جروح الغرب في ميونيخ.. وعودة الأرواح الشريرة

رشا عبد الوهاب –

لم تكن القضايا التقليدية مثل حروب الشرق الأوسط أو الإرهاب أو الهجرة أو صعود الشعبوية واليمين المتطرف هي الأزمات الرئيسية التي تصدرت مناقشات الدورة السادسة والخمسين من مؤتمر ميونيخ في 2020، بل فكرة شديدة القدم عادت لتحتل الساحة السياسية. إنه الصراع الخفي على النفوذ، من يحكم العالم، ومن يحتل المشهد السياسي على الساحة الدولية، ومن يحلم بالقيادة؟
ومن النادر أن يلتقط مؤتمرا دوليا أزمة اللحظة، لكن الدورة الأخيرة من مؤتمر ميونيخ للأمن توصلت إلى أن أزمة العصر تتمثل في تراجع الغرب وقيمه، وتدل هذه اللغة الألمانية الجديدة على الحالة التي عصفت بالنقاش الجيوسياسي خلال السنوات القليلة الماضية. وطُرحت أسئلة من عينة: «هل أصبح العالم أقل ميلا لقيم الغرب مثل الديمقراطية وحرية الفرد؟
وهل أصبح الغرب بعيدا عن هويته؟
«ماذا يعني للعالم إذا ترك الغرب الساحة للآخرين؟»
«كيف يمكن أن تكون الاستراتيجية المشتركة للغرب في عصر المنافسة مع القوى العظمى؟».
وخلال الأربعين عاما الماضية، أصبح المؤتمر الذي يعقد بمدينة ميونيخ التابعة لولاية بافاريا الألمانية أهم منتدى لتبادل وجهات النظر بين صانعي القرار في السياسة الأمنية الدولية، حيث يحضره سنويا 350 شخصية من أكثر من 70 دولة حول العالم للانخراط في نقاش مكثف حول التحديات الأمنية الحالية والمستقبلية.
ويعد إيوالد هاينريش فون كليست- شمنزين الأب الروحي وصاحب فكرة مؤتمر ميونيخ، الذي عقد لأول مرة عام 1963. وكان والدا إيوالد هاينريش فون كليست – شمنزين ناشطين في المقاومة الألمانية ضد الزعيم النازي أدولف هتلر، وكان هو نفسه ضمن مجموعة لاغتيال هتلر في 20 يوليو 1944 إلا أن المحاولة باءت بالفشل. ومثل منع الصراعات العسكرية، وتحديدا وقف تكرار سيناريو اندلاع حرب عالمية جديدة البذرة الأولى التي قام عليه المؤتمر الذي سمي في البداية «قوات الدفاع الدولية/‏ مؤتمر دفاع ميونيخ».
وحضر المؤتمر الأول المستشار الألماني الأسبق هيلموت شميدت وهنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي تحت شعار «السلام من خلال الحوار».
وفي الدورة 39 من مؤتمر ميونيخ، شكك يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني وقتها في السبب الذي من أجله قرر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الحرب على العراق في 2003، ومن بينها امتلاك الرئيس العراقي صدام حسين أسلحة دمار شامل، قائلا: «عذرا.. أنا غير مقتنع»، رافضا بشكل قاطع الحرب التي ما زالت متواصلة إلى يومنا الحالي، ومزقت العراق.
وعبر التاريخ ركز المؤتمر على الصراعات العسكرية، إلا أن العام الحالي، سلط المؤتمر على صراعات فكرية وسياسية ونقد للذات، فقد ركز على ما سماه ظاهرة «تراجع» أو «اضمحلال» الغرب أو مصطلح Westlessness، وهو شعور واسع النطاق بعدم الارتياح والقلق في مواجهة الشكوك المتزايدة حول الهدف الدائم للغرب.
