الحرب في اليمن وصراع الإرادات

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

الحرب المشتعلة في اليمن بين الفرقاء والمتواصلة منذ خمس سنوات ينطبق عليها مسار الحروب المعقدة من خلال الاطراف المحلية والاقليمية وحتى الدولية وهي تتقاطع الى حد كبير مع الحرب في ليبيا مع اختلاف مسرح العمليات على الصعيد الجغرافي، ومن هنا فإن الحرب في اليمن وعلى ضوء المؤشرات الاخيرة فإنها حرب قد تتواصل لسنوات وهو أمر مؤسف.

ولعل الباعث على هذا الاستنتاج ينطلق من خلال التعقيدات التي تحيط بالمشهد اليمني الداخلي فهناك أنصار الله الذين يسيطرون على العاصمة اليمنية صنعاء وعدد من المحافظات الشمالية وهم الطرف الذي يواجه دول التحالف العربي بقيادة السعودية وهناك الوضع المعقد في المحافظات الجنوبية والذي امتد أخيرا الى محافظة المهرة والتي كانت بعيدا عن الحرب كما أن هناك المنافسة المحلية في جنوب اليمن حيث وجود المجلس الانتقالي الذي يدعو الى انفصال الجنوب والعودة الى ما قبل الوحدة اليمنية عام 1990.
وهناك حزب الإصلاح الإسلامي وجماعات جنوبية أخرى مع تقلص دور حزب المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي وهما أكبر الأحزاب اليمنية في العقود الاخيرة وينطلقان من تراث سياسي يمتد لعدة عقود من خلال الكفاح لنيل الاستقلال في شمال اليمن وأيضا جنوب اليمن.
وعلى ضوء المشهد اليمني اليوم فإن الحكومة الشرعية التي يترأسها الرئيس عبد ربه منصور هادي تواجه مشكلات كبيرة على صعيد الانفلات الأمني في الجنوب خاصة في عدن وشبوة والان في المهرة بسبب وجود المليشيات غير المنضبطة والتي أدت الى تعيين محافظ جديد لمحافظة المهرة خلفا للمحافظ السابق، كما أن المواجهات العسكرية بين القوات اليمنية من جانب وجماعة أنصار الله لا يمكن حسمها بعد خمس سنوات والسبب يعود الى تدخلات ودعم خارجي لكل الأطراف كما أن مبيعات السلاح من الغرب تعد متغير مهم تجعل من استمرار الحرب لمدة أطول هو أمر تسنده تلك المشاهد اليومية من الحرب الكارثية والتي كان الشعب اليمني الشقيق هو ضحيتها.

الى أين الاتجاه؟

الحروب الأهلية والتي يكون فيها تداخل خارجي ومصالح متعددة يصعب السيطرة عليها عند اندلاعها رغم الجهود السياسية التي تبذل على أكثر من صعيد وخاصة من السلطنة والتي بذلت جهودا مقدرة خلال السنوات الاخيرة ولاتزال، ومع ذلك فإن هناك نموذجا ليس بالبعيد في المنطقة في حيث الحرب الاهلية اللبنانية القاسية والتي اندلعت في عقد السبعينات وانتهت بعد خمس عشرة سنة مخلفة اثار انسانية واقتصادية كبيرة والسبب يعود الى تعدد الأطراف المحلية والخارجية المشاركة في الحرب والدعم التي تلقته الاطراف المختلفة.
وعلى ضوء ذلك فإن الأطراف اليمنية أمام مرحلة خطيرة لانقاذ بلادهم من التمزق والدخول في مرحلة يصعب فيها الحديث عن حل سياسي فالحرب في اليمن في تصوري تعدت مسألة الشرعية الى ما هو أبعد من ذلك فالولايات المتحدة تقاتل جماعة القاعدة وأطراف أخرى تقاتل جماعة حزب الاصلاح والتحالف العربي يقاتل جماعة أنصار الله والمليشيات المنتشرة في المحافظات الجنوبية أصبحت تلعب أدوارا أمنية أدت الى أحداث مع قبائل ومشايخ تلك المناطق.
إذن الحرب تتجه الى الأسوا والى صراع إرادات لن تنتهي في ظل غياب الإراده السياسية من الفرقاء اليمنيين بعيدا عن الأطراف الخارجية، ومن هنا فإن الحوار بين اليمنيين في تصوري هو الآلية الصحيحة والابتعاد عن الاملاءات والشروط ولتكن هناك مصارحة تنقذ اليمن من الوضع المأساوي الذي يمر به الآن.
الأمم المتحدة ورغم جهودها من خلال مبعوثها مارتن جريفيث الا أن هذا الدور سوف يظل محدودا وغير فعال في ظل غباب الارادة السياسية اليمنية فكل طرف متمسك بمواقفه من خلال دعم الأطراف الخارجية المساندة لكل طرف ومن هنا تضيع المصلحة العليا للوطن اليمني ويظل الجميع متشبث بأرائه التي أوصلت اليمن الى الحالة الصعبة على الصعيدين الانساني والاقتصادي.

