رمـــاد: ومضةُ أمل

عبدالله بن محمد المعمري –
shinas1@hotmail.com –

أقف على رصيف مدينة الأحلام، لعلّ الذكرى تعود، ولا تموت كما مات الواقع الجميل، فالليل شديد الظلام، وإن كان القمر في السماء فوقي، فهو الآخر بائسٌ مثلي، يجر الظلام خلفه سُحُبًا بلا مطر، يسكنها السواد فقط، والنجمات تختبئ خلف السحاب، لا تريد أن تكون بلا لون حين أنظر لها، فأين صورة هي تلك التي تصحَبني كلما رفعتُ رأسي للأعلى نحو السماء!.

أدرك أن كل شيء يتغير، يتبدل، حتى أحلامنا التي تغادرنا كلما كبُرنا، تفتح نوافذ الصباح قبلنا لتهاجر إلى أرض أخرى، لا أعلم إن كانت تهاجر إليها كي تموت وتدفن فيها، أم لكي تولد فتُسعد من وُلدَت لأجله، فهروبها منذ أن تغادرنا يدمع القلب، ويرسم على السقف خطوطا سوداء أشبه ما تكون بقضبان السجون، تمنعنا حتى من أن نتذكرها حينما نكبر.
ليس هذا فحسب، حتى الأشياء المفرحة التي كانت بالأمس مصدرا للسعادة، غدت اليوم باهتة، شاحبة، ترفض أن تُلوِن لوحة الحب المعلقة على الجدار، فلونها بنظرة عين الحال رمادي فقط، مع أن قوس قزح كان يعبر أدق تفاصيلها كلما نظرت إليها.

ومع كل هذا البُؤس، وكومة الحزن الجالسة على طريق المستقبل، ليس لي سوى ومضة أمل، مكتوبة على ورقة صغيرة بالية، ومرمية في الدرج، أفتحها لأبكي، ومع كل هذا البكاء، تلمع بوميضٍ يشرق في روحي، فأنهض لأسير نحو الباب، لأخرج إلى الغد الذي ظننت أنه لن يأتي. مع أن المسافة قصيرة جدا، لا تعدو عشر خطوات من مكاني إلى حافة الباب، إلا أنها طويلة مع كل ذلك البؤس الذي يخيل إليّ أن لا نهاية له.
وقفت على ناصية الغد، خرجت من الباب بومضة الأمل تلك، ولكن هل تراني أستطيع التقدم، ووضع قدمي على الطريق، وأن أسير إلى حيث أريد؟ لا أعلم، كل ما أعلمه هو أني وقفتُ، وخرجتُ من صومعة العزلة، وصلتُ إلى باب الغد، ورأيتُ النور، فأبصرتُ الطريق، إلا أني أجهل ما بعد ذلك، وما أستطيع فعله لأصل إلى واقع أجمل مما كنتُ عليه في مدينة الأحلام.

جريدة عمان

مجانى
عرض