محاولات للتشخيص والتواصل مع الآخرين !!

د. عبدالحميد الموافي –

اذا كان من المعروف أن اللقاءات، ثنائية كانت أو متعددة الأطراف أو جماعية في إطار منظمة أو هيئة محددة، أو استجابة لدعوة طرف أو أطراف ما، هي من اقدم وأهم سبل العمل السياسي وإدارة العلاقات على مختلف المستويات بين الدول، في إطار قواعد القانون الدولي، او كما هو مأمول على الأقل، فان التطور الذي حدث على صعيد العلاقات الدولية، وازدياد مساحة التفاعل بين أشخاص القانون الدولي، والتي لم تعد محصورة في الدول ذات السيادة، حيث ظهرت كيانات – ليست بدول – فرضت نفسها بشكل أو بآخر، وعلى نحو يصعب تجاهله، فانه ليس من المصادفة أبدا أن تتعدد وتتنوع اللقاءات والمؤتمرات لتواكب التطورات والتعقيدات التي لحقت بالعلاقات والتنظيم الدولي بوجه عام، والمشكلات العديدة التي بات العالم يعاني منها، وتدفع الشعوب ثمنها بوجه خاص.

وبينما تتسم اللقاءات والمؤتمرات التي تتم في إطار منظمة، أو هيئة اقليمية او دولية بالطابع الرسمي، بحكم أن الدول الأعضاء، أو الدول غير الأعضاء المدعوة للمشاركة فيها، تشارك فيها بصفة رسمية، بمعنى ان الوفود تعبر في النهاية عن رؤية ومواقف دولها، المعلنة او غير المعلنة حيال القضايا المطروحة، فان الواقع الدولي، وتعقيدات المشكلات، وتداخل وتقاطع مصالح القوى والأطراف المؤثرة فيها يجعل من المهم والضروري العمل بأكثر من طريقة، ومنها على سبيل المثال اللقاءات والمؤتمرات غير الرسمية، والمقصود بها اللقاءات والمؤتمرات التي تعقد بهدف تبادل الرأي والتشاور بين الأطراف المعنية، والتي تعقد خارج إطار الهيئات الإقليمية والدولية ذات الصلة، وفي هذه النوعية من المؤتمرات يحاول كل طرف استكشاف أبعاد مواقف الأطراف الأخرى ذات الأهمية، أو ذات التأثير على مصالحه بشكل مباشر أو غير مباشر للاستفادة بذلك على مائدة المفاوضات الرسمية بعد ذلك وعند الضرورة.
وبالنظر إلى أن ظل الرسمية وعبئها ايضا يصعب التحلل التام منه في تلك النوعية من المؤتمرات، رسمية كانت او غير رسمية، بحكم أن الوفود – حتى في المؤتمرات غير الرسمية لا تستطيع التخلي تماما عن الالتزام بمواقف دولها، حتى لو تقدمت خطوة او خطوات، عادة ما تكون محسوبة بدقة، في ما تقدمه في المؤتمرات غير الرسمية من مواقف او وجهات نظر، فقد ظهرت الحاجة إلى ما يمكن وصفه بالتبادل الحر، أو بمعنى أدق، الأكثر مرونة للمواقف والآراء بين المشاركين، ومن هنا ظهرت المؤتمرات التي لا تقوم على دعوة دول محددة للمشاركة فيها، ولكنها تترك قرار المشاركة فيها للأفراد او للمسؤولين الذين يختارون المشاركة بقرار فردي منهم، ووفق الأسس التي تحددها إدارة المؤتمر او منظموه، بما في ذلك تحمل نفقات المشاركة بكل جوانبها.
ومن أبرز تلك المؤتمرات مؤتمر ديفوس ومؤتمر ميونيخ للأمن الذي عقد في الفترة من 14 إلى 17 فبراير الجاري في مدينة ميونيخ الألمانية. ولعله من الأهمية بمكان الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: انه في العقود والسنوات الأخيرة انتشرت وتعددت المؤتمرات الأمنية، أي التي تهتم بمناقشة القضايا السياسية والاستراتيجية ذات الصلة بقضايا الأمن والدفاع وبالمصالح الوطنية والإقليمية، ليس فقط من جانب مراكز الدراسات الاستراتيجية في العالم وعدد متزايد من مراكز البحوث في الجامعات العربية وغير العربية، ولكن ايضا من جانب دول وعواصم عدة في المنطقة وخارجها، وتحت مسميات مختلفة، غير أن كثيرا من تلك المؤتمرات، ظلت حتى الآن على الأقل محصورة في إطار اهتمامات الأطراف المنظمة لها وأولوياتها، وفق أجنداتها ومصالحا، حتى لو كانت مجرد حجز مكان على الميديا ومحاولة إضفاء مكانة او سمعة ما، وباستثناء بعض مراكز البحوث الجادة ومنها مراكز جامعات معينة، فان الكثيرين سرعان ما ينسون تلك المؤتمرات وما جرى فيها بعد انتهائها بقليل.
