عهدان زاهران .. عمان نهضة متجددة

أسامة بن كريم الحرمي –
ما مات من أبقى ثناءً مخلدًا… انتهى الحداد وما زال قابوس -رحمه الله- حيًا في قلوبنا وعقولنا بكلماته وأفعاله، وستبقى ذكراه ماثلة أمامنا أبد الدهر لا تتغير ولا تتبدل. لقد فارقنا بجسده وشخصه، لكن حبه قد حل في قلوبنا السويداء، وهذه آثاره الطيبة التي خلفت -منهجًا وأخلاقًا- عليها نغدو ونروح. إليك مولاي القائد الراحل عن العيون الساكن في القلوب، تنحني الهامات إكبارًا وإجلالًا أمام عظمة تضحياتك وتاريخك المشرق من العطاء وصنع الأمجاد لعمان -هذا الكيان الخالد أبد الدهر- الذي نفتخر بالانتماء إليه.
غداة وفاتك يا محب السلام وضعت عمان أمام مفترق طرق كبير، وها هي تضرب مجددًا أفضل وأروع الأمثلة تجاه سلامة واستقرار وطننا الغالي، حيث بسلاسة وهدوء، شهدت عمان انتقال حُكمٍ عمره نصف قرن في ساعات معدودات. أيضا، إن الطريقة الدستورية التي تم بها ذلك تعطي مؤشرا مهما في رسوخ الدولة وقوة المؤسسات التي بدورها أبهرت الجميع بل وبددت أي شكوك من قبل البعض، أولئك ممن رسموا أسئلة كبيرة حول غموض انتقال السلطة في عمان. تنازلت العائلة المالكة الكريمة على الفور عن حقّها في اختيار سلطان البلاد، وطلبت من مجلس الدفاع فتح وصية السلطان الراحل -طيب الله ثراه- واعترفت بمن فيها سلطانًا قبل أن تعرف اسمه. تمت العملية مُتلفزة بهدوء، وهو ما يعكس مدى الولاء والحب والعرفان للسلطان الراحل والثقة في اختياره، قابوس الذي طالما عرف بحكمته ورؤيته المستنيرة ونظرته الثاقبة للأمور.
وهكذا، قدمت العائلة المالكة الكريمة درسًا بالغ الأهمية في وحدة الموقف والحرص على مستقبل الوطن قبل مصالح الأفراد، وبقت السلطنة على خطى السلطان قابوس -طيب الله ثراه- الذي لم يترك عمان وينتقل إلى جوار ربه، إلا وقد شد أصر عائلته ووطنه، تاركًا وراءه تاريخًا لا يمكن نسيانه. نعم، لقد ترك السلطان الراحل -رحمه الله- إرثًا كبيرًا ليس فقط في عمان، لكن في شتى أنحاء المنطقة وخارجها.
ومن خلال خطوته الأخيرة، وجه السلطان قابوس -طيب الله ثراه- رسالة لمرحلة ما بعد رحيله يطمئن فيها شعبه الوفي، والعالم -الذي طالما اندهش- من اللُحمة القوية التي تربط بين السلطة والشعب، الحاكم والمحكوم. فمن خلال اختيار صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -أعزه الله- الذي عمل على مدى سنوات طويلة في مواقع متعددة بوزارة الخارجية وكان قريبًا من صنع القرار السياسي أيًّا كان نوعه، استراتيجيًا أو يوميًا وأتقن متطلبات الدبلوماسية العمانية، حرص على إبقاء سياسته الخارجية كما كانت عليه في عهده.
إنَّ الانتقال السريع للسلطة وكذلك توحد الشعب والتفافه حول قائده الجديد لإكمال مسيرة التقدم تظهر أن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- يحظى بكل الدعم لقيادة عمان، وله من المزايا والقدرات ما يؤهله لتحمل المسؤوليات الشاقة والجسيمة. ستسطر مسيرته بإذن الله أروع قصص الإنجاز والعطاء من نمو وازدهار في مختلف الميادين.
ومع كافة التطورات الراهنة في المنطقة التي تواكب هذه المرحلة الزمنية، تبقى القيادة العمانية مُدركة أن موقع السلطنة الاستراتيجي قد حمّلها مسؤولية كبيرة تتمثل في المساهمة بشكل رئيسي في تأمين حماية مدخل الخليج العربي، الذي يعد من أهم خلجان العالم لأسباب بديهية. بسبب هذا كله، طالما اتخذت عمان سياسة خارجية ركزت كل التركيز على صيانة الأمن والسلم في الخليج. نعم، لقد تفردت عمان في كثير من التوجهات والقرارات إلا أن ذلك لم يؤثر في مواقف السلطنة، إذ غالبًا ما كانت الدول المنازعة لها والمختلفة معها تعود إلى الأخذ بالرأي العماني. إن الالتزام بالموضوعية، والإيجابية، وعدم الانجراف نحو القرارات المتسرعة والطائشة وغير المدروسة والمحكومة بالعاطفة، هو ما يميز السلطنة في عملها السياسي.
كما أكدت السلطنة في كل مناسبة على انتمائها العروبي، وأنها جزء من الأمة العربية التي تربط بين وحداتها السياسية ووحدة الهدف ووحدة المصير، ما يحتم عليها على الالتزام بالوقوف مع كل قضايا العرب والدفاع عن مصالحهم. لقد عرفت المنطقة العربية على اتساعها واتساع قضاياها، ودول الخليج على وجه الخصوص، مصداقية الرؤية العُمانية، ذلك عندما اكتوت هذه الدول بنيران ثلاثة حروب.
وتعهد جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- في خطابه عند تولي العرش بمواصلة السياسة الخارجية التي قال جلالته إنها تقوم على التعايش السلمي والحفاظ على العلاقات الودية مع كل الدول مع استمرار جهود التنمية في السلطنة. وأضاف: إن مسقط ستواصل مساعيها لحل الخلافات بالطرق السلمية، موجّهًا رسالته حول استمرارية عمان المستقر، وعزمه السير على خطى السلطان الراحل قابوس.
بنى السلطان قابوس -طيب الله ثراه- دولة حديثة ومحورية في المنطقة. واليوم، يتطلّع المواطنون بأن تصل بلادهم إلى مصاف الدولة المتقدمة وأن تتحقق إصلاحات اقتصادية فعّالة تدشن معها مرحلة جديدة من «نهضة متجددة». لقد آل زمام الأمور إلى سلطان البلاد المفدى هيثم بن طارق -أعزه الله- وأصبح بيد من يوصف بأنه خير خلف لخير سلف، والذي شارك بكل كفاءة واقتدار منذ عهد السلطان الراحل في مسيرة العطاء والتنمية ويعمل بتفانٍ وإخلاص لخدمة عمان وشعبها الوفي الذين بايعوا جلالته طائعين محبين.
رحم الله السلطان الراحل قابوس بن سعيد، وأسكنه فسيح جناته، ومدَّ الله في عمر صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق، ووفّقه لما فيه خير السلطنة ومصلحة الإسلام والمسلمين، لتبقى عمان ذخرًا لأمتها وللعالم.

جريدة عمان

مجانى
عرض