارات الفنية وجميع المنتجات ذات المزايا التنافسية إلى إفريقيا. وتمت الإشارة إلى ضرورة تفعيل دور لجنة النقل بالاتحاد الإفريقي كشريك أساسي في تنفيذ اتفاقات تعزيز التجارة البينية بين الدول الإفريقية. وضرورة الاعتماد في تمويل مشروعات تطوير شبكة النقل والبنية التحتية لإفريقيا على مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص للتغلب على مشكلة التمويل. ضرورة الاستفادة من الممرات المائية في تعزيز التجارة البينية داخل القارة الإفريقية، من خلال الآليات الموجودة مثل مبادرة حوض النيل وغيرها. أكد الحاضرون ان المشكلة الرئيسية في إفريقيا هي البطء في التنفيذ وعدم الاستمرارية في تنفيذ المخططات والأهداف الموضوعة وليس التمويل، خاصة مع توجه إفريقيا حالياً نحو إنتاج الغاز والنفط وتداوله إقليمياً ودولياً. وأشاروا إلى أن تكلفة النقل تمثل ما بين 20 و25% من تكلفة الخدمة وبالتالي خفض التكلفة يزيد من القدرة التنافسية للمنتج وقدرته على النفاذ للأسواق. وأخيرا تمت الدعوة إلى ضرورة التفاوض مع مؤسسات التمويل الدولية حول أولويات التمويل واتجاهاته بما يتناسب مع احتياجات الدول الإفريقية وفق رؤيتها التنموية وأهدافها وبما يخدم مصالحها، وليس وفقاً لسياسة مؤسسات التمويل.
يقودنا البحث السابق والتعقيبات عليه إلى إعادة التأكيد على الحقيقة القديمة والتي لا تزال بالقطع قادرة على إثارة الدهشة وهي أن البنية التحتية العصرية وفي قلبها النقل ، هي المحرك الرئيس للاستثمار والتنمية في أي بلد، ولا تقدم تجارب الدول المتقدمة الغربية أو الآسيوية الدليل على ذلك فحسب، ولكن المواطن العادي ايضا يلمسه كل يوم ، فالأصل في الحكم على نجاعة النقل في أي بلد هو أن يلمس المواطن العادي أولا والذي هو العامل والمهني والمهندس والمستهلك في المصانع والشركات ولإنتاجها .. يلمس ذلك ويعيشه. وقد رأينا وسمعنا من كان يقول انه جاء ليستثمر في هذه العاصمة او تلك لكنه عاد إلى بلده دون أن يفعل، لأنه وصل من المطار الى الفندق او من الفندق إلى الوزارة التي كان سيذهب اليها او المؤتمر الذي أراد حضوره في عدة ساعات بسبب «الترافيك» . وفي
الواقع المحلي نعرف في كل بلد قصصا كثيفة الدلالة على أن يسر وسهولة النقل وتوازن تكلفته اكبر محفز للأسر الفقيرة على تغيير حياتها وتموضعها وأنشطتها، والتاريخ الإنساني الحديث حافل بالقصص التي عانى أصحابها في بدايات حياتهم لأنهم لم يجدوا سبيلا إلى الذهاب إلى مدينة او موقع ما كانوا يعرفون أن لهم فيه فرصة، أو عجزوا عن تدبير الأجرة المطلوبة ، او أن أحدا ساعدهم على ذلك فتغيرت حياتهم وصار لصاحب الجميل مكانة لا تنسى عندهم . وتبقى المعضلة كامنة في السطر الأخير الذي عرضته مع البحث إلا هو تقديم تمويل يناسب متطلبات إفريقيا وليس بشروط او وجهات نظر الجهات الممولة . معروف للكافة انه بقدر ما ان البنية التحتية مفتاح التقدم بقدر ما انها قد تورط الدول في ديون لا تستطيع الوفاء بها وبالتالي تتعثر ليس فقط في الاستثمار والتنمية ولكن أصلا إكمال خططها المتعلقة بالبنية التحتية ذاتها فلا يتحقق لها المراد من إقامة مشاريع وتحصيل ضرائب لسداد ما عليها، ولهذا فإن العناية بتطوير النقل او غيره من المشاريع الخاصة بالطاقة والمياه والكهرباء والغاز والصرف والطرق والإنفاق والكابلات الفايبر والشبكات الحديثة.. الخ يجب أن تترافق مع وعي شديد بالآليات المناسبة والهدف المرحلي والنهائي والتوازن الدقيق بين الطموح والقدرة وعامل الزمن الذي يمكن فيه تحقيق الإنجاز دون إبطاء أو دون تسرع أيضا. تقدم المحاضرة ما يثير الشجن حول صعوبات النقل والتنقل بالقارة ودور الاستعمار القديم في ذلك بيد انه لا وقت للنواح على الماضي فالتحديات المستقبلية لا تترك لأي دولة تريد الاستقرار والتقدم، هذا الترف.

جريدة عمان

مجانى
عرض