أما المؤتمرات من نوعية مؤتمر دافوس ومؤتمر ميونيخ للأمن، فانها تحتل مرتبة أخرى أعلى، سواء من حيث المشاركين فيها، أو من حيث القضايا المحورية لها، أو من حيث عمق وقيمة المناقشات التي تشهدها. ورغم التكلفة العالية للمشاركة، فان عدد المشاركين في مؤتمر ميونيخ للأمن، في دورته الـ 56 التي عقدت قبل أيام، بلغ نحو خمسمائة مشارك من نحو أربعين دولة، من بينهم قادة دول منهم على سبيل المثال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، والرئيس الروسي بوتين، والرئيس الألماني فرانك شتاينماير، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والمستشارة الألمانية ميركل، إلى جانب رؤساء حكومات منهم رئيس وزراء كندا جاستين ترودو، ورئيس وزراء الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، ورئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وعدد كبير من وزراء الدفاع والخارجية والاقتصاد في العديد من الدول ومن أبرزهم معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية ومايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكية، إلي جانب خبراء ومتخصصين وصانعي قرار، وكذلك مارك زوكربيرج رئيس مؤسسة فيسبوك الشهيرة، وهو ما يضفي ثقلا كبيرا على المناقشات التي تتخذ شكل مجموعات او حلقات متعددة ومفتوحة حول القضايا المختلفة، إلى جانب التقرير الأمني للمؤتمر والذي جاء تحت عنوان « افول التأثير الغربي».
وفي الوقت الذي يتميز فيه مؤتمر ميونيخ للأمن بأنه يتيح فرصة مرنة وواسعة للتواصل وتبادل وجهات النظر بين المشاركين فيه، إلا أن الشخصيات ذات الصفة السياسية في بلادها لا تستطيع في النهاية التخلص من غطائها السياسي بشكل تام، وكان ذلك في الواقع سببا للخلافات التي ظهرت بين بعض المشاركين، وما جرى من جدل وانتقاد متبادل بين المانيا وفرنسا من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر.
ثانيا: ان مؤتمر ميونيخ للأمن، وهو يعتبر مؤتمر للنخبة السياسية والاقتصادية والتقنية في العالم، بحكم مستويات المشاركين فيه ومنهم على سبيل المثال الأمين العام للأمم المتحدة « جوتيريش» والأمين العام لحاف الاطلنطي « ستولتنبيرج» والأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية « د. الحجرف» والأمين العام لجامعة الدول العربية احمد ابو الغيط، ورئيس مؤسسة فيس بوك «مارك زوكربيرج »، وغيرهم ليس من مهمته البحث عن حلول للمشكلات والتحديات التي يواجهها العالم الآن، ولكن مهمته الأساسية هي إتاحة الفرصة لمناقشة ابرز القضايا والتحديات والسعي إلى تشخيص تلك المشكلات ومحاولة بناء توجه عالمي محدد بقدر الإمكان للتعامل معها، أو على الأقل دق جرس إنذار بشأنها، لينتبه صناع القرار في العالم والرأي العام الدولي إلى تلك القضايا والمشكلات ومحاولة التعامل الإيجابي معها عبر التعاون الواسع النطاق بين الأطراف المختلفة والقادرة في العالم.
ومن جانب آخر فان مؤتمر ميونيخ للأمن، ومن خلال المستوى الرفيع للمشاركين فيه، ومواقعهم داخل بلدانهم، يتيح الفرصة لتبادل وجهات النظر على المستويات الثنائية والمتعددة الأطراف من ناحية، واحيانا إيجاد فرصة لتواصل على مستوى أو آخر في إطار المؤتمر من ناحية ثانية، وقد تردد ان لقاء عقد بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف واحد أعضاء الكونجرس الأمريكي، ومع ان هذا النبأ لم يتأكد بشكل واضح من اي من الجانبين، إلا أن لقاءات عدة على جانب كبير من الأهمية عقدت في إطار او على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، منها على سبيل المثال اللقاء الذي عقد بين رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ورئيس الوزراء الكويتي الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، إلى جانب ما عقده وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف من لقاءات، منها لقاؤه مع معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، وكذلك اللقاءات التي عقدت بين كل من الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل، وبين كل منهما وأطراف أخرى، خاصة حول التطورات في سوريا وليبيا، وبالطبع هناك العديد من اللقاءات بين الأطراف المختلفة – لا يمكن حصرها – لتبادل الرأي حول العديد من القضايا والمشكلات التي تشغل العالم الآن والتي يبحث لها عن حلول، أو على الأقل عن آليات عملية وفعالة للتعامل معها ودفعها بقدر الإمكان على طريق الحل على المستوى الثنائي او متعدد الأطراف وبالطبع خارج نطاق المؤتمر وبعد أن يعود المشاركون إلى بلدانهم.