تشابك الفرقاء

الجغرافيا اليمنية تعد مكانا مثاليا للحروب الطويلة كما هو الوضع في أفغانستان فالحرب في هذه الدولة ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة تجعل من مسارات الحرب في غاية الصعوبة فبعد خمس سنوات من القصف الجوي والقدرات العسكرية الميدانية فشلت دول التحالف في حسم المعركة ضد أنصار الله في صنعاء واستعادة حكم الشرعية وهو الهدف الأهم في انطلاق الحرب، ومن هنا فإن الحرب تحولت الى مسار آخر وأصبحت اليمن مسرحا لحرب عبثية غير محددة المعالم ومن مصلحة الأطراف المحلية ودول التحالف البحث جديا عن مسار للسلام وايقاف الحرب والتوصل الى حلول توفيقية.
ان الشعب اليمني يعاني الامرين خلال خمس سنوات من تلك الحرب ولعل انتشار الكوليرا وتفاقم الوضع الانساني هي من النتائج التي سببتها تلك الحرب ومن مصلحة الفرقاء في اليمن ان يكون هناك نهاية للحرب وحوار سياسي مباشر ينقذ اليمن من خلال فترة انتقالية للحكومة الشرعية وبعد ذلك تكون هناك انتخابات تشريعية ورئاسية يقرر من خلالها الشعب اليمني من يحكمه وايضا ممثليه في مجلس النواب، هذه هي الطريقة المثلى للخروج من مستنقع الحرب.
هناك تكلفة اقتصادية كبيرة للحرب في اليمن وهناك عشرات المليارات من الدولارات التي استنزفتها الحرب ويبدو لي ان اليمن بحاجه الى تنمية أكثر منه الى حرب، وفي هذا الاطار فإن الفرقاء اليمنيين كان بإمكانهم تطويق خلافاتهم وتجنب الحرب التي أصبحت حربا عبثية لا نهاية لها.
واذا استمر السجال الحالي والهجمات العسكرية من الطرفين فإن مزيدا من المقدرات سوف تهدر وسوف تتواصل الحرب كما اشرت الى سنوات اخرى وهذا سوف يجر اليمن الى مسارات يصعب التنبؤ بها كما كان عليه الوضع في الحرب الاهلية في لبنان، ولعل النموذج الافغاني يعد واضحا فالولايات المتحده شنت الحرب على القاعدة وطالبان في أفغانستان اقتربت الان من عقدين دون أن تتمكن الولايات المتحدة بكل قوتها العسكرية الكبيرة ووجود قوات الناتو ان تحسم الحرب في أفغانستان بل ان هناك اتفاقا سوف يوقع في العاصمة القطرية الدوحة أواخر هذا الشهر لإنهاء الحرب في أفغانستان بين حركة طالبان والولايات المتحدة تمهيدا لحوار أفغاني-أفغاني.
إذن الحروب الأهلية يصعب حسمها خاصة في الحالة الافغانية واليمنية وليس هناك خيار سوى خيار الحوار وبدون ذلك فان الحرب اليمنية مرشحة للاستمرار لسنوات في ظل المشهد الداخلي والمليشيات خاصة في المحافظات الجنوبية وهي مليشيات خارجه عن سيطرة الحكومة الشرعية وأيضا من خلال الأطراف الخارجية مع الفرقاء اليمنيين.

الحكمة يمانية

في تصوري بأن الذي يحسم الحرب هو الحوار والحكمة اليمانية التي ينتظرها الجميع وبصرف النظر عن تداعيات الحرب وظروفها وكوارثها الانسانية على الشعب اليمني فإن ثمة فرصة اخيرة لانتشال اليمن وشعبه من تلك الكارثة من خلال اصحاب الرأي والحكمة من الطرفين في اليمن الحكومة الشرعية وجماعة أنصار الله فالحوار المبني على الثقه سوف يقود الى مقاربة سياسية تحدد الاطر والآليات التي يرتضيها اليمنيون.
مصلحة اليمن العليا في وحدته والحفاظ على مقدرات شعبه والابتعاد عن مغامرات الحروب التي جربتها اليمن لعقود، ومن هنا فإن الحكمة والمصلحة تقتضي أن يجتمع اليمنيون بكل انتماءاتهم السياسية والحزبية على كلمة سواء وبناء اليمن على أسس سليمة من خلال دولة المؤسسات والقانون، ومن خلال دولة يمنية ينعم فيها الشعب اليمني بثروات بلاده بعيدا عن المصالح الضيقة وبعيدا عن تشابك المصالح الخارجية فاليمن الآن يحتاج الى رؤية تضمد الجراح وتنطلق باليمن الى مرحلة السلام واقامة دولة نموذجية في شبه الجزيرة العربية.
أن اليمن بحضارته الضاربة في التاريخ وبموارده ومقدراته البشرية والطبيعية مرشح إذا توفر له الحكم الرشيد والمؤسسات القانونية أن يكون دوله متطورة تساهم في التنمية المستدامة وتكون رقما مهما في ركب الحضارة الانسانية الحديثة تنعم بالاستقرار والامن ولها دورها العربي والدولي كما كانت دائما.

جريدة عمان

مجانى
عرض