رأيـهـا: فطنة

فاطمة الاسماعيلية –

مواقف الحياة المختلفة تُعلمنا بأن الأعمى ليس من فقد البصر فحسب.. وإنما من نُزعت من قلبه البصيرة والتي قد يكون تأثيرها أكبر من البصر، فإذا فقد الإنسان بصيرته – وهي قوة الإدراك والفطنة- فقد بالتالي الدليل الذي يعينه على حُسن التعامل مع الآخرين من حوله أو التكيف مع مواقف الحياة المتعددة،
ونافذ البصيرة هو ذو ذهن وعقل ثاقب، وهو من يملك النور بقلبه ويستدل به نحو طريق الصواب والخير، وعدم التمتع بالبصيرة يُفقد المرء القدرة على التعامل مع الأمور بطريقة سليمة، حتى وإن كانت الأمور واضحة أمام مرأى العين، ولكنه لا يستطيع رؤيتها بقلبه. – وهو الأهم – يُقال فلان أعمى البصيرة أي فقد النور بقلبه وليس بعينيه، وضرَب الهوى على بصيرته أي أعمى قلبه.
في لقاء مع امرأة كفيفة كانت تتحدث فيه عن موهبتها في فنون الطبخ، فهي تطبخ ببراعة بل ويعتبر الطبخ بالنسبة لها مصدر رزق تعيل فيه أسرتها، وعند سؤالها عن سر براعتها في الطبخ والنكهة الخاصة التي تتميز بها أطباقها، قالت إنها تتحسس المقادير بدقة في الملعقة، وهذه نعمة عظيمة بأن تكسب قوت يومها بمهارة عالية، فالنور الذي ملأه قلبها جعلها متفوقة حتى فيما تقوم به، ولا تختلف عن غيرها من المبصرين.
وعلى غرار تلك المرأة الفاضلة هناك الكثير من قصص التميز والكفاح في مختلف المجالات، لأشخاص فقدوا البصر، لكن وهبهم الله بصيرة فائقة جعلهم أحيانا يتفوقون على من يملك نعمة البصر، سواء كانوا على مقاعد الدراسة أو في أعمالهم المختلفة، على سبيل المثال طه حسين الأديب والناقد الذي لُقّب بعميد الأدب العربي، مبدع السيرة الذاتية في كتابه «الأيام»، ومصطفى صادق الرافعي، والذي لقب بمعجزة الأدب العربي.
وماتياس فوكس، شاب كفيف، يبلغ من العمر ثلاثين عاما، فَقَد نعمة البصر منذ أن كان عمره 12 سنة، غير أن فقدان البصر لم يكن يوما ما سببا في عرقلته عن الإبداع، بل شكل له ذلك حافزا، فقد ابتكر جهاز تخطيط القلب لإجراء الفحوصات للحيوانات من دون التسبب في إيلامها، واختراع جهاز يستطيع تقليب صفحات الكتاب بشكل آلي، قام بتوصيله بالماسحة الضوئية لتحويل الكلمات إلى نص مقروء ثم تحويلها آليا إلى نص مسموع.
ولا ننسى أن التكنولوجيا الحديثة اليوم واكبت وساعدت المكفوفين للانغماس في نواحي الحياة المختلفة، حتى لا يشعرون بالعزلة بل بالعكس أظهرت تميزهم أكثر.. تبقى البصيرة فطنة قد يفتقدها كثير من المبصرين.

جريدة عمان

مجانى
عرض