ويرى مؤتمر ميونيخ في تقريره لعام 2020 أن كثرة التحديات الأمنية أصبحت غير منفصلة عما يسمى «اضمحلال» المشروع الغربي. وما هو أكثر من ذلك، فإن المجتمعات والحكومات الغربية فقدتا الفهم المشترك لما يعنيه أن تكون جزءا من الغرب.
ومنذ قرن مضى، كتب المؤرخ والفليسوف الألماني أوسفالد سبينجلير كتابه الشهير «تدهور الحضارة الغربية» عام 1918، والذي توقع فيه الانهيار الوشيك للحضارة الغربية، واليوم، تحول الغرب إلى مادة جديدة لأدبيات الانحطاط الحضاري. فمفهوم الغرب أصبح مجالا للشك بين قادته أنفسهم، فقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: «اعتدنا على أن النظام الدولي يقوم على الهيمنة الغربية منذ القرن الثامن عشر، لكن الأشياء تتغير».
وألمح ماكرون أن ربما يرجع ذلك إلى أخطاء الغربيين أنفسهم، متسائلا عن الجدوى من التدخل في أزمات معينة في الشرق الأوسط وكل مكان. بينما قالت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل إن الغرب «ليس كيانا مغلقا»، مشيرة إلى أنها تُعرف الغرب في ضوء أفكار محددة عن المجتمع ودور الفرد في هذا المجتمع.
ويأتى طرح فكرة التراجع الغربي، في وقت حددت فيه مجموعة الأزمات الدولية عشرة صراعات ستؤثر على السياسات الدولية خلال العام الحالي، وهي بالترتيب: أفغانستان، اليمن، إثيوبيا، وبوركينا فاسو، وليبيا، والصراع الأمريكي الإيراني، والصراع الأمريكي مع كوريا الشمالية، وكشمير، وفنزويلا، وأخيرا أوكرانيا.
ولكن التحدي الأكبر: الصين وروسيا، وأمامها السؤال الكبير: هل سيشهد الغرب قداس الموت أم عصر نهضة جديد؟ وما الذي يحمله المستقبل؟
والإجابة التي حملها ميونيخ على هذين السؤالين، أنه على الرغم من تراجع الغرب في ظل الهجوم المستمر ضده من الداخل والخارج، إلا أنه يبقى هناك أسباب للتفاؤل الليبرالي، فإن روح العصر «غير الليبرالية» المرعبة، والحكومات الاستبدادية ليست بالضرورة هي من ستفوز، فنظرة عن كثب تكشف أن هذه الدول، التي ترى أن الاستراتيجيات الغربية تمثل تحديا، تواجه أزمات داخلية خطيرة.
ولكن ليس كل الغرب ينظر بهذه الطريقة إلى نفسه، فمارجريت فيستاجر نائبة رئيس المفوضية الأوروبية قالت إنها «لم تفكر يوما في تراجع الغرب»، متسائلة: «هل نحن هنا لنناقش إحباطنا الخاص ونسأل باقي العالم في مشاركتنا في هذا النوع من التدريب الذهني الجمعي»، «لا أعتقد في هذا، فالقيم الأوروبية، وحكم القانون، واندماج الفرد منتشر في كل أنحاء العالم».
صحيح أن هناك إحساس بين المسؤولين الغربيين بأن هناك مراكز جديدة لاتخاذ القرار بشأن الأزمات العالمية، وأن أوروبا بطيئة جدا في التكيف مع هذا الواقع الجديد وفي التعامل مع الصراعات الدولية.
وقال هايكو ماس وزير الخارجية الألماني أن مستقبل الشرق الأوسط لم يعد يتحدد في جنيف أو نيويورك أو مقرات الأمم المتحدة بل في الآستانة عاصمة كازاخستان أو في منتجع سوتشي الروسي، حيث تلتقي إيران وروسيا وتركيا لتضع استراتيجيات التعامل مع هذه القضايا.