ثالثا: انه بالرغم من قيمة وأهمية الاتصالات واللقاءات التي جرت خلال مؤتمر ميونيخ للأمن وعلى هامشه، في الأيام القليلة الماضية، وبالرغم ايضا من طبيعة المؤتمر، في مناقشاته والجدل الذي شهده، كان بمثابة انعكاس للوضع الدولي الراهن، ليس فقط بمشكلاته وصراعاته واتجاهاته التي عبر عنها شعار المؤتمر – أفول التأثير الغربي – ولكن ايضا بمواقف الأطراف المختلفة التي انتقلت خلافاتها خارج المؤتمر إلى مناقشاتها ومواقفها داخله، برغم الطابع الفردي للمشاركين.
وإذا كان ذلك يعني ان المسؤولين السياسيين يظلون يمثلون دولهم ومواقفها بشكل أو بآخر داخل المؤتمرات واللقاءات المختلفة، فانه من الصعب تجاهل الجانب الإيجابي لمؤتمر ميونيخ للأمن، والذي تمثل في التنبيه الواضح الى مخاطر التدهور في التأثير الغربي بوجه عام والتأثير الأمريكي بوجه خاص، وهو ما يتطلب الخروج باستراتيجية مشتركة لعصر جديد.
ومع ان وزير الخارجية الأمريكية حاول ان ينفي التباعد بين ضفتي الأطلسي، مؤكدا على وحدة الغرب، إلا انه رد بالطبع على الانتقادات الفرنسية والألمانية لسياسات الإدارة الأمريكية. من جانب آخر فان التباين في المواقف والخلافات داخل الاتحاد الأوروبي ظهر بوضوح حول اكثر من قضية منها على سبيل المثال مسألة خط الغاز الروسي «نورد ستريم 2 » الذي تعارضه واشنطن وبعض دول الاتحاد الأوروبي في حين تتمسك به المانيا وقد أعلن بومبيو تخصيص مليار دولار كمساعدات لدول اوروبا الشرقية لتعويضها وتمكينها من إيجاد بدائل للخط الروسي الذي تتمسك به موسكو وبرلين.
وبينما يمكن القول بأن قضايا الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والسلام في الشرق الأوسط وصفقة القرن كانت شاحبة في مناقشات مؤتمر ميونيخ للأمن، لاعتبارات كثيرة، فانه لم يكن مصادفة ان تهتم دول الاتحاد الأوروبي بالوضع في سوريا وليبيا بشكل اكبر، بالنظر إلى ارتباط ما يجري فيهما بالمصالح الأوروبية بدرجة عالية، صحيح أن السلام والاستقرار في الشرق الاوسط يؤثر كثيرا في المصالح والأمن والاستقرار في اوروبا، وهو امر معروف ومفهوم، غير ان الظروف المحيطة بالقضية الفلسطينية والضغط الأمريكي الشديد لدفع صفقة القرن على حساب الفلسطينيين، أدى إلى أن ينحصر موقف بعض دول الاتحاد الأوروبي في التأكيد على أهمية إعطاء فرصة لحل الدولتين وحل المشكلة في إطار القانون الدولي والشرعية الدولية، مع إعطاء اهتمام اكبر لمحاولة وقف القتال في سوريا وفي ليبيا بحكم أن التطورات الحالية فيهما يمكن ان تفتح المجال لتفاقم أزمة الهجرة غير الشرعية في اتجاه أوروبا، أو تعقيد العلاقات مع تركيا بشكل أكبر.
وفي كل الأحوال فانه يمكن القول أن مؤتمر برلين وجه الانتباه إلى قضايا عدة بما فيها التحدي الذي تطرحه الصين بتفوقها في مجال تقنية الاتصالات وامتلاكها لتقنية الجيل الخامس الذي يثير قلقا أوروبيا وأمريكيا ايضا، ولم يكن مصادفة ان ينتقد الرئيس الألماني فرانك شتاينماير الصين وان يتهمها « بالانتقائية في التعامل مع القانون الدولي»، واذا كان رئيس المؤتمر «فولفجانج ايشينجر» قد اعلن عن إحباطه للعجز عن حل المشكلات العالقة، فان مناقشات المؤتمر وضعت العالم في الواقع أمام مسؤولياته ولعل ذلك يدفع نحو مزيد من الإدراك للمخاطر التي يواجهها العالم الآن ومن ثم التعاون بشكل أكبر لمواجهتها. غير أن ذلك يظل معلقا بدرجة كبيرة بالإرادة السياسية للدول ذات التأثير وبدرجة التوافق الممكن الوصول اليها، وايضا بنتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر القادم.