والسبب في ذلك من وجهة نظره أن البيت الأبيض في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب قرر ألا يلعب الدور الأمريكي الشهير كشرطي العالم. وقال فولفجانج إيشنجر رئيس مؤتمر ميونيخ إن المؤتمر كان تجمعا للعائلة الغربية خلال الحرب الباردة إلا أن الحال لم يعد كذلك. وهناك شيء واحد أكيد، وهو أنه لا عودة لذروة العلاقات الوثيقة عبر الأطلنطي، في إشارة إلى العلاقات الأمريكية الأوروبية. فالأوروبيون استيقظوا من الحلم على ترامب، وبدأوا يتحدثون عن التحول إلى قوة ذات سياسية ونفوذ سياسي واستراتيجي.
فالرئيس الفرنسي أضفى حماسه للخطاب الأوروبي حيث طالب بمعركة من أجل الاستقلال الأوروبي بعيدا عن أن يكونوا ظلا لواشنطن، كما دعا إلى وضع سياسة خارجية ودفاعية مشتركة. وإذا لم يكن هذا الخطاب يعمل مع الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا من التكتل الموحد، فإن باريس سعيدة بالعمل مع الدول التي تدافع عن «خلق أوروبا قادرة على التحرك في وجه صراع القوى العظمى». وسعت الولايات المتحدة إلى التأكيد على وجودها بقوة خلال مؤتمر ميونيخ ردا على اتهامات الحليف الأوروبي، وتحديدا انتقادات الرئيس الألماني فرانك فالتر شتانيماير، والذي هاجم واشنطن قائلا إنها ترفض فكرة المجتمع الدولي نفسه، وإن السياسة العالمية تشهد ديناميكية للهدم بشكل متزايد.
ولم يكتف شتانيماير بنقد سياسات ترامب «أمريكا أولا»، و«لنجعل أمريكا عظيمة مجددا»، بل هاجم روسيا التي «جعلت من القوة السياسية والتغيير السافر لحدود القارة الأوروبية أداة سياسية»، واعتبر أن الصين تستغل القانون الدولي بأسلوب انتقائي. ويبدو أن 2014 كانت حاسمة بالنسبة للرئيس الألماني، فالعالم تغير بعدها، وعادت «الأرواح الشريرة» من الماضي إلى الظهور خصوصا التفكير العرقي والعنصرية.
وحاول مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي إلقاء خطاب تغلب عليه النبرة التفاؤلية حيث قال: «نحن نفوز». كانت رسالة واشنطن الواضحة إلى أوروبا أنه يجب أن يقف الحليفان معا كجبهة موحدة بشأن عدد من القضايا، ومن بينها إيران، والإنفاق الدفاعي لحلف شمال الأطلنطي «الناتو»، والتجارة، وأخيرة هواوي عملاق التكنولوجيا الصيني الذي وصفه مارك إسبر وزير الدفاع الأمريكي بأنه «فتى الإعلان» للاقتصاد الصيني المفترس. فالصين كانت محور رئيسي للمتحدثين والجلسات المختلفة خلال المؤتمر على مدار يومين، لكن وزير الدفاع الأمريكي أكد أن واشنطن لا تريد صراعا مع بكين.
أما الصين فقد ردت على هذه الاتهامات والانتقادات العنيفة عبر القول إن الولايات المتحدة تعاني مزيجا من أوهام العظمة وجنون العظمة «البارانويا» في الوقت ذاته. وقال وانج يي وزير الخارجية الصيني إن الغرب يحتاج إلى تجنب الاعتقاد اللاواعي حول تفوق حضارته والتخلي عن التحيزات والقلق تجاه الصين. ولم يكن ميونيخ هذا العام سوى عزفا منفردا على وتر الجرح الأوروبي بعد خروج بريطانيا وتخلي الحليف الأمريكي، وضعف الغرب بقيمه أمام قوة الدب الروسي والتنين الصيني.

جريدة عمان

مجانى
عرض